من العقوبات إلى النفوذ.. هل يمكن شطب إيران كـ"لاعب" من خريطة الشرق الأوسط؟ -- May 21 , 2026 28
رغم عقود من العقوبات والضغوط القصوى والعزلة الدبلوماسية، تكشف التحولات في الشرق الأوسط مفارقة لافتة: كلما تحدث الغرب وحلفاؤه الإقليميون عن "احتواء"
إيران، بدت طهران أكثر حضوراً في معادلات المنطقة. فلم تعد الجمهورية الإسلامية، وفق تحليل نشره Middle East Monitor، مجرد قوة "مزعزعة"، بل تحولت إلى ركن بنيوي في المشهدين السياسي والأمني من بلاد الشام إلى خليج عدن.
ينطلق التحليل من فكرة أن استراتيجية الاحتواء الغربية قامت على افتراض أن إيران يمكن حشرها في زاوية تدفعها إما إلى التراجع أو الانهيار. غير أن هذه المقاربة، بحسب النص، تجاهلت ما تسميه طهران "العمق الاستراتيجي"، أي مزيجاً من التحالفات غير المتكافئة، والنفوذ العقائدي، والصناعة الدفاعية المحلية القادرة على الصمود رغم الضربات والعقوبات.
ومن هنا، يرى التقرير أن أي ترتيب أمني أو حل سياسي مستدام في الشرق الأوسط لا يمكن أن يتجاهل العامل الإيراني. فإيران، كما يورد التحليل، لم تعد لاعباً على هامش اللعبة، بل أحد صانعي قواعدها الأساسية، خصوصاً بعد أن أظهرت الحرب الأميركية ـ الإسرائيلية عليها قدرتها على التكيف وإعادة التموضع تحت ضغط هائل.
ويلفت النص إلى عامل جغرافي لا يمكن تجاوزه: إيران دولة راسخة في المنطقة، ولن تختفي من الخريطة. ولذلك، فإن تعامل جيرانها العرب معها عبر مقاربة الاستبعاد الدائم أو تفويض الأمن إلى الغرب لم ينتج استقراراً حقيقياً، بل جعل المصالح الخليجية أحياناً أسيرة أولويات أميركية وإسرائيلية لا تتطابق بالضرورة مع أمن المنطقة.
ويذهب التحليل إلى أن دول الخليج تاريخياً لم تطور استراتيجية مستقلة تجاه طهران، بل انخرطت في النموذج الغربي للاحتواء. وخلال عهد الشاه، حين كانت إيران حليفاً محورياً للغرب، بدت العلاقة معها أكثر قبولاً. لكن بعد ثورة 1979، ورفع شعارات "تصدير الثورة"، دخلت المنطقة مرحلة مواجهة طويلة، بلغت ذروتها مع الحرب العراقية ـ الإيرانية عام 1980.
وبحسب المقال، شكّل دعم عدد من دول الخليج للعراق في تلك الحرب نقطة مفصلية في تفكير طهران الأمني. فبدلاً من النظر إلى الحرب كخلاف حدودي، رأت إيران فيها تهديداً وجودياً لجمهوريتها الوليدة. ومن هذا الشعور بالعزلة والحصار، تطورت عقيدتها المعروفة بـ"الدفاع المتقدم"، أي نقل خطوط المواجهة بعيداً عن حدودها عبر بناء شبكة حلفاء في الإقليم.
هكذا، تحولت الطموحات الثورية الأولى، مع الوقت، إلى سياسة نفوذ أكثر براغماتية. من العراق إلى لبنان واليمن، استطاعت إيران، وفق التحليل، أن تدمج حلفاءها في البنى السياسية والاجتماعية المحلية، بحيث يصبح أي استهداف مباشر لطهران قابلاً لإشعال أطراف عدة من المنطقة في وقت واحد.
ولا يرى التقرير أن الأمر بات مجرد مسألة أيديولوجيا، بل سياسة تأمين غير تقليدية بنتها إيران خلال أربعة عقود. فـ"حزب الله" في لبنان، و"الحشد الشعبي" في العراق، و"الحوثيون" في اليمن، يمثلون بالنسبة إلى طهران شبكة ردع موزعة تجعل كلفة استهداف المركز الإيراني أعلى بكثير مما كانت عليه في السابق.
ويخلص التحليل إلى أن سياسة الاحتواء التقليدية فقدت فعاليتها، لأن الضغوط الاقتصادية والضربات العسكرية لم تؤدِ إلى تفكيك نفوذ إيران، بل ساهمت في ترسيخه. فكلما زادت الضغوط، ازداد اعتماد طهران على شبكاتها الإقليمية، وتحولت هذه الشبكات من أدوات ظرفية إلى جزء من بنية النظام الإقليمي.
بذلك، يقف الشرق الأوسط أمام واقع جديد أكثر تعددية وتعقيداً. لم تعد المعادلة قائمة على إقصاء إيران أو إسقاط نفوذها بالقوة، بل على إدارة نظام إقليمي تتداخل فيه قوة الدول مع نفوذ الفاعلين غير الحكوميين. أما التحدي المقبل، كما يرى المقال، فليس في كيفية “احتواء” إيران، بل في كيفية التعامل مع شرق أوسط تغيّرت خرائطه القديمة، ولم تعد أدوات الماضي كافية لفهمه أو إدارته.