الممرّ الهنديّ والحرب الكبرى: من يربح خرائط الشرق الجديدة؟

الممرّ الهنديّ والحرب الكبرى: من يربح خرائط الشرق الجديدة؟ -- Apr 28 , 2026 14

لا تبدو هذه الحرب مرشّحةً لنهايةٍ واضحة، ولا حتى لهدنةٍ تشبه أي خاتمةٍ سياسيّة خبرها الشرق الأوسط منذ عقود. ما يجري بين إيران والولايات المتّحدة وإسرائيل هو حتمًا أكبر من جولة نار قد تنطفئ، بعد أن اشعلت الحرائق في غالبية دول الشرق الأوسط. وزِدْ على ذلك، حقيقة أنّها تختبر، في العمق، من يملك الحقّ/ المقدرة على تنظيم الشرق الأوسط: محور الممرّات والتطبيع والاستثمار، أم محور المضائق والصواريخ وتعطيل الجغرافيا. وعلى هذا الأساس، فإنّ قياس النتائج لن يكون فقط بحجم التدمير، بل أيضًا بما ستتركه على خرائط التجارة والطاقة والتأمين والشحن، من هرمز إلى البحر الأحمر إلى شرق المتوسّط. وقد أظهرت التطوّرات الأخيرة كيف أنّ أيّ اضطرابٍ في هرمز يرفع فورًا كلفة الطاقة والشحن ويضرب سلاسل الإمداد العالميّة، فيما تحدّثت تقارير حديثة عن واحدةٍ من أعنف الصدمات التي أصابت أسواق الطاقة والنقل في العقود الأخيرة.

لهذا، فإنّ السؤال الفعليّ ليس فقط: من سينتصر عسكريًّا؟ بل: أيّ نموذجٍ إقليميٍّ سيخرج من الحرب؟ فإذا انتهى التصعيد إلى كبح قدرة إيران على تهديد المضائق والملاحة، فإنّ محورًا واسعًا، يضمّ معظم المنطقة مع الولايات المتّحدة وإسرائيل وأوروبا والهند، سيحاول ترجمة النتيجة إلى اقتصادٍ جديدٍ، عنوانه "الربط" لا "الاشتباك". أمّا إذا انتهت الحرب إلى توازن ردعٍ ضبابيّ، أو إلى استنزافٍ طويل، فستبقى المنطقة معلّقةً بين مشروعين: مشروع ممرّاتٍ يريد تحويلها إلى عقدة عبورٍ عالميّة، ومشروع محاور يرى في الاضطراب نفسه مورد نفوذٍ دائم.

الممرّ الذي لم يكن صدفة

ليس من قبيل المصادفة أن يعلن عن "الممرّ الاقتصاديّ بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا"، أو "IMEC"، في 9 أيلول 2023 على هامش قمّة مجموعة العشرين في نيودلهي، قبل أن تنفجر المنطقة على هذا النحو. فمذكّرة التفاهم التي وقّعت يومها جمعت الهند، والسعوديّة، والإمارات، والاتحاد الأوروبيّ، وفرنسا، وألمانيا، وإيطاليا، والولايات المتّحدة، على مشروعٍ يتكوّن من شقّين: ممرٍّ شرقيّ يصل الهند بالخليج، وممرٍّ شماليّ يصل الخليج بأوروبا عبر شبكةٍ بحريّةٍ وسككيّة، مع مساراتٍ موازيةٍ للكهرباء والبيانات والهيدروجين النظيف. أي أنّه ليس خطّ شحنٍ وحسب، بل مشروع إعادة تركيبٍ اقتصاديٍّ واستراتيجيٍّ لفضاءٍ كامل.

أي أنّ الممرّ، لم يولد باعتباره مخططًا لسيناريو ورديّ، بل باعتباره رؤيةً سياسيّةً كاملة. الهند تريد منفذًا أكثر ثباتًا إلى أوروبا. أوروبا تريد تنويع طرقها وتقليل ارتهانها للممرّات الهشّة. الخليج يريد أن يتحوّل من خزّان طاقةٍ إلى عقدة عبورٍ وتخزينٍ وتصنيعٍ وخدمات. الولايات المتّحدة تريد هندسة فضاءٍ اقتصاديٍّ ينافس "الحزام والطريق" الصينيّ. وإسرائيل ترى فيه موقعًا طبيعيًّا داخل بنيةٍ إقليميّةٍ جديدة، قاعدتها أنّ التجارة قد تصبح مظلّةً للتطبيع، وأنّ المصلحة قد تنتج ما عجزت عنه السياسة وحدها. لهذا استمرّ الدفع السياسيّ للمشروع في 2026 أيضًا، سواء في البيانات الهنديّة، الأوروبيّة، أو الهنديّة، الإسرائيليّة.

المحور الداعم: من الاقتصاد إلى الجيوسياسة

المحور الذي يدعم هذا المسار ليس تحالفًا فنّيًّا بين مرافئ وخطوط سكك. إنّه محورٌ يريد شرقًا أوسط أقلّ قابليةً للابتزاز. أي شرقًا أوسط يُمكن أنّ تخضع فيه المصالح لإدارةٍ عبر البنية التحتيّة، لا عبر تهديدها. من هنا نفهم لماذا تبدو إيران، في نظر هذا المحور، عقبةً بنيويّةً لا سياسيّةً فقط. فطهران لا تعترض على الممرّ لأنّه يمرّ خارج أراضيها فحسب، بل لأنّه، إذا نجح، يضعف أحد أهمّ عناصر قوّتها: قدرتها على جعل التجارة العالميّة رهينة المضائق والتهديدات والاشتعال المحسوب. نجاح الممرّ يعني، ببساطة، تراجع قيمة "التعطيل" في سوق النفوذ الإقليميّ.

