ماذا لو ألغي اتفاق الترسيم البحري؟ -- Mar 23 , 2026 20
لا قرارات حاسمة حتى الآن في مسألة إلغاء إسرائيل اتفاقية ترسيم الحدود البحرية مع لبنان. غير أن هذا الاحتمال الذي تحدّث عنه وزير الطاقة الإسرائيلي إيدي كوهين، يبقى واردًا متى انتفى الأساس السياسي الذي قام عليه الاتفاق التقني، والمتمثل في احتواء النزاع وتجنب التصعيد. فإذا لم تعد مخرجات الاتفاق تخدم المصالح الأمنية والسياسية لإسرائيل، يصبح قرار التراجع عنه خيارًا جدّيًا. ما هي تداعيات هذا الإلغاء إذا حصل وهل يعود لبنان إلى نقطة الصفر في المفاوضات؟
إمكانية إلغاء اتفاقية ترسيم الحدود البحرية التي أعلن عنها وزير الطاقة الإسرائيلي قائمة من الناحية العملانية إذا حصل أحد السيناريوات التالية: تصعيد عسكري كبير في جنوب لبنان (وهو موجود حاليًا)، استهداف منشآت غاز مثل "كاريش"، توقف المفاوضات غير المباشرة برعاية الولايات المتحدة أو وجود قرار سياسي إسرائيلي بالتصعيد الإقليمي.
قبل الدخول في الإجراءات التي ستتخذ من الجانبين اللبناني والإسرائيلي في حال ألغيت الاتفاقية، نذكّر أن اتفاق ترسيم الحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل تمّ التوصّل إليه في تشرين الأول 2022 بهدف تحديد الحدود البحرية بين البلدين في البحر المتوسط، خصوصًا في المناطق التي يُحتمل أن تحتوي على ثروات نفطية وغازية.
الاتفاق عبارة عن تفاهم غير مباشر (لأن لبنان لا يعترف بإسرائيل ولا توجد علاقات دبلوماسية بينهما)، وقد تمّ بوساطة الولايات المتحدة، لتحديد الخط الفاصل بين المنطقة الاقتصادية الخالصة لكلّ من الطرفين. ويتضمّن:
- تحديد خط بحري يُعرف بـ "الخط 23" كحدود بين لبنان وإسرائيل.
- منح لبنان كامل الحقوق في حقل الغاز المعروف بـ "حقل قانا" (حتى وإن امتدّ جزء منه جنوبًا).
- احتفاظ إسرائيل بحقل "كاريش" بالكامل.
- الاتفاق على آلية تقاسم عائدات إذا وُجدت موارد مشتركة (عبر شركات دولية، وليس مباشرة بين الدولتين).
بدء التنقيب
تسمح الاتفاقية للبنان ببدء التنقيب عن الغاز في مياهه، وهو أمر حيويّ في ظلّ الأزمة الاقتصادية التي يتخبّط بها. كما تخفف التوترات الأمنية في منطقة البحر المتوسط، وتفتح الباب أمام استثمارات شركات الطاقة العالمية.
بعض الأطراف في لبنان اعتبر أن الاتفاقية تنازل عن حقوق (مثل الخط 29) وآخرون رأوا فيها إنجازًا لأنها أتاحت للبنان الاستفادة من موارده من دون حرب، فهدفها تمكين لبنان من استغلال ثروته البحرية مع تجنب النزاع مع إسرائيل.
الخط 29
وفق الخط 29 الذي لم يعتمد وكان مطروحًا من لبنان في العام 2020، جزء من حقل "كاريش" يصبح ضمن المنطقة اللبنانية وليس الإسرائيلية (على غرار الخط 23)، فيحصل لبنان على موارد غازية كبرى لأنه يمنح لبنان مساحة إضافية تُقدّر بحوالى 1430 كلم². وعدم اعتماده يعود إلى أسباب عدّة تمّ إطلاقها سابقًا مثل عدم تثبيته رسميًا في الأمم المتحدة في الوقت المناسب وحصول ضغوط سياسية ودبلوماسية لتسريع الاتفاق والخشية من التصعيد مع إسرائيل وتعطيل استخراج الغاز.
