الصين وروسيا وحرب الخليج: حسابات النفط والسياسة

الصين وروسيا وحرب الخليج: حسابات النفط والسياسة -- Mar 09 , 2026 22

تغرق إيران في حرب متعدّدة الجبهات، ويستعر عداؤها تّجاه جميع حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة، في مواجهةٍ سيكون من شأنها أن تعيد رسم توازنات القوّة في الشرق الأوسط. وفي لحظة مصيريّة كهذه، بدت مواقف حلفاء طهران خجولة، قياسًا بالرهانات السابقة على التوجّه شرقًا لبناءِ عالم متعدّد الأقطاب، أو حتّى بالاتفاقيّات التي جمعت طهران بهؤلاء الحلفاء.

في هذا المقال، تجمع "المدن" بعض التحليلات الجيوسياسيّة، للتعليق عليها، في محاولةٍ لفهم خلفيّة الموقفين الصيني والروسي بالتحديد، وللتبّؤ بتوجّهاتهما المرتقبة، في حال تطوّرت الحرب بهذا الاتجاه أو ذاك. وبدا واضحًا من هذه التحليلات أنّ الصين تنظر إلى الصراع من زاوية الحرص على حماية مصالحها الاقتصاديّة وأمن الطاقة في المنطقة، من دون الانخراط في الأحداث الجارية على نحوٍ مباشر. أمّا الكرملين، فيبدو مأخوذًا بالحسابات المتعلّقة بحربه في أوكرانيا، وهذا ما يدفعه للموازنة بين علاقته مع النظام الإيراني من جهة، وعدم التصعيد في وجه الولايات المتحدة من جهة أخرى.

الصين وأولويّات أمن الطاقة

الباحثة الصينيّة يون سون هي، مديرة برنامج الصين في مركز ستيمسون، طرحت في مجلّة "الفورين أفيرز" أسئلة ووقائع تستحق الوقوف عندها، في تحليلٍ بعنوان "لماذا لن تساعد الصين إيران؟". التحليل يبدأ بتعداد المصالح الصينيّة المرتبطة بهذا النزاع، إذ جاءت -عام 2025- أكثر من 55 بالمئة من واردات الصين النفطيّة من منطقة الشرق الأوسط، ومن بينها 13 بالمئة من الواردات الآتية من إيران. والغالبيّة الساحقة من هذه الواردت تمرّ عبر مضيق هرمز، ما يجعل النزاع تهديداً مباشرًا لإمدادات الطاقة الصينيّة.

في بداية الحرب، توقّع البعض أن تبادر بكين إلى تقديم بعض الدعم إلى طهران، ربما عبر تزويدها بالمعدات مزدوجة الاستخدام، أي تلك التي يمكن استخدامها لغايات عسكريّة أو مدنيّة، كما فعلت مع روسيا خلال حرب أوكرانيا. غير أنّ الوقائع الحاليّة جاءت مخيّبة لآمال طهران. إذ اقتصر رد الفعل الصيني على بعض التصريحات الدبلوماسيّة، التي تدعو إلى "وقف العمليّات العسكريّة واحترام سيادة الدول في الخليج". وهو ما بدا كمحاولة للحفاظ على علاقات جيّدة مع إيران والدول العربيّة الواقعة على الضفّة الأخرى من الخليج، في وقتٍ واحد.

تشير الباحثة، في تحليلها، إلى أنّ هذا الحذر الصيني من التورّط إلى جانب إيران ليس جديداً. فالخبراء الصينيون انتقدوا طوال الفترة الماضية اعتماد إيران الكبير على الحروب بالوكالة، والعمليّات غير المباشرة، بدلاً من المواجهة المباشرة بالقوى الذاتيّة، وهو ما يرونه مؤشّرًا على ضعف داخلي. وزاد من شكوك هؤلاء انكفاء إيران خلال السنوات الماضية، في المواجهات التي خاضها حلفاء طهران ضد إسرائيل، ما أوحى للصين بأن "نفوذ طهران الإقليمي مبالغ فيه".

وللصين حسابات أخرى ترتبط بالعلاقة مع الولايات المتحدة. فخلال الفترة المقبلة، ثمّة قمّة مرتقبة بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب والرئيس الصيني شي جين بينغ. وبينما تأمل بتخفيف التوتّرات التجاريّة بين الطرفين، بعد سنوات من المنافسة الحادّة، ثمّة ما يدفع الصين لتفادي التورّط في صراع إقليمي قد يعرقل هذه الجهود الدبلوماسيّة. أي بعبارة أخرى، لدى الصين ما تخسره هنا إذا قدّمت الدعم لطهران، فيما تدور شكوك بالقدرة على الاعتماد على طهران كقوّة إقليميّة مقتدرة ومؤثّرة.

بهذا الشكل، يبقى هناك متغيّر أساسي حاسم بالنسبة للصين: أمن سلاسل توريد الطاقة. فالصين تملك احتياطات نفطيّة استراتيجيّة تُقدّر بنحو 1.4 مليار برميل، وهي كافية لمواجهة أي اضطرابات قصيرة الأجل في الإمدادات. غير أنّ حصول اضطرابات طويلة الأجل، سيؤثّر شكلٍ كبير على الاقتصاد الصيني، ما سيضع بكين أمام معضلة ينبغي التعامل معها.

