مأساة نووية بدأت من جهاز طبي.. قصة غويانيا التي هزت البرازيل -- Apr 16 , 2026 29
لم يمض قرن كامل على أول شطر للذرة، لكن هذه السنوات كانت كافية ليكشف العلم النووي وجهين متناقضين تماماً، أحدهما في أسلحة شديدة التدمير، والآخر في تقنيات طبية أنقذت حياة كثيرين. ومن بين هذه التقنيات جهاز العلاج الإشعاعي عن بُعد باستخدام السيزيوم-137، الذي استُخدم لتوجيه أشعة غاما إلى الأورام السطحية. لكن ما جرى في مدينة غويانيا البرازيلية عام 1987 أظهر كيف يمكن لجهاز صُمم للعلاج أن يتحول إلى مصدر كارثة إذا تُرك بلا رقابة.
بدأت القصة فعلياً قبل ذلك بعامين، حين انتقل "معهد غويانيا للعلاج الإشعاعي" إلى موقع جديد، ونقل معه وحدة علاج إشعاعي تعتمد على الكوبالت-60، فيما تُركت وحدة السيزيوم-137 القديمة في الموقع السابق، خلافاً للترخيص، بحسب تقرير لاحق للوكالة الدولية للطاقة الذرية. وبعد هدم جزء من المبنى، بقي المصدر المشع داخل الجهاز من دون تأمين، رغم علم اللجنة الوطنية للطاقة النووية في البرازيل بوجوده، إلا أن نزاعات قانونية أخرت التعامل معه.
وفي 13 أيلول 1987، دخل روبرتو دوس سانتوس ألفيس وواغنر موتا بيريرا إلى الموقع السابق بصورة غير شرعية، وعثرا على الوحدة. ومن دون معرفة بطبيعتها، قاما بتفكيكها جزئياً ونقلا المصدر المشع في عربة يدوية على أمل بيعه كخردة. وخلال هذه العملية، انفتحت الكبسولة التي تحتوي على كلوريد السيزيوم عالي النشاط، ما أدى إلى تلوث المكان وتعريض الرجلين مباشرة للإشعاع.
وبعد أيام، تمكن ألفيس من استخراج الكبسولة وباعها لتاجر خردة يُدعى ديفاير ألفيس فيريرا، الذي لاحظ مساء ذلك اليوم توهجاً أزرق صادراً منها. ثم أحضر القطعة إلى منزله ليريها لعائلته وأصدقائه، وتمكن أحدهم من استخراج جزء صغير جداً من المادة المشعة.
بعد ذلك، بدأ المقربون من فيريرا يُصابون بأعراض المرض تباعاً، بينهم زوجته ماريا غابرييلا فيريرا، التي راودها الشك أخيراً في خطورة ما يجري، فنقلت المصابين بالحافلة إلى مستشفى قريب. ومع وصول السيزيوم-137 إلى أيدي المختصين، تبيّن حجم النشاط الإشعاعي الكبير، فانطلقت سلسلة استجابات من جهات محلية ووطنية ودولية، بينها الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
وبحلول 3 تشرين الأول جُمعت جميع المصادر الملوثة، فيما استمر تنظيف مواقع التلوث حتى
عيد الميلاد، وتواصلت أعمال المعالجة إلى أن عادت الظروف المعيشية الطبيعية في آذار 1988. وفي نهاية المطاف، وُجهت اتهامات بالإهمال الجنائي إلى ثلاثة أطباء من المعهد، كما طورت اللجنة الوطنية للطاقة النووية في البرازيل، بدعم من تقرير الوكالة الدولية للطاقة الذرية، أساليب جديدة للتخلص من المواد المشعة.
ورغم أن ماريا أسهمت على الأرجح في إنقاذ عدد كبير من الأرواح عندما نبهت إلى خطورة المادة، فإنها توفيت لاحقاً نتيجة التعرض للإشعاع. وبحسب الحصيلة النهائية، تعرض نحو 250 شخصاً للإشعاع المباشر، وتوفي أربعة منهم، فيما سُجلت زيادة في معدلات سرطان الثدي في المنطقة على مدى عقود.
وأظهرت كارثة غويانيا بوضوح أن الإشعاع، رغم قدرته الكبيرة على العلاج حين يُستخدم بمسؤولية، يمكن أن يتحول إلى خطر قاتل عندما يقع في غير موضعه. (popular mechanics)