ترمب يعيد رسم خريطة الاستثمار بدول "أوبك".. وأدواته "شيفرون" و"إكسون"

ترمب يعيد رسم خريطة الاستثمار بدول "أوبك".. وأدواته "شيفرون" و"إكسون" -- Feb 10 , 2026 24

تضع شركتا "إكسون موبيل" و"شيفرون" أعينهما على توسيع الإنتاج في دول منضوية تحت لواء منظمة البلدان المصدّرة للبترول "أوبك"، بما في ذلك بعض أكثر بؤر التوتر الجيوسياسي خطورة في العالم، إذ تساعدهما سياسة الرئيس دونالد ترمب الخارجية الحازمة في إبرام الصفقات.

تُعدُّ فنزويلا، التي تمتلك أكبر احتياطي نفط في العالم، أبرز هذه الفرص الجديدة، وهي دولة كانت في الغالب محظورة على المستثمرين الأميركيين، إلى أن ألقى ترمب القبض على الرئيس السابق للبلاد نيكولاس مادورو، وسيطر على صادرات البلاد من النفط الخام.

دور ترمب في دعم صفقات الطاقة
لكن الولايات المتحدة تدعم أيضاً "إكسون" و"شيفرون" بمفاوضاتهما في العراق، وليبيا، والجزائر، وأذربيجان، وكازاخستان، وفقاً لإفصاحات علنية ولأشخاص مطّلعين طلبوا عدم الكشف عن هوياتهم نظراً لسرية المحادثات.

 

تعد المغامرات الدولية لعمالقة النفط الأميركيين أحدث مثال على كيفية قلب ترمب للمعايير المعتادة التي تنتهجها الشركات الأميركية في ممارسة الأعمال، لاسيما في الصناعات التي يفضلها مثل التصنيع، والوقود الأحفوري، والعملات المشفرة. 

ميزة تنافسية للشركات الأميركية بالخارج
بينما تسعى شركات النفط الأوروبية مثل "شل"، و"توتال إنرجيز"، و"بي بي" (bp Plc) إلى التوسع أيضاً في الشرق الأوسط، تمنح المساندة الحكومية الأميركية شركتي "إكسون" و"شيفرون" ميزة تنافسية.

وتوضح سامانثا كارل-يودر، المسؤولة البارزة السابقة في وزارة الخارجية الأميركية، والتي ساعدت الشركات الأميركية على التوسع في الخارج خلال ولاية الرئيس باراك أوباما والفترة الأولى لترمب: "لدينا سفراء أميركيون هناك يروّجون للشركات... إنهم يتحركون بزخم لم يكن موجوداً في الإدارات السابقة، حتى الجمهورية منها".

 

في حين أن كبار منتجي النفط يعملون ضمن دول "أوبك+" منذ عقود، إلا أن الفرص لتنفيذ مشاريع جديدة كانت محدودة بسبب سيطرة الدول على صناعاتها النفطية، وشروط العقود الصعبة، وعدم الاستقرار السياسي. وفي السنوات الماضية، فضّلت الشركات الأميركية الكبرى توسيع أعمالها في قطاع النفط الصخري داخل الولايات المتحدة، ما ساعد أميركا على تجاوز السعودية لتصبح أكبر منتج للنفط في العالم في 2018.

فرص جديدة في أسواق نفط غير مستقرة
لكن الآن، ومع سعي حكومات دول نفطية لاستمالة ترمب، وكسب ضمانات أمنية أميركية ضمنية، وتجنّب الرسوم الجمركية، يشعر التنفيذيون في شركات النفط الأميركية بوجود فرصة للنمو الدولي لم تُتح منذ منتصف العقد الأول من الألفية. وسيُشكّل الاستثمار في بعض أكبر حقول النفط في العالم توسعاً في سعي ترمب لتحقيق "هيمنة أميركية في مجال الطاقة"، وزيادة في إمدادات الوقود الأحفوري حتى أربعينيات القرن الحالي.


لكن بالطبع، تنطوي هذه الخطوات على مخاطر.

تجارب التأميم السابقة تهدد الاستثمارات
كانت الغالبية العظمى من شركات النفط الكبرى في العالم قد صودرت معظم أصولها خلال موجة التأميم التي اجتاحت الشرق الأوسط في سبعينات القرن الماضي. وفشلت عدة محاولات للعودة إلى المنطقة بسبب شروط العقود الصارمة وعدم الاستقرار السياسي، فمثلاً، تعرضت "إكسون" للتأميم مرتين في فنزويلا خلال الخمسين عاماً الماضية، كما أُجبرت الصناعة بأكملها على مغادرة روسيا بعد الحرب التي شنتها على أوكرانيا قبل أربع سنوات فقط.

