صمود سعر الصرف تحت النار.. مصير الدولار في لبنان مرهون بمسار الحرب -- Apr 20 , 2026 38
في ظلّ استقرارٍ نسبي يشهده سعر الصرف في لبنان عند حدود 89500 ليرة منذ تشرين الأول عام 2023، تتصاعد المخاوف من احتمال إعادة تفلّت سعر الصرف على وقع الحرب الدائرة، وما خلّفته من دمار وأعباء ماليّة إضافيّة، في وقت لم يكن فيه لبنان قد تعافى بعد من تبعات حرب الإسناد الأولى والأزمة الاقتصادية المستمرة منذ عام 2019. فهل يقف البلد اليوم على مشارف مرحلة جديدة من تقلّبات سعر الصرف؟
يبدو مشهد الاستقرار النقدي ثابتًا في الشكل، رغم ما فرضته الحرب من ضغوط على مالية الدولة، وارتفاع في الإنفاق بفعل أزمة النزوح غير المسبوقة، إضافة إلى ارتفاع فاتورة الاستيراد. إلا أنّ هذا الاستقرار الظاهري يخفي عوامل ضغط كامنة قد تنفجر مع أي تطوّر سلبي.
استقرار هشّ مدعوم بإجراءات نقدية واقتصاد مدولَر
في قراءة تحليلية للواقع المستجد، يرى الخبير المالي والمصرفي بهيج الخطيب في حديث لـ"لبنان 24" أنّ الاستقرار الحالي في سعر صرف الليرة اللبنانية، رغم الحرب الدائرة في لبنان والمنطقة، لا يعكس توازنًا اقتصاديًا فعليًّا بقدر ما هو نتيجة مجموعة من العوامل الظرفيّة والإجراءات النقدية "ويأتي في مقدمة هذه العوامل واقع الاقتصاد اللبناني الذي بات مدولرًا بنسبة مرتفعة جدًا، إذ فضّل اللبنانيون التداول بالدولار حتى قبل أزمة عام 2019، قبل أن يتعزّز هذا التوجّه بعدها بشكل ملحوظ، ما أدى إلى تقلّص استخدام الليرة مقابل هيمنة شبه كاملة للدولار على معظم التعاملات. إلى جانب ذلك، يلعب ضبط الكتلة النقدية بالليرة من قبل مصرف لبنان دورًا أساسيًّا في الحدّ من التقلّبات، كما أنّ رواتب القطاع العام تدفع بالدولار، في وقت يعتمد فيه الاقتصاد بشكل متزايد على الفريش دولار . كما يساهم تدخّل المصرف المركزي في السوق، كبائع للدولار، في ضبط حركة السوق قدر الإمكان، والحفاظ على نوع من الاستقرار النسبي. عامل إضافي يتمثّل في حالة الانكماش الاقتصادي التي يعيشها لبنان، نتيجة الغلاء وتداعيات الحرب، ما ينعكس تراجعًا في الطلب على الاستيراد، وبالتالي انخفاض جزئي في الطلب على الدولار. كما يعتمد جزء من اللبنانيين على مدّخراتهم التي استطاعوا سحبها من البنوك أو التحويلات الخارجية لتغطية نفقاتهم العادية".
تشير هذه العوامل مجتمعة إلى أنّه من غير المتوقّع تراجع سعر صرف الليرة في المدى المنظور، رغم حالة الحرب، وفق الخطيب، غير أنّ استمرار هذا الاستقرار يبقى رهناً بما قد يستجد من تطورات سلبيّة من شأنها أن تفاقم تداعيات الحرب في لبنان على مختلف المستويات.
تراكم الضغوط الاقتصادية يهدد استقرار الليرة
تواجه الليرة ضغوطًا متزايدة، أبرزها ارتفاع كلفة الاستيراد، اضطراب سلاسل الإمداد العالمية، ارتفاع أسعار الشحن والتأمين، إضافة إلى التضخم العالمي وارتفاع أسعار المحروقات والمواد الأولية وغيرها. هذه العوامل تشكل قوى ضاغطة حقيقية تؤثر على سعر صرف الليرة يلفت الخطيب، ورغم أنّ هذه الضغوط تدفع نظريًا نحو تدهور سعر الصرف، يرى أنّ تأثيرها في لبنان لا يزال محدودًا أو مؤجّلًا في الوقت الراهن، بفعل عوامل تضبط السوق "غير أنّ استمرار الحرب أو تفاقمها قد يقود إلى تصحيح مفاجئ في سعر الصرف، قد يكون سريعًا وحادًا". ويشرح الخطيب أنّ ارتفاع الأسعار العالمية ينعكس تضخمًا مستوردًا، ما يزيد طلب المستوردين على الدولار لتمويل الكميات نفسها من السلع. كما تؤدي اضطرابات سلاسل الإمداد، بفعل الحرب، إلى ارتفاع كلفة الشحن والتأمين، وتأخير وصول البضائع، بل ونقصها أحيانًا، ما يدفع التجار إلى زيادة التخزين ورفع الطلب الاستباقي على الدولار.وينسحب ذلك بشكل خاص على المحروقات والسلع الغذائية الأساسية، التي تشكّل جزءًا كبيرًا من فاتورة الاستيراد.
