"البحار الأربعة" في مواجهة هرمز: رديف لا يُلغي سطوة المضيق

"البحار الأربعة" في مواجهة هرمز: رديف لا يُلغي سطوة المضيق -- May 12 , 2026 29

في قلب التجاذبات التي تعيد رسم خريطة الطاقة في الشرق الأوسط، يبرز تساؤل جوهري حول الجدوى الحقيقية لمشروع "البحار الأربعة" كبديل لمضيق هرمز. وفي قراءة تقنية وموضوعية خصّ بها الخبير الاقتصادي محمود عبد الكريم "المدن"، يفكك المشروع في صيغته المحدّثة بعد تحولات العام 2024 وتغير المشهد السوري، معتبراً أن الحديث عن "بديل" كامل للمضيق يفتقر للدقة الفنية والواقعية الاقتصادية، إذ يظل المشروع في أحسن حالاته "رديفاً" جزئياً يخفف الأعباء لكنه لا يحل المعادلة الصعبة.

هندسة الممر وأوهام الكميات

يوضح عبد الكريم أن مشروع البحار الأربعة يمثل شبكة متكاملة تربط الخليج العربي والبحر الأحمر ببحر قزوين والأسود والمتوسط عبر أربعة خطوط رئيسية تتقاطع فوق الجغرافيا السورية والتركية. ويشمل ذلك خطاً نفطياً آتياً من العراق بفرعيه البصري والكركوكي، وخطاً غازياً قطرياً يتجه نحو أوروبا، وتوسعة للخط الغربي العربي، وصولاً إلى شبكة كهرباء وسكك حديدية.

ومع ذلك، يدعو عبد الكريم إلى عدم الإفراط في التفاؤل حيال الكميات؛ فبالرغم من أن الطاقة التصميمية النظرية لخطوط النفط العابرة لسوريا قد تصل إلى 3.75 مليون برميل يومياً، إلا أن الواقع التشغيلي وتجارب الأنابيب الإقليمية تشير إلى أن الكميات الفعلية لن تتجاوز 3 إلى 3.2 مليون برميل في مرحلة التشغيل الكامل، بينما ستبدأ المرحلة الأولى بمتواضع قدره ما بين 500 إلى 700 ألف برميل يومياً خلال العامين الأولين. أما الغاز القطري، فسينقل قرابة 40 مليار متر مكعب سنوياً، وهو ما يمثل ثلث صادرات الدوحة العالمية، وسيوجه بمعظمه نحو السوق الأوروبية لتعويض الغاز الروسي فيما تذهب البقية إلى تركيا والأردن وسوريا.

فجوة هرمز ومصيدة الجغرافيا

تظهر الأرقام التي استعرضها عبد الكريم لـِ "المدن" فجوة هائلة بين ما يمر عبر هرمز وما يمكن للبحار الأربعة استيعابه. فبينما يضخ المضيق قرابة 20 مليون برميل يومياً من النفط والمنتجات، لا تستطيع كافة المسارات البديلة مجتمعة، بما فيها "بترولاين" السعودي وأنبوب الفجيرة الإماراتي والبحار الأربعة، سحب أكثر من 8.5 مليون برميل يومياً كحد أقصى. وهذا يعني بقاء ما يزيد عن 14 مليون برميل يومياً، إضافة إلى حصة هائلة من الغاز المسال المتجه لآسيا، رهينة هيكلية للمضيق.

ويوضح عبد الكريم نقطة فنية دقيقة تتعلق بالغاز القطري؛ فالأنابيب ستنقل الغاز في حالته الغازية وليس المسالة، مما يوفر تكاليف الإسالة ويمنح هامشاً سعرياً يُقدَّر بـِ 2 إلى 3 دولارات لكل مليون وحدة حرارية بريطانية، لكنه يحصر الوجهة في أوروبا الغربية حصراً عبر الشبكة التركية.