واشنطن تعتزم إصدار ترخيص لتمكين الشركات من ضخ نفط فنزويلا... القصة هنا

وقد تكون سوق النفط غادرة أيضاً، فقد أنفقت "إكسون" و"شيفرون" مبالغ طائلة على مشاريع عملاقة في الخارج تجاوزت الميزانية وتأخرت لسنوات عن الجدول الزمني منذ منتصف العقد الأول من الألفية، لتتلقيا ضربة بسبب انهيار أسعار الخام عام 2014 ومرة أخرى في 2020.

ذروة النفط الصخري تحفّز التوسع الدولي
مع اقتراب إنتاج النفط الصخري المحلي من بلوغ ذروته، واستمرار الطلب على النفط بقوة تفوق توقعات عديد من المحللين، تبحث الشركات الأميركية الكبرى عن الخطوة التالية.

وخلال الأشهر الماضية، عقد مسؤولون تنفيذيون من "إكسون" و"شيفرون" اجتماعات منفصلة مع مسؤولين من العراق، وليبيا، والجزائر، غالباً بمشاركة أعضاء بارزين من إدارة ترمب. وأشرف المبعوث الخاص ستيف ويتكوف على اتفاق بين "إكسون" وأذربيجان في أغسطس.

وصرح جون أرديل، رئيس قسم الاستكشاف في "إكسون"، في مقابلة: "أولوية الهيمنة في مجال الطاقة تتماشى بالتأكيد مع ما نقوم به، لكنها لا تحدد الدول التي ندخلها أو كيفية دخولنا إليها".

صفقات شيفرون تتوسع في سوريا والكويت 
ساعد توماس باراك، المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا، في تسهيل صفقة مماثلة بين "شيفرون" ودمشق الأسبوع الجاري. وتسعى الكويت إلى جذب الاستثمارات الأجنبية من خلال فتح بعض حقولها النفطية.

 

واعتبر كلاي نيف، رئيس عمليات الاستكشاف في "شيفرون"، في بيان عبر البريد الإلكتروني: "السياسات الأميركية العملية في مجال الطاقة، وتحسُّن الشروط التنظيمية والمالية في الدول الغنية بالموارد، تخلق بيئة تدعم الاستثمار المسؤول".

ورغم أن عدداً من الاتفاقات في الشرق الأوسط غير ملزمة، فإن جميع المؤشرات تدل على أن "إكسون" و"شيفرون" جادتان في السعي وراء مفاوضات حقيقية بينما تعملان على إعادة بناء احتياطاتهما للسنوات العشر المقبلة وما بعدها.

أورد بيراج بورخاتاريا، المحلل في "آر بي سي كابيتال ماركتس" (RBC Capital Markets)، في مذكرة: "نرى أن الشركات الأميركية الكبرى تحظى بميزة غير متكافئة نظراً للنهج الجديد والأكثر جرأة للإدارة الأميركية"، مضيفاً أن ذلك "قد يؤدي إلى فرص للاستحواذ على الموارد لا تتوفر لنظيراتها الأوروبية".

وتبقى أكبر الجوائز هي الاحتياطيات النفطية الهائلة ضمن دول تحالف، رغم قيود الإنتاج التي يفرضها التكتل.

وكانت "إكسون" تدير أحد أكبر حقول النفط في العراق، "غرب القرنة-1"، بعد الغزو الأميركي في عام 2003، لكنها خرجت منه في عام 2024 لأنها لم تكن تحقق أرباحاً كافية رغم ضخامة كميات الخام الموجودة هناك.

سعي دول أوبك لجذب التكنولوجيا الغربية
يجبر تدفق الإمدادات النفطية من الأميركيتين دول "أوبك" على إعادة التفكير في نهجها للحفاظ على حصتها في سوق النفط العالمية. وتعلن عدة دول الآن أنها مستعدة لتقديم شروط جديدة مقابل الحصول على التكنولوجيا الغربية والخبرات ورؤوس الأموال اللازمة لإعادة تأهيل حقولها النفطية القديمة.

ويشير أرديل إلى أن حكومات عدة تسعى لتقليد تجربة غيانا، حيث اكتشفت "إكسون" النفط عام 2015، وتُنتج الآن نحو مليون برميل يومياً. وكانت الدولة الواقعة في أميركا الجنوبية، والتي تحوّلت حديثاً إلى أسرع الاقتصادات نمواً في العالم، قد وافقت على شروط تجارية مع "إكسون" اعتبرها المنتقدون مواتية جداً للشركة.

أرديل أضاف: "هناك إدراك متزايد لدى العديد من الحكومات بأن التحلّي بالإبداع والانفتاح لإيجاد إطار مناسب لتقاسم الإيرادات يجلب قيمة أكبر بكثير من عدم التوصل لأي اتفاق، وبالتالي عدم جذب الاستثمار".

