سباق البنوك الرقمية في الشرق الأوسط يتسارع بتعزيز رهانها على مصر -- May 20 , 2026 28
يشكل إعلان "البنك التجاري الدولي"، أكبر مصارف مصر الخاصة، نيته إطلاق بنك رقمي خلال الربع الأخير من 2026 تحت اسم "يومو"، مؤشراً جديداً على اتساع رقعة سباق البنوك الرقمية في المنطقة، مع سعي المصارف إلى الاستفادة من تجذّر انتشار التكنولوجيا الرقمية لبناء نموذج أقل كلفة وقادر على تحويل الاستخدام الرقمي اليومي إلى علاقة رئيسية مع عدد أكبر من العملاء.
توقيت الإطلاق، الذي كشف عنه هشام عز العرب، الرئيس التنفيذي للبنك، خلال مقابلة مع "الشرق" الأسبوع الماضي، جاء بعد عامين تقريباً من إصدار البنك المركزي المصري قواعد ترخيص البنوك الرقمية، بما يسمح بتقديم خدمات متكاملة -من فتح الحسابات إلى التحويلات والمدفوعات والتمويل- دون الحاجة إلى فروع تقليدية. منذ ذلك الحين، حصلت شركة "مصر للابتكار الرقمي" التابعة لـ"بنك مصر" على موافقة لإطلاق "وان بنك"، بوصفه أول بنك رقمي بالكامل في البلاد.
تنضم مصر بذلك إلى مشهد إقليمي يضم دولاً مثل السعودية والإمارات، أكبر اقتصادين عربيين، تحولت فيه رقمنة البنوك من مبادرات تسويقية أو تطبيقات موازية إلى جزء من بنية المنافسة المصرفية نفسها، لتلاحق تياراً عالمياً في أسواق أكثر نضجاً. يدفع هذا التيار عدة عوامل، من بينها تفضيلات "جيل زد" وسعي البنوك إلى الدفاع عن علاقتها اليومية مع المستخدم قبل أن تنتقل إلى منصات خارج القطاع المصرفي التقليدي.
رقمنة تتجاوز التطبيق المصرفي
هذا المشهد لا يتحرك وفق نموذج واحد، فهناك العديد من البنوك الرقمية التي خرجت من رحم بنوك تقليدية، مثل "لِف" من "الإمارات دبي الوطني"، و"بنك إلى" التابع لبنك "المؤسسة العربية المصرفية" (ABC)، و"ريفليكت" من "البنك العربي"، و"مشرق نيو" من "المشرق". جميعها نماذج لم تبدأ من الصفر، تستند إلى رأس مال وخبرة تنظيمية وثقة مرتبطة بالمؤسسة الأم، لكنها تحاول في الوقت نفسه تقديم تجربة مختلفة عن علاقة العميل التقليدية بالفرع.
في المقابل، ظهرت كيانات رقمية مرخصة أو مبنية كبنوك مستقلة، مثل "دي 360" في السعودية و"ويو" (Wio) و"زاند" في الإمارات، لتعمل كمؤسسات مصرفية دون شبكة فروع تقليدية، وإن كانت مدعومة أحياناً من مساهمين مصرفيين أو سياديين أو شركات اتصالات كبرى.
لكن الفارق ليس في شكل التطبيق، بل في الترخيص والميزانية العمومية. فالبنك الرقمي الحقيقي لا يكتفي بتقديم تجربة استخدام سهلة، بل يستطيع قبول الودائع، ومنح الائتمان، وتحمل المخاطر، وبناء علاقة مالية مستمرة مع العميل. لذلك يصبح السؤال الأهم: هل يتحول إلى الحساب الرئيسي للعميل، أم يبقى قناة للمدفوعات والتحويلات؟
بنك جديد أم إصلاح القديم؟
يرى رونيت غوس، رئيس قسم مستقبل التمويل العالمي في "سيتي"، أن إطلاق بنك رقمي منفصل يمنح المؤسسات التقليدية فرصة للخروج من قيود أنظمة تقنية قديمة ومكلفة، بدلاً من الاكتفاء بوضع تطبيق أفضل فوق بنية مصرفية لم تعد مرنة بما يكفي. فالبنك الرقمي، برأيه، يتيح بناء نموذج أقل كلفة، يعمل بوتيرة أقرب إلى شركات التكنولوجيا المالية، ويفتح الباب أمام خدمات ومنتجات يصعب اختبارها داخل الهيكل التقليدي للبنك.
