الحرب تقود أسواق الأسهم العالمية للمنطقة الحمراء -- Apr 01 , 2026 60
شهدت الأسواق العالمية شهر مارس حالة من التقلبات الحادة؛ في ظل بيئة اقتصادية وجيوسياسية متقلبة، وسط حرب إيران التي أشعلت موجة جديدة من عدم اليقين بالاقتصاد العالمي.
أثرت التوترات العسكرية مباشرة على شهية المستثمرين، وزادت من مخاطر تقلب الأسواق المالية، فيما ارتفعت أسعار النفط بشكل قياسي نتيجة المخاوف المرتبطة بالإمدادات مع تأثر مضيق هرمز.
أسهم اليابان تسجل أسوأ شهر منذ 2008 مع استمرار الحرب
شكلت هذه الزيادة في تكاليف الطاقة تحديًا مباشرًا للشركات، مع توقعات بانعكاسات واضحة على أرباحها ومؤشرات النمو خلال الفترة المقبلة.
ويشير تقرير لصحيفة "وول ستريت جورنال" إلى أنه على مدى أسابيع، أثّرت الحرب سلبًا على الأسواق، ما أدى إلى تراجع الأسهم الأميركية إلى أسوأ ربع سنوي لها منذ ما يقرب من أربع سنوات.
ويضف التقرير الربع الأول من العام الجاري (من يناير إلى نهاية مارس) بأنه كان قاتماً بالنسبة لمستثمري الأسهم.
سجلت مؤشرات الأسهم الأميركية خسائر جماعية في شهر مارس، إذ انخفض مؤشر ستاندرد آند بورز 500 بنسبة 5.1 بالمئة نزولاً إلى مستوى 6,528.52 نقطة، مسجلاً أسوأ أداء شهري له منذ عام 2022.
أما مؤشر داو جونز الصناعي فقد أنهى سلسلة مكاسب استمرت لعشرة أشهر، ليهبط إلى 46,341.51 نقطة وبنسبة تراجع 5.4 بالمئة مقارنة مع مستوى إغلاق الشهر الماضي.
كذلك سجلت المؤشرات الرئيسية الثلاثة خسائر خلال الربع المُنتهي في 31 مارس، ليتراجع ناسداك بأكثر من 7 بالمئة كما انخفض مؤشر ستاندرد آند بورز 500 بنسبة 4.6 بالمئة، وتراجع مؤشر داو جونز بنسبة 3.6 بالمئة.
لكن على الجانب الآخر، استطاع مؤشر راسل 2000 للأسهم الصغيرة مخالفة هذا الاتجاه، ليرتفع بنسبة 0.6 بالمئة تقريباً خلال أول ثلاثة أشهر من العام.
وسجلت الأسهم الأوروبية أسوأ أداء شهري لها منذ عام 2022، ليتراجع مؤشر ستوكس 600 الإقليمي بنسبة 8 بالمئة تقريباً نزولاً إلى 583.14 نقطة. كما خسر خلال الربع الأول بأكثر من 1.5 بالمئة.
وأنهى مؤشر داكس الألماني تعاملات الشهر عند مستوى 22,680.04 نقطة منخفضاً بأكثر من 10 بالمئة. كذلك تراجع كاك الفرنسي إلى 7,816.94 نقطة بتراجع 9 بالمئة تقريباً. وانخفض أيضاً فوتسي البريطاني بنسبة 7 بالمئة تقريباً هبوطاً إلى مستوى 10,176.45 نقطة.
وسجل كل من داكس وكاك وفوتسي خسارة أسبوعية بنسبة 7 بالمئة و4 بالمئة و2.5 بالمئة على التوالي خلال أول ثلاثة أشهر من العام الجاري.
وفي آسيا، تكبد مؤشر نيكاي الياباني خسارة شهرية بنسبة 13 بالمئة تقريباً (لكنه لا يزال مرتفعاً بنسبة 2 بالمئة منذ بداية العام). كما هبط مؤشر كوسبي الكوري الجنوبي بنسبة 19 بالمئة في مارس (لكنه لا يزال مرتفعاً بنسبة 20 بالمئة منذ بداية العام).
وبالعودة لتقرير الصحيفة الأميركية، فإنه يشير إلى أن:
خلال أول شهرين من العام، ظهرت مؤشرات مشجعة. فبينما شهدت بعض أسهم شركات التكنولوجيا ركوداً، توافد المستثمرون على قطاعات السوق التي لم تحظَ بالاهتمام الكافي، مدفوعين بانخفاض التقييمات وفكرة انتعاش الاقتصاد.
ما تغيّر هو الحرب.. فمنذ 28 فبراير، حين شنت الولايات المتحدة وإسرائيل سلسلة من الضربات على إيران، ارتفعت أسعار النفط بنسبة 55 بالمئة، وانخفض سعر الذهب، وارتفعت عوائد السندات بشكل حاد. أما مؤشر ستاندرد آند بورز 500 فقد محا جميع مكاسبه التي حققها خلال الأشهر السبعة الماضية.
