تفادياً لغضب ترمب.. وول ستريت تدخل عصر "الرقابة الذاتية"

تفادياً لغضب ترمب.. وول ستريت تدخل عصر "الرقابة الذاتية" -- Jan 23 , 2026 373

في وادي دافوس المكسو بالثلوج، اجتمع مسؤولون تنفيذيون من أكبر دور الاستثمار في العالم على مائدة إفطار خاصة لتبادل الآراء قبل وصول الرئيس الأميركي دونالد ترمب، منتقين كلماتهم بعناية شديدة.

المديرون القادمون من مؤسسات مثل "بلاك روك" و"تي بي جي" (TPG) وصندوق الثروة السيادي العملاق "تيماسيك هولدينغز" (Temasek Holdings)، ناقشوا تأثير التحولات السريعة في السياسات الأميركية على الأسواق العالمية. في إحدى اللحظات، حذر أحد كبار التنفيذيين من التداعيات المحتملة للتوترات المرتبطة بالمطالب الأميركية بشأن غرينلاند، ولكن حتى حينها، تجنب ذكر اسم "ترمب".

رقصة "وول ستريت" الحذرة
هكذا تبدو رقصة "وول ستريت" الحذرة مع بداية عام 2026: كيف تمكن مساعدة العملاء على استيعاب هجوم السياسات الذي يشنه ترمب والاستعداد له، دون إثارة غضبه؟

الإجابة، أصبحت بشكل متزايد، "الرقابة الذاتية".

قدم أكبر بنك في ألمانيا مثالاً بارزاً عن هشاشة هذا الوضع. مع وصول المشاركين إلى المنتدى الاقتصادي العالمي في سويسرا يوم الأحد، نشر كبير استراتيجيي العملات في "دويتشه بنك" جورج سارافيلوس، مذكرة للعملاء توقع فيها أن تصبح أوروبا أقل رغبة في الاحتفاظ بالأصول الأميركية، في ظل تهديدات ترمب بالاستحواذ على غرينلاند، وهو إقليم بحكم شبه ذاتي تابع لمملكة الدنمارك. بحلول الأربعاء، قال وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت إن الرئيس التنفيذي للبنك، كريستيان زيفينغ، تواصل معه ليؤكد على نأي إدارة البنك عن هذا التقرير واسع الانتشار.


تغذي هذه الواقعة مخاوف متنامية في بعض أوساط "وول ستريت" من أن استعداد الإدارة الأميركية لتسمية المديرين التنفيذيين والشركات واستهدافهم علناً يدفع نحو المزيد من الرقابة الذاتية. فبحسب الرئيس التنفيذي لإحدى شركات الاستثمار الكبرى، الذي طلب عدم الكشف عن هويته، فإن المديرين التنفيذيين باتوا يتبادلون قلقهم في ما بينهم على نحو خاص، لكنهم أصبحوا أقل استعداداً للتعبير عنه علناً، رغم إعلان ترمب عن تغييرات جذرية في سياسات الإسكان والإقراض ببطاقات الائتمان والتعريفات الجمركية.

كتب تيموثي آش، كبير استراتيجيي ديون الأسواق الناشئة في "آر بي سي بلو باي" (RBC BlueBay)، على وسائل التواصل الاجتماعي رداً على تصريحات بيسنت: "هذا ما يحدث في الأنظمة السلطوية. إذ تزال آليات الضبط والتوازن، وينتهي الأمر بسياسات سيئة".

حذر أوروبي من القضايا الحساسة
يعد خفض الظهور العلني ردة فعل شائعة، لا سيما بين التنفيذيين الأوروبيين، إذ يطلب بعضهم من فرق الأبحاث تجنب الخوض في القضايا الحساسة، بحسب أشخاص مطلعين على الأمر. كما تميل القيود المفروضة على ظهور المحللين علناً إلى التشدد بالتوازي مع تصاعد التوترات بين الولايات المتحدة وأوروبا.

في العام الماضي، بدأت مؤسسة مالية أوروبية كبرى تحث موظفيها في بعض أنشطتها على الامتناع عن التعليقات المثيرة للجدل بشأن أكبر اقتصادين في العالم، في ظل تزايد مخاطر ردود الفعل السلبية من السلطات في الولايات المتحدة أو الصين. وتركزت هذه التحذيرات الشفوية على الأبحاث والظهور في المنتديات العامة، لكنها حدت أيضاً من النقاشات الداخلية، وفقاً لأشخاص مطلعين على الأمر.