لكنّ هنا تكمن مفارقة المشروع. فالممرّ الذي قدّم كوسيلةٍ لتجاوز هشاشة المنطقة، تبيّن أنّه يحتاج أوّلًا إلى تسوية هذه الهشاشة. لا استثماراتٌ ضخمةٌ في السكك والمرافئ والربط الرقميّ إذا كانت السماء مفتوحةً على حربٍ قابلةٍ للتوسّع كلّ يوم. ولا معنى لممرٍّ من الخليج إلى أوروبا إذا بقيت الحلقة السياسيّة الناقصة فيه، أي التطبيع السعوديّ، الإسرائيليّ، معلّقةً على حرب غزّة وعلى السؤال الفلسطينيّ. وقد كانت رويترز واضحةً، منذ 2024، في نقل الموقف الأميركيّ القائل إنّ أيّ تقدّمٍ في التطبيع يحتاج إلى هدوءٍ في غزّة ونقاشٍ في مستقبل الحكم الفلسطينيّ، فيما شدّدت السعوديّة لاحقًا على أنّ الاعتراف بإسرائيل لا ينفصل عن قيام دولةٍ فلسطينيّة. وهذا يعني أنّ الممرّ ليس فقط رهينة الحرب مع إيران، بل أيضًا رهينة ما لم يحسم بعد في فلسطين.

نتيجة الحرب: اختبار الممرّ الحقيقيّ

لهذا، ستلعب نتيجة الحرب دورًا مباشرًا في مصير المشروع. فإذا خرجت الولايات المتّحدة وإسرائيل، ومعهما الحلفاء العرب، بترتيبٍ أمنيٍّ جديدٍ يقلّص قدرة إيران على تعطيل الملاحة، فإنّ "IMEC" سيعود فورًا بوصفه مشروع ما بعد الحرب: مشروع استثماراتٍ ومرافئ وربطٍ سياسيٍّ مغلّفٍ بلغة الاقتصاد. أمّا إذا انتهت الحرب بلا حسم، أو بحسمٍ عسكريٍّ محدودٍ يقابله استمرار القدرة الإيرانيّة على الإزعاج الاستراتيجيّ، فإنّ الممرّ سيبقى عنوانًا على الورق، أو خطبةً دبلوماسيّةً جميلةً لا أكثر. فالرأسمال لا يسير خلف الخرائط وحدها، بل خلف اليقين. والمنطقة، حتى الآن، لا تنتج يقينًا، بل احتمالات.

الأوضح من ذلك أنّ الحرب كشفت جوهر الصراع: ليس صراعًا على حدودٍ فقط، بل على وظيفة الشرق الأوسط نفسه. هل يكون ممرًّا بين الهند وأوروبا، أم يبقى ساحةً لتكسير الطرق بينهما؟ وهل تتحوّل مرافئه وسككه وكوابله إلى قيمةٍ مضافةٍ في الاقتصاد العالميّ، أم تبقى مضائقه وقدرته على التعطيل هي السلعة الوحيدة التي يبيعها؟ هذا هو السؤال. وكلّ حديثٍ عن "IMEC" خارج هذا السياق يبقى مجرّد وصفٍ تقنيٍّ لمشروعٍ لم يبدأ بعد، لأنّ بدايته الحقيقيّة ليست في الورقة التي وقّعت في نيودلهي، بل في الحرب التي ستقرّر إن كان يمكن للمنطقة أن تخرج من اقتصاد النار إلى اقتصاد العبور.

لبنان: فرصةٌ على الورق، أو هامشٌ دائم

أمّا لبنان الذي تورط بحرب الإقليم، فليس خارج الصورة، لكنّه ليس داخلها بعد. في 25 شباط 2026، أبلغت الرئاسة اللبنانيّة الموفد الفرنسيّ جيرار ميستراليه استعداد بيروت للانخراط في مبادرة "IMEC" بما يخدم مصلحتها الوطنيّة. وهذا كلامٌ مهمّ، لكنّه لا يكفي. فلبنان لا يدخل إلى هذا النوع من المشاريع بالشعارات، بل بالدولة، وبمرافئ موثوقة، وباستقرارٍ أمنيٍّ وسياسيّ، وبقرارٍ واضح: هل يريد أن يكون عقدة وصلٍ في شرق المتوسّط، أم أن يبقى ساحةً تتكسّر عليها مشاريع الآخرين؟ بين بيروت وطرابلس فرصةٌ نظريّة، نعم، لكنّ الفرصة في لبنان لا تصبح موقعًا على الخريطة إلّا إذا سبقها قيام الدولة نفسها. وإلى أن يحدث ذلك، سيبقى البلد يتأمّل الممرّ من خارجه، فيما الآخرون يتنازعون على رسمه.

جاد هاني - المدن

أقرأ أيضاَ

لحماية المنتج الوطني وتنظيم حركة الأسواق المحلية.. سوريا تمنع استيراد مجموعة كبيرة من المنتجات الزراعية لهذه الفترة

أقرأ أيضاَ

أول شحنة غاز مسال تعبر مضيق هرمز منذ حرب إيران