الصناعة السورية: من تحت الركام إلى رفوف بيروت -- Feb 05 , 2026 19
لم تعد عبارة "صنع في سوريا" المطبوعة على أغلفة المواد الغذائية والمنظفات في السوبر ماركات اللبنانية مجرد إشارة لمنشأ البضاعة، بل تحولت في السنوات الثلاث الأخيرة إلى "كلمة سر" للمستهلك اللبناني الباحث عن معادلة صعبة: الجودة التي تضاهي المنتج الوطني والسعر الذي يكسر حدة الغلاء المستورد.
في سوقٍ لبناني لطالما عُرف بانفتاحه على الماركات العالمية، استطاع المنتج السوري أن يشق طريقه بقوة، ليس فقط في المحال الصغيرة بالمناطق الشعبية، بل على رفوف كبرى المتاجر في بيروت وغيرها، ليثبت أن "اللقمة الشامية" و"الصناعة الحلبية" لا تزالان تمتلكان نفساً طويلاً بالرغم من وطأة الأزمات.
الند للند واختبار "المعمل والمطبخ"
المفارقة التي يرصدها المتابع لحركة الأسواق في بيروت، هي أن ماركات مثل "مهنا" في الحلويات، أو "نيوبارك" و"مدار" و"نورا" و"كرزة" في المنظفات والغذائيات، لم تعد تُعامل كبضاعة "نخب ثانٍ". على العكس، يجد المستهلك اللبناني في هذه المنتجات جودة تصنيعية تضاهي الإنتاج الوطني اللبناني وقد تتفوق بمراحل على المنتجات المستوردة القادمة من شرق آسيا أو أوروبا الشرقية.
هذا "النضج الصناعي" السوري خضع لاختبار "المعمل والمطبخ" في البيوت اللبنانية وخرج منه منتصراً؛ إذ اكتشف المستهلك أن التركيبات الكيميائية للمنظفات السورية تمنح فاعلية تضاهي الماركات العالمية التي تجاوز سعرها الـ10 دولارات، بينما المنتج السوري المنافس لا يتخطى الـ4 دولارات لأحجام التوفير.
كسر احتكار "الدولار" بالأرقام
بالتوازي، وفي ظل "دولرة" الأسعار في لبنان، برز المنتج السوري كصمام أمان لميزانية العائلات، ولم تكن أرقام عام 2025 مجرد إحصاءات عابرة، إذ كشفت بيانات حركة التبادل التجاري أن قيمة الصادرات السورية الموجهة للأسواق اللبنانية تجاوزت عتبة الـ70 مليون دولار خلال الأشهر السبعة الأولى من عام 2025.
ويعتمد هذا التوسع على "سلاح السعر" الفتاك، إذ تظهر الجولات الميدانية فارقاً سعرياً يتراوح بين 20% و30% لصالح المنتج السوري، خاصة في أصناف المنظفات والكونسروة. هذا الفارق السعري ليس ناتجاً عن "ضعف الجودة"، بل عن تكامل في سلاسل التوريد والاعتماد على مواد أولية محلية في سوريا، ما يجعل المنتج القادم من سوريا الخيار "الأرخص" فعلياً في سوق مزدحم بالماركات العالمية التي باتت أسعارها تفوق القدرة الشرائية لغالبية اللبنانيين.
جودة حاضرة بالرغم من محدودية التوزيع
في حديثه مع "المدن"، يؤكد رئيس نقابة أصحاب السوبر ماركت في لبنان نبيل فهد، أن المنتجات ذات المنشأ السوري، ولا سيما الأصناف الغذائية منها، باتت تمتلك حصة "لا بأس بها" على رفوف المتاجر اللبنانية.
ويوضح فهد، أن هذه السلع تحظى بطلب واضح من المستهلك اللبناني، مدفوعةً بميزة أساسية وهي السعر الذي يقل عن باقي السلع، بالتوازي مع تميز بعضها بجودة ونوعية جيدة جداً تجذب المشتري.