تداعيات إلغاء التفاهم
ماذا يحصل اليوم وما هي تداعيات إلغاء تلك الاتفاقية تقنيًا على لبنان؟
إن لإلغاء الاتفاقية تداعيات سلبية على الجانبين اللبناني والإسرائيلي. وفي هذا السياق، تقول خبيرة النفط والغاز في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لوري هايتيان لـ "نداء الوطن"، إن إسرائيل وبعيد الإلغاء إذا ما حصل ستقوم بالتالي:
- ستبعث برسالة إلى الأمم المتحدة لإعلامها أنها فضت الاتفاق مع لبنان، ومع ذكر حدودها الجديدة التي ستكون على الأرجح الخط 1. والخط 1 هو أحد الخطوط المقترحة التي تمّ استخدامها كنقطة انطلاق للمفاوضات حول الحدود في البحر المتوسط. وفعليًا يعتبر كحدّ بحري شمالي لها يبدأ من نقطة على الساحل (رأس الناقورة) ويتجه نحو البحر بزاوية معينة، وقد تمّ إيداعه لدى الأمم المتحدة كحدّ رسمي من قبل إسرائيل.
- ستطالب إسرائيل بأجزاء كانت تعود لها قبل العام 2022 منها الأجزاء في البلوك رقم 8 و 9.
بالنسبة إلى البلوك رقم 8 إن شركات "توتال إنرجيز وإيني وقطر للطاقة" سبق أن وقّعت عقدًا مع الحكومة اللبنانية يتعلّق بالقيام بالمسوحات ما يفتح المجال لإسرائيل بإرسال رسائل تحذيرية لهذه الشركات تمنعها من القيام بأي عمل في هذا البلوك بحجّة أن تلك البقعة بات متنازعًا عليها مع لبنان. والإجراء نفسه يمكنها القيام به في ما يتعلّق بالبلوك 9 وذلك بناءً على العقد الموقع بين الحكومة اللبنانية و "توتال إنرجيز" بغض النظر عمّا إذا كانت تزاول عملها أم لا. في تلك الحالة ماذا يترتب على لبنان أن يفعله؟
تدابير الحكومة اللبنانية
بعدها يفض لبنان اتفاق ترسيم الحدود مع اسرائيل، ويمكن عندها للدولة اللبنانية أن ترسل إحداثيات جديدة، كالتأكيد على إحداثيات الاتفاق في العام 2022 على الخط 23 في لبنان والخط 1 الإسرائيلي. كما يمكن للدولة اللبنانية أن ترسل إحداثيات إلى الأمم المتحدة حول الخط 29 ما يعني أنها وضعت خط "كاريش" ضمن المناطق المتنازع عليها.
إلى ذلك يجوز للبنان تضيف هايتيان "بدوره إرسال رسائل إلى شركة "إنرجيان" لوقف العمل الذي تقوم به في منطقة خاضعة لنزاع". وإنرجيان Energean هي شركة طاقة يونانية - بريطانية تعمل في استخراج الغاز في شرق المتوسط وتعتبر المشغّل الرئيسي لحقل "كاريش" الذي كان نقطة التوتر الأساسية بين لبنان وإسرائيل. فلبنان كان يعتبر أن جزءًا من حقل "كاريش" قد يكون ضمن حدوده خصوصًا مع طرح الخط 29. في العام 2022، أرسلت إنرجيان سفينة إنتاج (FPSO) إلى حقل "كاريش" لبدء استخراج الغاز الأمر الذي أثار تصعيدًا سياسيًا وأمنيًا في لبنان.
إسرائيل لديها عقود جديدة على منطقة الـ Zone A (وتضمّ جزءًا أساسيًا من حقل قانا) مقابل البلوك 8 ويمكن للبنان الإيعاز إلى شركة "سوكار" الأزيرية و BP الإنكليزية بوقف أي نوع من الأعمال في المناطق المتنازع عليها.