اهتمام أميركي متجدد بحقول النفط في العراق
وقعت "إكسون" اتفاقاً في أكتوبر لدراسة حقل "مجنون" العملاق في العراق، فيما أبرمت "شيفرون" اتفاقاً مماثلاً قبل ذلك بعدة أشهر لمشروع الناصرية في جنوب العراق. وأبدت الشركتان اهتماماً بتولي حقل غرب القرنة 2، الذي يُنتج نحو 10% من نفط العراق، قبل أن توافق المشغلة الحالية "لوك أويل" (Lukoil PJSC) على بيع معظم أصولها الدولية إلى "كارلايل غروب" (Carlyle Group).

يرى بعض أفراد النخبة السياسية في العراق أن الاستثمارات القادمة من عمالقة النفط الأميركيين تظهر استقلالية البلاد عن إيران، ويعتقدون أنها ستساعد في كسب ودّ ترمب، في ظل تدهور العلاقات بين واشنطن وطهران.

 

ويُقال إن المسؤولين العراقيين سئموا من بطء وتيرة التطوير من قبل الشركات الروسية والصينية، ويعتقدون أن وجود "إكسون" أو "شيفرون" قد يساعد أيضاً في تحصين البلاد من أي صراع مستقبلي محتمل بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة، وفقاً لأشخاص مطّلعين على تفكيرهم طلبوا عدم الكشف عن هوياتهم نظراً لحساسية المعلومات.

من غير المرجح إحراز تقدم كبير حتى يُشكّل العراق حكومته الجديدة، وهي العملية التي تأخرت منذ الانتخابات التي جرت في نوفمبر بسبب المفاوضات بين الفصائل ضمن ترتيبات تقاسم السلطة. ولم يُخفِ مسؤولو الإدارة المنتهية ولايتها رغبتهم في الشراكة مع "إكسون" و"شيفرون".

استثمارات أميركية مرتقبة في نفط ليبيا بعد الحرب
أبدت شركتا النفط الأميركيتان أيضاً اهتماماً بإعادة الدخول إلى ليبيا بعد أكثر من عقد من الحرب الأهلية. وتعرض البلاد حالياً كتل استكشاف تحتوي على ما يُقدّر بنحو 10 مليارات برميل من الموارد البترولية للمستثمرين الأجانب، كجزء من خطة لزيادة الإنتاج بنسبة 40% بحلول 2030.

 

ترى شركات النفط الأميركية الكبرى أيضاً فرصاً في أوروبا، وأفريقيا، وآسيا الوسطى، ومنطقة الكاريبي.

ومنذ تولي ترمب منصبه قبل عام، وسّعت "إكسون" عملياتها في أنغولا، وحصلت على حقوق الحفر البحري في اليونان، وفازت بامتيازات استكشاف في مصر، ووقّعت عقد تقاسم إنتاج في ترينيداد وتوباغو، بالقرب من غيانا.

أيضاً، تجري "شيفرون" مفاوضات جادة مع كازاخستان بشأن تمديد ترخيصها في حقل تنغيز، الذي يُنتج مليون برميل يومياً، كما وقّعت عقداً مع سورينام، وزادت ميزانيتها المخصصة للاستكشاف بنسبة 50% العام الجاري. وقدّمت عملاقة النفط عروضاً لأربعة كتل بحرية في اليونان، ووقّعت الأسبوع الجاري اتفاقاً مع تركيا.

قال كلاي نيف: "تسعى شيفرون بنشاط وراء فرص الاستكشاف لتعزيز وتوسيع محفظتنا في قطاع المنبع".

تنوع فرص النفط يعزز موقف تفاوض الشركات
يتيح خوض مفاوضات مع عدة حكومات في الوقت نفسه لشركات النفط اختيار أفضل الفرص المتاحة.

 

وأفصح جون أرديل من "إكسون": "سنختار بعناية شديدة أفضل المواقع من الناحية الجيولوجية، وبحيث يكون لدينا توافق تجاري مناسب مع الحكومة، ويكون ملف المخاطر الجيوسياسية مقبولاً".

وهذا يُسهم أيضاً في التوصل إلى أفضل الصفقات.

وبحسب كارل-يودر، المسؤولة السابقة في وزارة الخارجية الأميركية، فإن "خيارات أكثر تعني نفوذاً أكبر... يتيح لك ذلك التراجع خلال المفاوضات المالية والقول: ’هذا لن ينجح على الأغلب، وسنذهب إلى مكان آخر".

أقرأ أيضاَ

صراع المعدن الأحمر.. لماذا تخزن الولايات المتحدة كميات هائلة من النحاس؟

أقرأ أيضاَ

ترامب يهدد بوقف افتتاح جسر مع كندا مطالباً بنصف ملكيته