من هذه الزاوية، لم تعد الأذرع الرقمية مجرد رد فعل دفاعي على شركات التكنولوجيا المالية، إذ يقول زينون كابرون، مدير "جي إل إنسايت"، إن الموجة الأولى بدأت بهذا الدافع، لكنها اتسعت اليوم لتشمل خفض كلفة خدمة العملاء، وبناء بنية تحتية للسنوات المقبلة لا للعقد الماضي، فضلاً عن جذب شرائح أصغر سناً.
هشام عز العرب، الرئيس التنفيذي لـ "التجاري الدولي"، لم يخف ابتسامته خلال المقابلة عندما أفصح عن اسم البنك الجديد، معلقاً: "يمكن fancy name (اسم برّاق) أو ينفع لـ Gen Z (الجيل زد)".
وتبدو البيئة الإقليمية مهيأة لهذا التحول، إذ تشير "ماكينزي" إلى أن عدد شركات التكنولوجيا المالية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تجاوز ألف شركة، في حين بلغت استثمارات القطاع 1.9 مليار دولار عبر 237 صفقة في 2023 و2024، مع توقع نمو صافي إيرادات التكنولوجيا المالية في المنطقة 35% سنوياً حتى 2028، مقارنة بمتوسط عالمي يبلغ 15%.
أرقام، تكشف كيف خرجت الرقمنة من كونها خدمة مساندة إلى مساحة تنافس قائمة بحد ذاتها.
ويقدّر نمير خان، رئيس مجلس إدارة جمعية التكنولوجيا المالية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، أن حصة التكنولوجيا المالية من إيرادات القطاع المصرفي في الخليج لا تزال بين 1% و2% فقط، مقابل 3% إلى 5% في أسواق أكثر نضجاً مثل الولايات المتحدة وبريطانيا، ما يترك مساحة واسعة لنمو البنوك والمنصات الرقمية.
الخليج يتقدم ومصر تختبر النموذج
تبدو السعودية والإمارات الأكثر تقدماً في انتقال البنوك الرقمية من الفكرة إلى الترخيص والتشغيل. ففي السعودية، يأتي توسع البنوك الرقمية ضمن تحول أوسع في القطاع المالي، إذ ارتفع عدد شركات التكنولوجيا المالية من 20 شركة في 2019 إلى 301 شركة في 2025، وفق تقرير "رؤية 2030" السنوي، فيما بلغت المدفوعات الإلكترونية 85% من إجمالي مدفوعات قطاع التجزئة في 2025، بحسب البنك المركزي السعودي.
وعلى هذه الأرضية، توسع المشهد في السنوات القليلة الماضية ليشمل عدة لاعبين من بينهم "دي 360" (D360)، الذي يصف نفسه بأنه أول بنك رقمي متكامل في المملكة، و "إس تي سي بنك" و"فيجن بنك"، إضافة إلى الموافقة على ترخيص "إي زي بنك" برأسمال 2.5 مليار ريال في 2025.
إزي سفير، الرئيس التنفيذي لـ"دي 360"، قال في منشور على "لينكد إن" نهاية العام الماضي، إن البنك تجاوز مليوني عميل خلال عشرة أشهر من إطلاقه التجاري، ما يشير إلى سرعة تبني بعض النماذج الرقمية الجديدة في السوق السعودية. سفير جاء إلى السعودية بعد أن شغل منصب الرئيس التنفيذي لـ"أوبن بنك"، البنك الرقمي التابع لمصرف "سانتاندير" الأوروبي الشهير.
في الإمارات، يتوزع المشهد بين بنوك رقمية مرخصة ومنصات رقمية أطلقتها بنوك قائمة. فإلى جانب "ويو"، المدعوم من "القابضة" (ADQ) و"ألفا ظبي" و"إي آند" و"بنك أبوظبي الأول"، و"زاند" المرخص من مصرف الإمارات المركزي، يبرز أيضاً "بنك المارية المحلي" الذي يقدم نفسه كبنك رقمي متخصص مرخص من المصرف المركزي. بينما تعمل في الجهة الأخرى، منصات مثل "بنك لِف" و"مشرق نيو" و"إي 20" (E20) كواجهات رقمية لبنوك تقليدية.
وتوفر السوق أرضية داعمة لهذا التحول، إذ يشير تقرير صادر عن "الإمارات دبي الوطني" و"بي دبليو سي" إلى أن شركات التكنولوجيا المالية في الإمارات جذبت نحو 265 مليون دولار في 2024، أي ما يقارب ثلث تمويل الشركات الناشئة في الدولة. كما حصلت "ريفولوت" في 2025 على موافقة مبدئية من المصرف المركزي الإماراتي لتراخيص المحافظ الإلكترونية وخدمات الدفع للأفراد، ما يشير إلى أن المنافسة لم تعد محلية فقط، بل باتت تجذب لاعبين عالميين إلى أسواق المنطقة.