ويذهب عبد الكريم في تحليله، نحو كشف "تناقض جيو-اقتصادي" يحكم المشروع؛ فبينما تتجه أنابيب البحار الأربعة نحو المتوسط وأوروبا، تسبح الأسواق الحقيقية في اتجاه معاكس تماماً. إذ تُظهر البيانات أن ما بين 84% إلى 89% من النفط الخام والمكثفات العابرة لهرمز، ونحو 83% من شحنات الغاز المسال، تيمّم وجهها شطر الأسواق الآسيوية، وتحديداً نحو الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية.

هذا الاختلال في الوجهة الجغرافية يجعل من "البحار الأربعة" خياراً مكلفاً وغير منطقي لهذه الأسواق؛ فأي ناقلة تخرج من موانئ بانياس أو جيهان متجهةً إلى الصين، ستضطر للالتفاف جنوباً عبر قناة السويس وباب المندب، مما يضيف مسافة تتراوح بين 4000 إلى 5000 ميل بحري، ويرفع كلفة الشحن بمقدار 2 إلى 3 دولارات للبرميل الواحد. وبذلك، يتحول الخيار الأنبوبي إلى عبء اقتصادي مقارنة بالخروج المباشر من الخليج عبر هرمز، مما يُبقي الأخير شرياناً هيكلياً لا يمكن لآسيا الاستغناء عنه مهما تعددت الممرات البرية نحو الغرب.

خط بترولاين والتكامل السعودي

وفي معرض تعليقه على التطورات السعودية الأخيرة، يشير عبد الكريم إلى أن ميناء "نيوم" وتوسعة خط "بترولاين" ليسا بدائل منافسة للبحار الأربعة بقدر ما هما قطع في أحجية متكاملة. فبالرغم من وصول طاقة "بترولاين" التصميمية إلى 7 ملايين برميل يومياً، إلا أن قدرات التحميل الفعلية في موانئ ينبع لا تتجاوز 4.5 مليون برميل يومياً، فيما تذهب التقديرات في الظروف الحالية للحرب إلى نحو 3 ملايين برميل يومياً فقط. ومن هنا، يبرز التكامل القسري؛ فالمسارات البديلة مجتمعة لا تكفي لسد فجوة الإيرادات الخليجية في حال إغلاق هرمز، إذ سيفقد الخليج قرابة 219 مليار دولار سنوياً من إيراداته لعدم وجود مسارات بديلة لنصف إنتاجه تقريباً.

عوائق تقنية

وفي قراءة تقنية لهذه الأرقام، يرى خبير شؤون الطاقة رياض النزال في تصريح لـِ "المدن" أن الطموحات السياسية لمشروع البحار الأربعة تصطدم بمحدودية تقنية واضحة في البنية التحتية السورية؛ إذ تعاني شبكات الأنابيب ومحطات التفريغ ومنشآت التصدير من تهالك ناتج عن سنوات الحرب وتراجع الصيانة، مما يجعل رفع الاستطاعة التشغيلية مهمة معقدة ومكلفة زمنياً.

ويكشف النزال أن "عقدة التصدير" ستظل قائمة حتى لو وصلت الأنابيب إلى الساحل؛ فبينما يمتلك مرفأ طرطوس قدرات تشغيلية جيدة لاستقبال السفن الكبيرة، يظل مرفأ بانياس (المصب النهائي لخط كركوك) منشأة صغيرة بإمكانات محدودة لا ترقى لمتطلبات استقبال الناقلات العملاقة وتصدير الكميات النظرية التي يطرحها المشروع. أما بالنسبة للنفط العراقي، فيؤكد النزال أن الحلول الحالية عبر الصهاريج تظل محدودة السعة (نحو 120 ألف برميل يومياً)، بينما يحتاج خط "كركوك-بانياس" إلى ثلاث سنوات على الأقل لاستعادة 75% من طاقته، في حين أن الخطوط المتجهة نحو جيهان التركي لا تزال دون المطلوب مقارنة بالنقل البحري.

ومع ذلك، يرى النزال أن الغاز يمثل الجانب الأكثر واقعية في المشروع؛ نظراً لوجود خط الغاز العربي والاهتمام الدولي المتزايد بالاستثمار في المياه الاقتصادية السورية واللبنانية. ويشير إلى أن الاكتشافات النفطية الجديدة في غرب العراق (منطقة القرنين) وبادية التنف السورية والمفرق الأردنية، تمنح زخماً إضافياً لتسريع العمل بأنبوب "البصرة-حديثة" النفطي متعدد الاتجاهات، كخطوة استراتيجية لتأمين منافذ تصدير بديلة وتقليل الاعتماد المطلق على مضيق هرمز.