ويعود جزء من القلق إلى احتمال أن يؤدي إغضاب إدارة ترمب إلى عرقلة قدرة الشركات على ممارسة أعمالها في الولايات المتحدة، حيث يمكن للمسؤولين مثلاً، رفض تجديد تأشيرات العمل.

قال توم كيرشماير، أستاذ في مركز الأداء الاقتصادي بكلية لندن للاقتصاد إنه "أصبح هناك الآن ثقافة خوف منتشرة على نطاق واسع".

مواقف حذرة
حتى جيمي ديمون، الرئيس التنفيذي لبنك "جيه بي مورغان تشيس" وأحد أكثر الأصوات صراحة في القطاع المصرفي الأميركي، تبنى موقفاً وسطياً عندما سُئل على منصة دافوس عن تحركات ترمب الأخيرة، قائلاً خلال جلسة حوارية: "أريد حلف شمال أطلسي أقوى وأوروبا أقوى. بعض ما فعله ترمب يسهم في ذلك، وبعضه لا".

رغم ذلك، دافع ديمون عن فكرة أن قادة الأعمال يخشون مصارحة الإدارة، مشيراً إلى أنه "ليس من أنصار التعريفات الجمركية" ويعتقد أن على الحكومة تغيير نهجها تجاه الهجرة. وأضاف: "قلت ذلك. ماذا تريدون مني أن أقول أكثر؟".

دعوات للمواجهة بصراحة
في المقابل، دعا كين غريفين، مؤسس "سيتادل" (Citadel)، نظراءه من الرؤساء التنفيذيين إلى التواصل مع ترمب وأعضاء حكومته والتحدث بصراحة، واصفاً إياهم بأنهم أكثر تقبلاً لمصالح قطاع الأعمال مقارنة بالإدارات السابقة.

الملياردير الذي يعمل في صناديق التحوط وصناعة السوق، قال إن "التنفيذيون الأميركيون في قطاع الأعمال يرتكبون خطأ حقيقياً بعدم التعبير عن آرائهم. هذا الرئيس ستكون له لحظات يسخر فيها، نعم، لكنه يستمع".

خلال العام الماضي، شملت تلك اللحظات سخرية ترمب من الرئيس التنفيذي لـ"غولدمان ساكس" ديفيد سولومون على وسائل التواصل الاجتماعي، حين اقترح أن يركز على هوايته كمنسق موسيقى (دي جي)، إضافة إلى دعوته لاستبدال كبير اقتصاديي البنك بسبب توقعه أن تصبح التعريفات عبئاً متزايداً على المستهلكين. وفي مايو، وصف مدير الاتصالات في البيت الأبيض ستيفن تشيونغ كبير اقتصاديي "موديز" مارك زاندي بأنه "من معارضي ترمب دائماً"، بعد خفض وكالته التصنيف الائتماني السيادي للولايات المتحدة.

تشابه مع الصين
قال محلل كبير في بنك استثماري أميركي، غير مخول بالحديث علناً، إن احتمال انتقاد ترمب حاضر في أذهان الكثير من المحللين عند نشرهم تقاريرهم، مشبهاً الوضع بالصين، حيث تراقب الحكومة المحللين.

في هذا السياق، أثار استراتيجي "جيه بي مورغان" مايكل سيمبالست، ضجة العام الماضي بعدما حجب أجزاء من مذكرة بحثية، ثم أنهى عرضاً تقديمياً للعملاء استمر 45 دقيقة، وصف فيه تعريفات ترمب بأنها نهج "المطرقة الغليظة"، بالقول إنه حجب بعض المواد مراعاة لشركته وزملائه.

وفي مقابلة مع بلومبرغ، قال الرئيس التنفيذي لـ"مورغان ستانلي" تيد بيك، إن الهدف يجب أن يكون إعداد أبحاث مستقلة ومؤثرة دون توجيه ضربات غير ضرورية.

أضاف: "كتابة الأبحاث فقط بهدف الاستفزاز والحصول على لحظة شهرة ليس عادلاً للمؤسسة، لأنها تضع الحكومة أو أي طرف آخر في موقف حرج".

