هل الخوف على الليرة مُبرّر؟ -- Mar 09 , 2026 6
يبدي البعض في هذه الأيام مخاوف حيال احتمال انهيار سعر الليرة مجددًا، وأن يتخلى مصرف لبنان عن سياسة تثبيت سعر الصرف تحت ضغط تداعيات الحرب في لبنان والمنطقة. هل هذه المخاوف مبرّرة؟ وهل من مخاطر حقيقية على سعر صرف الليرة؟
المفارقة أن التساؤلات التي باتت مطروحة في الشارع، جاءت بعد فترة قصيرة (قبيل اندلاع الحرب) من بروز تساؤلات معاكسة كانت تنتشر مثل النار في الهشيم، وتدور حول ما إذا كانت السلطات المختصة ستعمد إلى خفض سعر صرف الدولار إلى حوالى 60 ألف ليرة. وقد تبيّن أن المسألة برمتها لا تعدو كونها تنطلق من مجرد اقتراح قدمه أحد النواب، في معرض حديثه عن الأفكار التي يمكن اعتمادها للإفادة من مخزون الذهب الاحتياطي في مصرف لبنان. وفي النتيجة، لم تكن هناك نية، ولا أي توجّه لتحريك سعر صرف الليرة.
بالمناسبة، وبصرف النظر عن التقديرات التي تتمحور حول سعر صرف الليرة الحقيقي، خارج إطار سياسة تثبيت سعرها، فإن السعر المعتمد للتثبيت (89.500) خدم الوضع القائم، ولم يعرقل دينامية النمو في العام 2025، التي وصلت إلى حوالى 5 %. كما إن سياسة تثبيت سعر الصرف، والتي يعارضها في العادة صندوق النقد الدولي، حظيت بموافقة الصندوق، على اعتبار أنها سياسة انتقالية موقتة، تساهم في تهدئة واستقرار السوق، في الفترة التي تسبق الاتفاق على الحل النهائي للخروج من الانهيار.
في عودة إلى مسألة التخوّف من انهيار سعر صرف الليرة مجددًا بسبب تداعيات الحرب الحالية، لا بد من الأخذ في الاعتبار الوقائع التالية:
أولًا- لا يمكن الحكم على مستويات تدفق الدولارات إلى البلد منذ الأيام الأولى للحرب. وبالتالي، ينبغي الانتظار لبضعة أسابيع قبل التمكّن من قياس منسوب توفر الدولارات في السوق.
ثانيًا- الأولوية في هذه المرحلة تتركّز على تخفيف الضغوطات المعيشية عن المواطن، بسبب التضخم الذي تشهده الأسعار عالميًا نتيجة الحرب، وبالتالي، وبصرف النظر عن الحسابات المالية، لن يكون سهلًا على السلطة السياسية أو النقدية، اتخاذ قرار في اتجاه خفض إضافي في القدرة الشرائية لليرة.
ثالثًا- إذا افترضنا أن السلطات المختصة قررت الانتقال إلى سعر صرف جديد للدولار، فإنها لا تستطيع تحقيق ذلك من خلال اتخاذ قرار بتسعيرة جديدة، بل ينبغي المرور بمرحلة فكّ التثبيت وتحريك السعر تدريجيًا للوصول إلى السعر المستهدف. وهذا سيؤدي إلى اضطرابات كبيرة في السوق، وسيصبح من الصعب جدًا مراقبة وضبط أسعار السلع في مرحلة تحاول فيها السلطات تخفيف "النقمة" الشعبية عبر تحصين الرقابة، ومنع انفلات الأسعار.
رابعًا- لا توجد حتى الآن على الأقل، ضغوطات كبيرة على الليرة بسبب الحرب. ولا تنوي الحكومة، وفق المعطيات الحالية، زيادة الإنفاق الاستثنائي، بل تعمل على توفير مساعدات خارجية لمساعدة الناس على تخطي التداعيات.
في الخلاصة، لا تبدو المخاوف من احتمال انهيار الليرة في المدى القريب مبرّرة، والأرجح أن سعر الصرف ثابت، إلا إذا شهدت الحرب تطورات غير متوقعة، وإذا طالت فترة الصراع أكثر بكثير من التقديرات المتداولة حاليًا.
أنطوان فرح - نداء الوطن