غطاء سياسي وتحرك ميداني

هذا التحليل الفني والاقتصادي لم يبق حبيس الغرف المغلقة، بل وجد صدىً في التوجهات الرسمية المعلنة؛ إذ شهد شهر نيسان انعطافة حاسمة بإعلان وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني من أنقرة عن إطلاق المشروع كشراكة استراتيجية مع تركيا، تهدف لتحويل البلدين إلى مركز عالمي لتوزيع الطاقة. وبالتوازي مع هذا الغطاء السياسي، كشفت تحركات وزارة الطاقة السورية عن اجتماعات مكثفة مع الجانبين الأردني واللبناني لتسريع الربط الكهربائي وتفعيل خط الغاز العربي، مما يعطي انطباعاً بأن "البحار الأربعة" تحول من رؤية طموحة إلى سباق مع الزمن لتثبيت سوريا على خارطة الطاقة العالمية الجديدة، بالرغم من التحديات التقنية والتمويلية القائمة.

تمويل المشروع وتحديات الاستقرار

أما على صعيد الكلفة، فيكشف عبد الكريم أن المشروع يتطلب استثمارات تتراوح بين 25 و35 مليار دولار، وهو رقم ضخم يعادل ثلاثة أضعاف كلفة بناء "بترولاين" السعودي بالقيمة الحالية. وتظل المعضلة الكبرى في "التمويل" و"الاستقرار"، إذ إن تحفظ قطر على إحياء المشروع رسمياً مطلع عام 2025 يعكس قلقاً مرتبطاً بمدى استقرار الحكومة السورية الجديدة وقدرتها على ضمان أمن الخط على مدى 25 إلى 30 سنة من التشغيل، وهي الفترة الدنيا اللازمة لاسترداد رأس المال المستثمر.

ويختم عبد الكريم بالتأكيد على أن مشروع البحار الأربعة، رغم أهميته كمتنفس استراتيجي يمنح أوروبا هامش أمان، إلا أنه لا يُعتبر بديلاً لمضيق هرمز ولا منافساً له بالمعنى الكمّي، بل رديف استراتيجي يخدم 15 إلى 20% من تدفقات هرمز، ويعيد توجيهها نحو أوروبا والمتوسط حصراً. حدّه الأقصى من النفط لا يتجاوز 3 إلى 3.5 ملايين برميل يومياً، ومن الغاز 30 إلى 40 مليار متر مكعب سنوياً، وفترة تنفيذه بين 4 و6 سنوات.

أما عن الإيرادات السورية من رسوم العبور فقد تصل بحسب الخبير الاقتصادي في ذروتها إلى ما بين 1.5 و4 مليارات دولار سنوياً، تتدرّج صعوداً على مدى 5 إلى 6 سنوات. بينما تبلغ الجدوى الكلّية للبدائل مجتمعة من بترولاين والبحار الأربعة وأنبوب أبو ظبي-الفجيرة في الذروة 8.5 مليون برميل يومياً، أي 42% من تدفقات هرمز و50% من إيرادات الخليج النفطية، وتترك فجوة هيكلية تُقدّر بـ 200 إلى 220 مليار دولار سنوياً لا يوجد لها بديل أنبوبي قابل للتنفيذ في الأفق المنظور. هذه الفجوة هي التي تجعل من هرمز شرياناً لا غنى عنه، ومن أي إغلاق له صدمة عالمية تتجاوز قدرة البنية التحتية البديلة على الامتصاص الكامل، حتى مع تنفيذ كل المشاريع الموازية بكامل طاقتها التصميمية.

رهام علي - المدن

أقرأ أيضاَ

واشنطن تضخ 53 مليون برميل نفط من الاحتياطي لكبح الأسعار

أقرأ أيضاَ

مسؤول: أرامكو قادرة على بلوغ طاقتها الإنتاجية القصوى خلال 3 أسابيع