مخاطر الصمت
لكن الخطر، بحسب آيزاك ستون فيش، الرئيس التنفيذي لشركة "ستراتيجي ريسكس" (Strategy Risks) المتخصصة في استخبارات الأعمال المرتبطة بالصين، هو أن تؤدي الرقابة الذاتية إلى إبقاء صناع السياسات غافلين عن المشكلات التي تتشكل تحت السطح.

قال ستون فيش: "ربما أبدو تقليدياً، لكن الحكومة الأميركية والاقتصاد يستفيدان عندما لا تشوه البنوك تحليلاتها لأسباب سياسية. إذا كان المستثمرون الأوروبيون سيتخلون عن الأصول الأميركية بسبب غزو أميركي لغرينلاند، فعلى إدارة ترمب أن تستوعب هذه المعلومة وتضعها في حساباتها".

مكاسب… ثم مفاجآت
بشكل عام، كان ترمب داعماً لثروات "وول ستريت". فقد ارتفعت أرباح البنوك وأسهمها العام الماضي مع تخفيف القيود التنظيمية. كما عزز صعود الأسواق عوائد صناديق التحوط، وساعد انتعاش إبرام الصفقات المؤسسية شركات الملكية الخاصة على التخارج من استثمارات قديمة.

لكن القطاع المالي واجه هذا العام مساراً مليئاً بالعقبات نتيجة سياسات مفاجئة. الأمر بدأ في 7 يناير، عندما أعلن ترمب عبر وسائل التواصل الاجتماعي تعهده بمنع المستثمرين المؤسسيين من شراء المزيد من المنازل العائلية، ما أدى إلى هبوط أسهم من بينها "بلاكستون". وبعد أيام، طالب البنوك بفرض سقف 10% على فوائد بطاقات الائتمان لمدة عام، ما ضغط على أسهم "جيه بي مورغان" و"سيتي غروب" و"كابيتال وان". 

 

وبعد خطابه أمام قادة العالم في دافوس، رفع ترمب دعوى قضائية على "جيه بي مورغان" وديمون مطالباً بما لا يقل عن 5 مليارات دولار، متهماً البنك "بإلغاء التعامل المصرفي" مع أعماله لأسباب سياسية بعد مغادرته المنصب في 2021.

تداعيات ملموسة وخروج أوروبي
لا يهم دائماً ما إذا كانت الانتقادات ستثبت صحتها أو ما إذا كانت السياسات ستلغى لاحقاً.

ففي حالة مذكرة "دويتشه بنك"، أثبتت مخاوف سارافيلوس بعض صحتها. إذ أعلن صندوق التقاعد الدنماركي "أكاديميكربنسيون" (AkademikerPension)، الذي يدير مدخرات بنحو 25 مليار دولار، عزمه الخروج من سندات الخزانة الأميركية بحلول نهاية الشهر. كما قالت شركة التقاعد السويدية "أليكتا" (Alecta)، إنها باعت بالفعل معظم حيازاتها من سندات الخزانة الأميركية منذ مطلع العام الماضي، مشيرة إلى عدم القدرة على التنبؤ بالسياسات الأميركية وعجز الموازنة والدين العام.

 

كاتي كوخ، الرئيسة التنفيذية لـ"تي سي دبليو غروب" (TCW Group)، قالت إنها تجتمع مع مالكي أصول "يتطلعون إلى تنويع استثماراتهم بعيداً عن الأصول الأميركية"، مضيفة: "أصف ذلك نوعاً ما بأنه انسحاب هادئ من السندات الأميركية. لا أعتقد أننا سنشهد إعلاناً كبيراً، بل سيبحثون عن فرص للتنويع".

وأكد متحدث باسم "دويتشه بنك" أن البنك لا يعلق على محادثاته مع الحكومات، مشيراً إلى أن باحثيه مستقلون، وبالتالي فإن "الآراء الواردة في المذكرات البحثية الفردية لا تعكس بالضرورة وجهة نظر إدارة البنك".

bloomberg

أقرأ أيضاَ

Binance تحوّل 100 مليون دولار من البيتكوين إلى صندوق SAFU لحماية المستخدمين من الخسائر

أقرأ أيضاَ

بتكوين تتعثر بعد تعافٍ طفيف وسط حذر في سوق الخيارات