هذه المعادلة تقود إلى تكون حلقة مفرغة "ارتفاع الأسعار يدفع إلى زيادة الطلب على الدولار، ما يضعف الليرة، فيؤدي ذلك إلى مزيد من ارتفاع الأسعار. ومع استمرار هذه الديناميكية، تتحوّل الأزمة تدريجيًا من أزمة سعر صرف إلى أزمة معيشية تمسّ مباشرة قدرة المواطن الشرائية.
وفي حال استمرار هذا المسار، خصوصًا مع تفاقم الأوضاع الأمنية أو طول أمدها، قد يشهد سعر الصرف تقلّبًا يتمثل في هبوط حاد وسريع في قيمة الليرة".
تحويلات المغتربين تحت الضغط وتراجع تدريجي في دخول الدولار
على صعيد التحويلات، يؤكد الخطيب أن تحويلات المغتربين، ولا سيما من دول الخليج، بدأت تتراجع بفعل الأوضاع الإقليمية والإجراءات المالية في تلك الدول"تراجع تحويلات المغتربين من دول الخليج إلى عائلاتهم في لبنان بدأ يظهر بالفعل، نتيجة الأوضاع الاقتصادية والمالية السائدة في تلك الدول. وكما هو معروف، تشكّل دول الخليج، ولا سيّما السعودية، الوجهة الأساسية لغالبية اللبنانيين المنتشرين، ما يجعل أي تغيّر في ظروفها ينعكس مباشرة على تدفّقات العملات الأجنبية إلى لبنان.ويعود هذا التراجع إلى الضغوط التي تمرّ بها اقتصادات المنطقة، والتي دفعت السلطات النقدية والمصارف إلى اتخاذ إجراءات أكثر تشددًا، شملت تقييد السحوبات والتحويلات إلى الخارج. ومن الطبيعي أن ينعكس ذلك انخفاضًا في حجم التحويلات، وبالتالي تراجعًا في المخزون من الدولار لدى العائلات اللبنانية".
الإ أنّ الخطيب يشير إلى أنّ ما يتوافر لدى اللبنانيين من مخزون نقدي، نتيجة التجارب السابقة ولا سيّما منذ أزمة عام 2019، يساهم إلى حدّ ما في حماية اللبنانيين من تداعيات هذه الضغوط. فالمجتمع اللبناني، كما يصفه، أظهر قدرة على التكيّف ومرونة في إدارة الأزمات، عبر اعتماد سلوكيات احترازية في الادخار والاستهلاك.لكن في المقابل، تبقى قدرة التحمّل محدودة وغير مفتوحة، إذ ترتبط بشكل أساسي بمدى طول أمد الأزمة وحدّة تفاقمها. فكلما امتدّت الأزمة واشتدّت، تراجعت فعالية هذا الهامش الوقائي.
الحرب توسّع عجز الموازنة وتدفع نحو استدانة جديدة
يلفت الخطيب إلى أنّ دخول لبنان في الحرب الدائرة بحدّ ذاته أدّى إلى تراجع إيرادات الدولة من جهة، مقابل ارتفاع ملحوظ في الإنفاق من جهة أخرى، نتيجة تداعيات النزوح والدمار وارتفاع الأسعار "هذه المعادلة ستقود حتمًا إلى عجز في الموازنة، التي كان يُفترض أن تحقّق توازنًا نظريًا، إلا أنّ هذا العجز بدأ بالظهور وقد يتفاقم مع استمرار الأزمة. ومع اتّساع الفجوة، ستجد الدولة نفسها مجدّدًا أمام خيار الاستدانة، ما يعيد إنتاج الأزمة المالية بدل معالجتها.وفي هذا السياق، يدخل لبنان في حالة جديدة من الإرباك المالي، تنعكس تراجعًا إضافيًا في قدرة
الدولة على التعافي، لتكتمل بذلك حلقة الأزمة بأبعادها النقدية والمالية والمعيشية".
في المحصّلة، يتبيّن أنّ استقرار سعر الصرف في لبنان لا يستند إلى توازن اقتصادي متين، بل هو نتاج ظروف استثنائية وسياسات ظرفية قابلة للتبدّل، على وقع تداعيات الحرب التي رفعت كلفة الاستيراد، وقلّصت التحويلات، وزادت الأعباء المالية على الدولة.وفي ظلّ هذا الواقع، يبقى استقرار سعر الصرف عند حدود 89500 ليرة مرهونًا بمسار التطورات الأمنية والاقتصادية. فأي تفاقم في هذه العوامل قد يطيح بهذا التوازن الهش، ويدفع سعر الصرف مجددًا نحو مسار تصاعدي، مع ما يحمله ذلك من انعكاسات مباشرة على معيشة المواطنين وقدرتهم الشرائية.