أدت الحرب إلى ارتفاع أسعار النفط وتعطيل سلاسل التوريد لمجموعة متنوعة من السلع الأساسية الأخرى، من الألومنيوم إلى اليوريا، وقد زاد ذلك من احتمالية ارتفاع التضخم وقلب التوقعات بأن يقوم الاحتياطي الفيدرالي بخفض أسعار الفائدة هذا العام.
خسائر متنوعة
من جانبه، يقول رئيس قسم الأسواق العالمية في شركة Cedra Markets جو يرق لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية"، إن شهر مارس كان شهراً "دموياً" لأسواق الأسهم العالمية، حيث تكبدت الأسواق الأميركية تراجعات ملحوظة، كما سجل مؤشر نيكاي الياباني خسائر حادة قاربت 13 بالمئة، في حين اتجه مؤشر MSCI Asia نحو حالة من الاستقرار السلبي، مع تبخر الأرباح السابقة تحت وطأة الضغوط التي سيطرت على الأسواق خلال الشهر.
ويوضح يرق أن المشهد المستقبلي لا يزال يكتنفه قدر كبير من الضبابية، مشيراً إلى أن اتجاه الأسواق سيظل مرهونًا بتطورات الحرب الجارية، لافتًا إلى أن أي بوادر لوقف التصعيد - حتى وإن ظهرت خلال الأسابيع الأولى من أبريل - قد تسهم في احتواء صدمة الطاقة، رغم أن آثارها مرشحة للاستمرار لفترة.
ويؤكد أن توقف الحرب من شأنه إعادة شهية المستثمرين نحو أسواق الأسهم، لا سيما السوق الأميركية التي تُعد الأقل تأثرًا نسبيًا بصدمة الطاقة مقارنة ببقية الأسواق العالمية.
وفيما يتعلق بالسياسة النقدية، يشير إلى أن استقرار معدلات التضخم ستكون عاملًا حاسمًا في دعم شهية المخاطرة، متوقعًا أن لا يُبدي الاحتياطي الفيدرالي الأميركي ترددًا في اتخاذ قراراته إذا ما استدعت البيانات ذلك، خصوصًا فيما يتعلق بأسعار الفائدة.
كما يشدد على أهمية نتائج أعمال الشركات للربع الأول، التي تبدأ بالظهور مطلع أبريل، كونها ستعكس بشكل مباشر تأثيرات الحرب وصدمة الطاقة على أداء الشركات، ما يمنح المستثمرين رؤية أوضح لاتجاهات الأسواق خلال الفترة المقبلة.
وبلفت إلى أن توقعات نمو أرباح الشركات الأمبركية لا تزال تدور حول 12 بالمئة، وهو ما يمثل عنصر دعم إيجابي في الوقت الراهن، رغم تأكيده - على غرار ما أشار إليه رئيس الفيدرالي جيروم باول- أن الأسواق تمر بمرحلة ضبابية يصعب معها تقييم التداعيات بدقة قبل انحسار التوترات.
وفي ختام حديثه، يرجّح يرق أن يشهد الذهب موجة صعود جديدة خلال الفترة المقبلة، معتبرًا أن التراجعات الأخيرة تمثل فرصًا جاذبة، خاصة مع احتمالات تراجع مخاوف التضخم تدريجيًا وتكيف المستثمرين مع مستويات أسعار الطاقة المرتفعة.
النفط يصنع الحدث
ومع تراجع أسواق الأسهم العالمية في مارس، لا يزال النفط يصنع الحدث، وذلك بارتفاعات ملحوظة تحت وطأة تداعيات الحرب وإغلاق مضيق هرمز عملياً أمام الإمدادات.
سجلت العقود الآجلة لخام برنت أكبر مكسب شهري منذ العام 1988، لتصل إلى 118.35 دولارًا للبرميل، بمكاسبة بلغت 63 بالمئة في مارس.
وسجل خام غرب تكساس الأميركي الوسيط مكاسب شهرية بنحو 51 بالمئة، ليشهد أفضل أداء شهري منذ مايو 2020، وصولاً إلى مستوى 101.38 دولارًا للبرميل.
وفي هذا السياق، نقل تقرير لشبكة "سي إن بي سي" الأميركية عن رئيس شركة رابيدان إنرجي، بوب ماكنالي، قوله "هذا (تداعيات الحرب) كابوس.. سوق الطاقة واجه كابوساً لم يظن أحد أنه ممكن، ويرغب الجميع في تصديق أن الكابوس قد انتهى".
على الجانب الآخر، كان شهر مارس على موعد مع "انطفاء الذهب"، مع تراجع المعدن الأصفر لتسجيل أسوأ أداء شهري له منذ أكثر من عقد، وتحديداً منذ يونيو 2013.
ومع تسجيلها 4,678.60 دولاراً للأونصة يوم الثلاثاء، تكون أسعار الذهب قد تكبدت خسارة شهرية بأكثر من 10 بالمئة. كما تراجعت العقود الآجلة للفضة لتصل إلى 74.92 دولاراً، وبانخفاض بأكثر من 19 بالمئة مقارنة بشهر فبراير.