ومع ذلك، يضع فهد مقارنة واقعية لحجم السوق، مشيراً إلى أن أعداد المنتجات السورية الموزعة في السوبر ماركت لا تزال تعتبر "محدودة" عند مقارنتها بالمنتجات التركية أو المصرية التي تمتلك انتشاراً وكثافة أكبر بكثير في الأسواق اللبنانية حالياً.
كذلك، يلفت فهد إلى أن هذا الحضور السوري يتركز بنسب متفاوتة، إذ يعتبر عدد السلع الموجودة في مناطق بيروت وجبل لبنان محدوداً على نحوٍ عام. لكنه يختم بتأكيد "عامل الثقة"، معتبراً أن المنتج السوري الذي أثبت كفاءته يمتلك سمعة طيبة، والمستهلك اللبناني الذي يعرف هذه الجودة "يشتريه بكل راحة ودون أي تفكير في مصدره"، وهو ما يعزز مكانة هذه الأصناف بالرغم من قلة تنوعها مقارنة بغيرها.
ارتباط عضوي وحاجة لـ "إطار رسمي"
وفي قراءة اقتصادية لهذا المشهد، يرى الخبير الاقتصادي الدكتور جاسم عجاقة أن "هذا التدفق ليس وليد المصادفة، بل هو تعبير عن ارتباط عضوي تاريخي وجغرافي بين الاقتصادين اللبناني والسوري".
ويشير عجاقة في تصريح خاص لـِ "المدن"، إلى أن تجاوز الصادرات السورية عتبة الـ 70 مليون دولار في النصف الأول من عام 2025 هو "انعكاس طبيعي" للمرحلة الجديدة، معتبراً أن الانفتاح السوري الأكبر على التصدير جعل من الطبيعي أن تزداد حصته في السوق اللبنانية.
ومع ذلك، يلفت عجاقة الانتباه إلى نقطة جوهرية، وهي أن هذه الأرقام لا تزال نتاج "مبادرات فردية" من تجار وأفراد، وليست نتاج اتفاقات دولية، مؤكداً الحاجة الماسة لـِ "إطار رسمي" بين الحكومتين لتنظيم هذا التبادل، بما يضمن تخفيف كلف النقل والاعتماد على الجوار لتعزيز مصلحة البلدين.
وحول تغير سلوك المستهلك اللبناني، يحلل عجاقة المشهد بواقعية فيقول: "إن المواطن الذي تراجعت قدرته الشرائية سيذهب تلقائياً نحو المنتج الأرخص، وإذا تساوت الأسعار سيختار النوعية الأفضل، وهنا تفرض البضاعة السورية نفسها بقوة". أما عقدة البراند أو التمسك بالمنتج الأجنبي الغالي، فيراها عجاقة محصورة في طبقة ثرية "تشتري التميز" حتى لو بأسعار خيالية، في حين تظل القاعدة العريضة من اللبنانيين محكومة بـِ "منطق الجيب" والواقعية الاقتصادية التي جعلت من المنتج السوري ركيزة لا غنى عنها.
منطق الجيب يغلب "البرستيج"
إن انتشار المنتج السوري اليوم يعكس تغيراً جذرياً في هيكلية الاستهلاك اللبناني، فالحواجز النفسية التي كانت تدفع اللبناني تاريخياً نحو الماركة الأجنبية كنوع من "البرستيج" تلاشت تماماً في العام 2025 أمام واقعية المنطق الاقتصادي.
ولم يعد من المستغرب اليوم رؤية عربات التسوق في كبرى المتاجر محملة بمنتجات "سيدي هشام" أو "الدرة" و"كرزة" (التي تتراوح أسعارها بين 0.80 و2.5 دولار)، بعد أن تحول الولاء من "اسم الماركة" إلى "فعالية المنتج"، وبما أن المنتج السوري استطاع الحفاظ على معاييره الصحية، فقد تحول من "بديل طارئ" إلى "منافس أصيل".
وعليه، فإن هذا التحول من "الاستهلاك الاضطراري" إلى "الولاء النوعي" جعل بعض اللبنانيين خاصة ذوي الدخل المحدود يجدون في المنتج السوري القيمة المطلوبة مع توفير يصل إلى 30% من فاتورتهم الشهرية، ليفرض نفسه كركيزة أساسية في تأمين الأمن الغذائي والمنزلي.