يرى خان أن تجربة "ويو" تمثل أحد أوضح المؤشرات الإقليمية حتى الآن على قدرة البنك الرقمي على التحول إلى نموذج ربحي، لكنه يعتبر أيضاً أن نجاح تلك التجربة لا يقوم على نموذج "الفائز الواحد"، بل على تقسيم السوق إلى شرائح أوضح، حيث يستهدف كل لاعب فجوة مختلفة، من الشركات الصغيرة والمتوسطة إلى الخدمات المتوافقة مع الشريعة والحلول الموجهة للشركات.
يقول خان إن "الدرس هنا أن البنوك الرقمية الناجحة في الشرق الأوسط لا تكتفي ببناء تطبيق أفضل لعملاء التجزئة عموماً، بل تحدد شريحة ربحية غير مخدومة بما يكفي، وتبني لها نموذجاً مصرفياً رقمياً مصمماً خصيصاً لاقتناصها".
أما في مصر، فما زالت السوق في بداية الطريق، لكنها قد تكون من أكثر ساحات الاختبار أهمية للنموذج الرقمي. فمع ارتفاع الشمول المالي في البلاد إلى 77.6% بنهاية 2025، تصبح المسألة أقل ارتباطاً بإطلاق تطبيق جديد، وأكثر اتصالاً بقدرة البنوك على تحويل شرائح أوسع إلى عملاء مصرفيين نشطين ومربحين.
الاختبار الحقيقي: أين الحساب الرئيسي للعميل؟
بالنسبة للشرق الأوسط، يرى كابرون أن البنوك الرقمية المرتبطة بمؤسسات قائمة تجمع حالياً بين المرونة الرقمية والخبرة التنظيمية وقوة التمويل وثقة العملاء، وهي عناصر يصعب على اللاعبين المستقلين بناؤها سريعاً. أما البنوك الرقمية المستقلة فتواجه كلفة أعلى في جذب العملاء والتمويل.
لكن الدرس الأهم، بحسب كابرون، هو أن "التطبيق الجيد ليس خندق حماية". فنجاح البنك الرقمي لا يُقاس بعدد الحسابات المفتوحة أو التحميلات، بل بقدرته على التحول إلى العلاقة المالية الأساسية للعميل فيصبح الحساب الذي يتلقى الراتب، ويحتفظ بالمدخرات، ويمول الاستهلاك أو الأعمال، ويخلق تفاعلاً متكرراً وربحية مستدامة.
يصف خان، رئيس مجلس إدارة جمعية التكنولوجيا المالية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، هذه النقطة بأنها "فجوة الودائع" التي على البنوك الرقمية إغلاقها. فالكثير من العملاء يتعاملون مع هذه التطبيقات في البداية كمحافظ أو قنوات دفع ثانوية، بينما يبدأ التحول الحقيقي عندما تصبح منصة للراتب والادخار والائتمان. عندها فقط ينتقل نموذج الربح من الرسوم والمدفوعات إلى دخل أوسع من الودائع والإقراض.
غير أن بعض التجارب العالمية أثبتت بالفعل قدرة البنوك الرقمية المستقلة على المنافسة، بل إن بعض هذه الكيانات، مثل "ريفولوت" و "مونزو"، نجحت بالتحول من تطبيقات سريعة النمو إلى مؤسسات مالية ذات قواعد عملاء وودائع وإيرادات معتبرة. لكن الدرس الأهم من هذه التجارب ليس أن البنك الرقمي ينجح لأنه رقمي، بل لأنه يستطيع تحويل الاستخدام اليومي إلى علاقة مصرفية رئيسية.
في النهاية، لا تلغي البنوك الرقمية المصارف التقليدية بقدر ما تعيد تعريف القطاع. فاليوم، أصبح من الصعب تصور أن يبدأ أي بنك جديد حياته بفروع تقليدية، كما أصبح من المستحيل على البنوك القائمة تجاهل الزحف الرقمي الذي يقيس النجاح بعناصر مثل سرعة فتح الحساب، وكلفة خدمة العميل، وقدرته على تحويل الثقة المصرفية القديمة إلى علاقة رقمية يومية: وهنا يبدأ التنافس الحقيقي.
المصدر:
الشرق