ورغم تراجع الأسعار في مارس، سجل الذهب والفضة مكاسب ربع سنوية تجاوزت 7 بالمئة و6 بالمئة على التوالي.
يشير مدير الاستثمار في شركة شاكلتون أدفايزرز، واين نوتلاند، في التصريحات التي نقلتها شبكة سي إن بي سي، إلى أن عوائد السندات وقيمة الدولار الأميركي ارتفعت، وفي ظل هذه الظروف، أظهر الذهب حساسيته العكسية التقليدية تجاه هذه المؤشرات، ما أدى إلى انخفاضه. وربما تفاقم انخفاض الذهب أيضاً بسبب قوة سعره، وربما رغبة المستثمرين في تصفية مراكزهم الرابحة".
ووفق كبير مسؤولي الاستثمار في شركة نتويلث، إيان بارنز، فإنه: "ربما تكون البنوك المركزية الدولية التي تسعى إلى تنويع احتياطياتها بعيدًا عن الدولار الأميركي قد بدأت سوق الذهب الصاعدة في السنوات القليلة الماضية، ولكن في النهاية نفد السوق من المشترين الماليين الجدد، وشهد بدلاً من ذلك عمليات جني أرباح واسعة النطاق مع تزايد حالة عدم اليقين التي ضربت الأسواق وانتعاش الدولا".
وفي سياق متصل، وعلى صعيد العملات المشفرة، فقد سجلت أداءً متقلباً طيلة الشهر، لكنّ البتكوين استطاعات أن تحقق مكاسب نسبية مقارنة بالشهر الماضي، وبنسبة 2 بالمئة تقريباً وصولاً إلى مستوى 68 ألف دولار، فيما ارتفعت الإيثريوم خلال الشهر بنحو 7 بالمئة قرب مستوى 2100 دولار.
تصحيح قوي
من جانبه، يقول كبير محللي الأسواق المالية في شركة FXPro، ميشال صليبي، لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية"، إن شهر مارس يمكن وصفه بأنه "شهر تصحيح قوي" في الأسواق العالمية، جاء بعد بداية عام إيجابية نسبياً.
ويوضح أن الأسواق الأميركية لم تقدم الأداء المتوقع، حيث تراجع S&P 500 بنحو 5 بالمئة مع كسر بعض المتوسطات الفنية المهمة، فيما دخل كل من ناسداك المركب وداو جونز في موجة هبوط نتيجة عدة عوامل متتالية، أبرزها ارتفاع أسعار النفط، وتصاعد التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، إلى جانب عودة مخاوف التضخم وتأجيل خفض أسعار الفائدة.
ويشير صليبي إلى أن التراجعات في الأسواق الأوروبية كانت أكبر نسبياً، نظراً لاعتمادها الكبير على الطاقة، ما يجعلها أكثر حساسية لارتفاع التضخم، خاصة في ظل دورة اقتصادية لم تكن في أفضل حالاتها قبل اندلاع التوترات الأخيرة.
وفيما يتعلق بباقي الأسواق، يلفت إلى أن ثمة أداءً متبايناً نسبياً، حيث شهدت الأسواق اليابانية تراجعات ملحوظة، بينما سجلت الهند خروجاً قياسياً للاستثمارات الأجنبية، في حين ظهرت بعض مؤشرات التعافي الصناعي في الصين رغم استمرار الضغوط، كما تراجعت الأسهم الكورية قبل أن تستعيد جزءاً من خسائرها.
ويؤكد أن الصورة العامة للأسواق خلال مارس ارتبطت بشكل أساسي بارتفاع أسعار النفط وزيادة التقلبات، ما دفع المستثمرين إلى التحول نحو الملاذات البديلة مثل الدولار.
ويضيف أن الأسواق انتقلت من حالة صعود مدفوعة بقطاع الذكاء الاصطناعي إلى حالة من القلق المرتبط بالتضخم والحرب، مشدداً على أن العوامل الجيوسياسية ستكون المحدد الرئيسي لاتجاه الأسواق خلال شهر أبريل.
كما يوضح أن استمرار التوترات يعني مزيداً من الضغط على الأسهم، بينما قد يؤدي أي انفراج إلى ارتداد قوي، خاصة أن الأسواق قامت بالفعل بتسعير السيناريوهات السلبية. كما يشير إلى أن بقاء أسعار النفط فوق 100 دولار سيؤدي إلى تفاقم التضخم وتراجع أرباح الشركات، ما سيدفع البنوك المركزية إلى تبني سياسة نقدية أكثر تشدداً لفترة أطول.
ويختتم صليبي حديثه بالتاكيد على أن موسم إعلان الأرباح، الذي يبدأ في أبريل، سيكون اختباراً حقيقياً لقدرة الشركات على امتصاص صدمة ارتفاع تكاليف الطاقة، وتحديد الاتجاه الفعلي للأسواق خلال الفترة المقبلة.