وبالتالي، إن نتيجة إلغاء ترسيم الحدود من وجهة نظر هايتيان ليست خاسرة على عكس آراء تؤكّد أن تداعياتها ستكون كبيرة على لبنان، طالما كما قالت "ليس لدينا أي اكتشافات في الغاز. أمّا بالنسبة إلى إسرائيل فقد تكون تحت الضغط خصوصًا شركة "إنرجيان" التي ستجد نفسها أمام ضغط قانوني وستلحق بها خسائر ما سيترك تداعيات سلبية على مستقبل الطاقة". من هنا، يمكن القول استنادًا إلى هايتيان "إن إلغاء الاتفاق من الجانب الإسرائيلي لديه تداعيات على إسرائيل أكثر من لبنان".
البلوك 8 و 9
سبق للحكومة اللبنانية أن أعلنت أن شركة "توتال إنرجيز" الفرنسية تخلّت عن البلوك رقم 9، فيبقى الاعتماد على البلوك 8 الذي يعاني من بطء العمل فيه قبل بدء الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران منذ 20 يومًا، إذ إن مسوحات كونسورتيوم "توتال- إنرجيز" الفرنسية و "إيني" الإيطالية و "قطر للطاقة"، قد تستغرق ثلاث سنوات وإذا تمّ اكتشاف نفط يبدأ بعدها الحفر. وبالتالي إذا ألغت إسرائيل اتفاق ترسيم الحدود مع لبنان يصبح البلوك 8 في دائرة النزاع.
فضلًا عن ذلك تضيف هايتيان، "لا بدّ من الإشارة إلى أن "إلغاء اتفاق ترسيم الحدود بين لبنان وإسرائيل يعني أنه تمّ إلغاء اتفاق بدأته الولايات المتحدة الأميركية، وبالتالي يبدو الأمر محرجًا، وكأن إسرائيل تلغي اتفاقًا سبق أن تمّ مع الولايات المتّحدة".
وفي ما يتعلّق بحقل "كاريش" والـ zone A، تشير إلى أن "إلغاء الاتفاقية، سيفتح المجال لحزب اللّه بإطلاق صواريخ على "كاريش" ما سيلحق أضرارًا بإسرائيل. لذلك استنادًا إلى كل تلك المعطيات يترتب على إسرائيل أن تفكّر أكثر من مرة قبل إلغاء اتفاقية ترسيم الحدود البحرية مع لبنان".
من كلّ ما تقدّم، يعتبر البعض أن الحديث عن إلغاء اتفاق ترسيم الحدود يشكّل ضغطًا سياسيًا أكثر من كونه قرارًا فعليًا إلّا في حال التصعيد العسكري الكبير جدًّا.
الخسائر الاقتصادية على لبنان
اتفاق ترسيم الحدود البحرية رغم كونه يخدم مصالح لبنان وإسرائيل، إلّا أن التداعيات الاقتصادية لإلغائه ستكون مباشرة على لبنان، ومنها:
1. ضياع فرصة اكتشاف واستثمار الغاز، إذ ستتوقف أو تجمّد أعمال التنقيب، خصوصًا في حقل قانا، ما سيفوّت على لبنان مليارات الدولارات.
2. انسحاب الشركات الدولية من التعامل مع لبنان مثل "توتال إنرجيز".
3- رفع مخاطر النزاع الأمني. إلغاء الاتفاقية قد يفتح باب الهجوم على حقل "كاريش" أو مناطق بحرية لبنانية.
4- ارتفاع المخاطر السياسية يجعل الاستثمار في لبنان غير جاذب.
5- استمرار نموذج استيراد الفيول أويل المكلف لإنتاج الكهرباء واستنزاف ميزانية مؤسسة الكهرباء التي باتت تموّل عملية شراء الفيول أويل بدلًا من الدولة، وعدم تحقيق إيرادات من قطاع الطاقة.
6- الضغط على الدولار الذي نحتاج إليه بسبب إخراج العملة الصعبة من البلاد لاستيراد المحروقات.
7- تراجع الثقة بالاقتصاد اللبناني ما سيعمّق الأزمة المالية بدلًا من الخروج منها، وبالتالي خسارة استثمارات مرتقبة في حال تمّ اكتشاف الغاز أو النفط في لبنان.
باتريسيا جلاد - نداء الوطن