أسواق الجنوب خارج الخدمة: التجّار يتحضّرون للأسوأ

أسواق الجنوب خارج الخدمة: التجّار يتحضّرون للأسوأ -- Mar 27 , 2026 18

يوسّع العدوّ الإسرائيلي مروحة استهدافاته. ويؤشّر تقطيعه للجسور إلى قرار العزل والتضييق على الحركة مِن وإلى الجنوب. وإن كان العدوّ يبرّر فعلته بمنع حركة عناصر حزب الله، إلاّ أنّ خطوته هذه ترفع منسوب القلق لدى التجّار الذين ينظرون إلى بضائعهم العالقة في المخازن، التي بات نقلها أصعب، إثر استهداف الطرقات والمخاوف من أي قطع نهائي لكل المنافذ الممكنة. وفي الوقت عينه، فرضت الحرب عزل الجنوب بوصفه سوقاً اقتصادية لا يستهان بها، ما يعني أنّ الكثير من بضائع الشركات الواقعة خارج الجنوب، لم تعد تتّجه جنوباً، فكيف تعوِّض تلك الشركات ما فاتها في السوق الجنوبية؟

التحضير لنقل البضائع

قبل نحو 3 أسابيع كانت أسواق الجنوب تتحضّر لاستقبال عيد الفطر. وبالمعنى الاقتصادي، ينتظر التجّار العيد لرفع مستوى مبيعاتهم. إلاّ أنَّ الحرب باغتتهم وقضت على توقّعاتهم في منتصف شهر رمضان، وفتحت بذلك دفتر الخسائر المستمرّة.

استمرار الحرب يستدعي من التجّار التفكير بالخطوة التالية، أو بالخطّة "ب"، طالما أنّ خيارات العودة السريعة غير متاحة في الوقت الراهن. وإذا كانت خيارات التجّار فردية، إلاّ أنّها تشترك في عنوان أساسي، وهو التفكير في نقل البضائع إلى خارج الجنوب، لا سيّما أنّه لا يمكن ضمان أماكن آمنة بشكل كلّي داخل هذه المنطقة. وعليه، يشير بعض تجّار المواد الغذائية في حديث لـِ "المدن"، إلى أنَّ نقل البضائع "هو خيار مطروح".

لم تُسَجَّل حتى الآن حركة نزوح للبضائع على غرار ما سجّلته مدينة ميس الجبل في آب 2024. فالخروج حينها جاء بعد نحو 10 أشهر من بدء ما سمّي بمعركة إسناد غزّة في 8 تشرين الأول 2023، إلاّ أنّ إصرار العدوّ الإسرائيلي على التصعيد، يُبقى كل الاحتمالات مفتوحة بالنسبة للتجّار. وعليه "ننتظر الأيام القليلة المقبلة لنقرّر"، يقول أحد التجّار الذي يشير إلى أنّ "المخازن فيها الكثير من المواد، وإن كانت بنسبة أقلّ ممّا كنّا نخزّنه قبل مرحلة الإسناد. فبعد الحرب الأخيرة (بين أيلول وتشرين الثاني 2024) قلّصنا معدّلات التخزين تحسّباً لأي طارىء، وها هو الظرف الطارىء تحقّق بالحرب الحالية. لكنّ مع ذلك، يبقى الوضع صعباً والتفكير في نقل المخزون ليس سهلاً".

استهداف الطرقات هو أحد العوائق التي تقلق التجّار. "لكن حتى الآن لا تزال بعض الطرقات مفتوحة، ما يترك انطباعاً إيجابياً لناحية تسهيل إخراج البضائع في حال اتخذنا القرار. لكن لا نعلم ماذا يحضّر لنا العدوّ". أمّا العوائق الأخرى، فيتمثّل بعضها في تأمين مخازن في مناطق آمنة، "وهو خيار ليس سهلاً في ظل تخوُّف أهالي المناطق من أي استغلال سلبي للمخازن المؤجَّرة. ونرى ردود الأفعال تجاه تأجير الشقق السكنية، فكيف سيكون الحال بالنسبة لتأجير المستودعات؟". لكن يبقى الرهان بالنسبة لتجّار الجنوب على "توفير مخازن لدى تجّار نعرفهم في المناطق الآمنة". والأصعب هو انزلاق الأوضاع نحو مزيد من التصعيد أو الوصول إلى اتفاقات سلبية تكرّس واقعاً غير مرغوب به "على غرار عدم تمكُّن أهالي القرى الحدودية وتجّارها من العودة إليها واستكمال نشاطهم هناك، منذ العام 2024 حتى اليوم".

في الوقت نفسه، معضلة بعض التجّار لا تقف عند حدود كيفية إخراج البضائع العالقة، فالخسائر التي تكبّدوها بفعل النزوح المفاجىء، هائلة جداً، لا سيّما بالنسبة لمنتجات الألبان والأجبان واللحوم والدجاج والأسماك. فاضطرّ هؤلاء إلى الهرب وترك ما في برّاداتهم عرضة للقصف أو انقطاع الكهرباء.

أسواق الداخل

صورة مغايرة تماماً تسجّلها أسواق الداخل. فإقفال أسواق الجنوب منتصف شهر رمضان، جعل الأسواق الأخرى في لبنان تستفيد، في المنظور التجاري، من تحوُّل الطلب على الاستهلاك نحوها. ووفق أحد التجّار، فإنَّ "مناطق الجنوب والضاحية الجنوبية لبيروت تمثّل أسواقاً وحركة تجارية كبيرة، توجّهت نحو مناطق تدفّق إليها النازحون وحوّلوا استهلاكهم نحوها، خصوصاً أنّ النزوح تزامن مع فترة عيد الفطر".

أمّا استمرار الحرب واحتمالات التصعيد "فتعني بالنسبة لتجّار المناطق الآمنة، مزيداً من الاستهلاك في أسواقهم، خصوصاً في مناطق بيروت والمتن والشمال. وتمثَّلَ ذلك في زيادة طلبات الاستيراد بفعل ارتفاع مستوى الطلب، والذي ساهمت في رفعه، حاجة الجمعيات والمنظّمات الإغاثية لتأمين المساعدات للنازحين. فهؤلاء يشترون كميات كبيرة من المواد الغذائية لترتيبها في حصص غذائية وتوزيعها. وهذا يزيد الطلب على المواد الغذائية في فترة زمنية قصيرة مقارنة مع الطلب عليها في الفترات العادية".

أيضاً، بعض التجّار كانوا قد تحسّبوا لاندلاع الحرب فجأة، "فأعادوا قسماً كبيراً من طلبات الشراء للشركات الكبيرة، أو استأجروا مخازن خارج الجنوب والضاحية وشقّوا طريقهم في المناطق الآمنة، مع إبقائهم على تجارتهم في الجنوب والضاحية، لكن بمستوياتها الأدنى؛ أي تأمين المستلزمات اليومية من دون تخزين كبير، وهذا ما جنّب هؤلاء الخسائر الكبيرة مع اندلاع الحرب".

أسواق الداخل بقيت آمنة، بل عزّزت قدراتها وأرباحها، بانتظار أن ينجو ما بقي في مخازن الجنوب. على أنَّ رحلة النجاة ليست سهلة، إذ يتربّص بها قصف وطرقات على شفير الإغلاق التام.

خضر حسان - المدن

أقرأ أيضاَ

صرخة للعاملين في قطاع النحل في الجنوب ومخاوف من ضياع الموسم

أقرأ أيضاَ

وضع لبنان على اللائحة الرماديّة مُرتبط بانتشار اقتصاد الظلَ