في هذه الحالة، إذا تعرّض النظام الإيراني لنكسة، أو استقرّ الوضع بعد تغيير قيادته، من المرجّح أن تتكيّف الصين بسرعة مع الوضع، عبر بناء علاقة مباشرة مع القيادة الجديدة، لتفادي خسارة الإمدادات النفطيّة. أمّا إذا صمد النظام على المدى البعيد، قد تجد الصين نفسها مضطرّة لتقديم نوع من الدعم، وإن عبر شراء النفط أو تقديم تكنولوجيّات معيّنة. وبهذا المعنى، أولويّة الصين ليست بقاء النظام الإيراني ولا حمايته، بل ضمان استمرار تدفّق النفط من منطقة الشرق الأوسط، بمعزل عن هويّة القيادة الحاكمة في طهران.

روسيا وحسابات حرب أوكرانيا

تشير مجلّة "ذا إكونوميست" إلى تعقيدات الموقف، بالنسبة للرئيس الروسي فلاديمير بوتين. لقد خسر بوتين خلال شهرين حليفين، أولاً نيكولاس مادورو في فنزويلا ثم المرشد الإيراني علي خامنئي، بفعل التدخلات العسكريّة الأميركيّة. ومع ذلك، تعامل بوتين مع المستجدات بحذرٍ شديد، فاكتفى إرسال رسالة تعزية بعد مقتل خامنئي، وصف فيها الحادث بأنه انتهاك للقانون الدولي، من دون توجيه اتهام مباشر لأيّة جهة.

ولقد تحدّثت بعض التقارير عن تزويد روسيا لإيران ببعض المعلومات الاستخباراتية، مثل بيانات المواقع للطائرات المسيّرة والصواريخ الإيرانية. لكن الدعم العسكري المباشر كان محدوداً، قياسًا بالدعم الذي قدّمته طهران لروسيا خلال حربها في أوكرانيا.

في واقع الأمر، تحمل الحرب نتائج متباينة وربما متعاكسة بالنسبة لروسيا. فارتفاع أسعار النفط سيرفع عائدات الخزينة الروسيّة، التي تعتمد على تصدير هذه المادّة. والهجوم الإيراني على منشآت الغاز القطريّة سيفيد روسيا أيضًا، إذ سيزيد من التعقيدات التي تواجهها أسواق الطاقة الأوروبيّة. ومع ذلك، تبقى هذه النتائج مجرّد مكاسب مؤقّتة، ولا يمكن البناء عليها لمعالجة الاختلالات البنيويّة في الاقتصاد الروسي.

ومن الناحية العسكريّة، قد تستفيد روسيا من الحرب أيضاً، نظراً لاستنزاف مخزون الولايات المتحدة من صواريخ الدفاع الجوي ومضادات الصواريخ، وهذا ما يعني تقليص الدعم المُقدّم لأوكرانيا. لكن في المقابل، وعلى المدى الطويل، قد تكون النتيجة الاستراتيجية للحرب سلبية بالنسبة لروسيا، لأنها تكشف عجز موسكو عن حماية حلفائها، بل وعدم فعاليّة الوسائط القتاليّة التي قدّمها الكرملين سابقًا لطهران.

في الوضع الحالي، وأمام هذه النتائج المتباينة، يستفيد بوتين حالياً من انشغال الولايات المتحدة بالحرب في الشرق الأوسط. وهذا ما يعكس نظرته إلى إيران، بوصفها شرك مؤقت وورقة تفاوض في نزاعه مع الغرب، لا بوصفها حليفًا قويًا ينبغي الدفاع عنه أو التضحية لأجله. وبهذا الشكل، تحاول موسكو الموازنة بين علاقتها مع طهران من جهة، وإبقائها كورقة ضغط في ملف أوكرانيا من جهة أخرى. ومع ذلك، سيظل بوتين أمام تحدّي مهم. فلكي تبقى إيران ورقة مفيدة في هذه اللعبة الجيوسياسيّة، يجب أن لا ينهار النظام الإيراني. وإذا انهار، فسيكون أمام سقوط تجربة لطالما ضُرب المثل بها، لجهة صمودها بالرغم من العقوبات والعزلة.

في خلاصة الأمر، تتفق موسكو وبكين على طريقة التعامل مع النظام الإيراني، كورقة ضغط لا كحليف استراتيجي. وبينما تضع بكين نصب أعينها المسائل المرتبطة بأسواق الطاقة، كهدف من علاقتها بطهران، تحاول روسيا الاستفادة من طهران كجبهة إشغال تخفّف دعم الغرب لأوكرانيا. وفي الحالتين، سيبقى مستقبل علاقة الدولتين مع طهران محكومًا بتوازن المصالح الاقتصاديّة والجيوسياسيّة، أكثر من الارتباط الإيديولوجي أو التحالف العسكري المباشر.

علي نور الدين - المدن

أقرأ أيضاَ

مصفاة النفط الرئيسية في البحرين تعلن حالة القوة القاهرة

أقرأ أيضاَ

ترامب: ارتفاع أسعار النفط جراء الحرب على إيران هو "ثمن بسيط يتعين دفعه"