طفرة الحسابات "الفريش": انتعاشة في وسائل الدفع الإلكترونيّة -- May 26 , 2026 29
منذ بدء الأزمة في العام 2019، وعلى مرّ السنوات التالية، تراجعت تدريجيًا أعداد الحسابات المصرفيّة النشطة، بعد أن طغت على عمليّات المودعين محاولات سحب السيولة وإقفال الحسابات. ولهذا السبب، وحتّى العام 2025، كان عدد نقاط الدفع الإلكترونيّة (التي تُعرف بالـPOS) تتراجع شيئًا فشيئًا، إلى جانب تراجعٍ موازٍ في عدد بطاقات الدفع المربوطة بالحسابات الدائنة. وكان هذا المؤشّر يعبّر عن تراجع مستوى الشمول المالي، المُعرّف بمدى اتّساع نطاق الخدمات الماليّة، وبدرجة حصول جميع فئات المجتمع على المنتجات المصرفيّة.
غير أنّ هذا النمط تغيّر ابتداءً من مطلع هذا العام. إذ تشير أرقام مصرف لبنان -لغاية الربع الأوّل من هذه السنة- إلى انتعاشة مفاجئة بدأت منذ العام الماضي، في عدد نقاط الدفع الإلكترونيّة وبطاقات الدفع. وهذا ما يمكن ربطه بطفرة الحسابات "الفريش"؛ أي حسابات السيولة الجديدة، غير الخاضعة للقيود المُفروضة على ودائع ما قبل تشرين الأوّل 2019. وبهذا الشكل، يتوسّع شيئًا فشيئًا نظام الدفع الجديد، الموازي للأنظمة السابقة المأزومة، بانتظار بلوغ مرحلة إعادة الهيكلة الشاملة، التي يفترض أن تعالج فجوة خسائر النظام المصرفي. ومع ذلك، تبقى المشكلة الرئيسيّة تركّز هذه الخدمات المصرفيّة الجديدة في منطقتي بيروت وجبل لبنان، وهذا ما يؤشّر -مجددًا- إلى مشكلة على مستوى الشمول المالي واستفادة الأطراف من الخدمات الماليّة.
أرقام مصرف لبنان
مع حصول الأزمة الماليّة في لبنان، تراجع عدد بطاقات الدفع الإلكترونيّة -المربوطة بحسابات دائنة- من 1.85 مليون بطاقة عام 2019، إلى 1.74 مليون بطاقة في العام 2021، ثم 1.37 مليون بطاقة عام 2023، و1.18 مليون بطاقة في العام 2025. وبطبيعة الحال، عبّرت هذه الأرقام عما كان يجري في المصارف طوال تلك الفترة. إذ تركّز نشاط المودعين على محاولة سحب السيولة العالقة، ولو ضمن دفعات متدرّجة، أو عبر بيع الشيكات، ما أفضى إلى إقفال تدريجي للحسابات الدائنة الصغيرة والمتوسّطة. كما امتنعت المصارف عن فتح حسابات جديدة بالدولار المحلّي القديم، أو حتّى قبول شيكات بهذه السيولة، لتفادي تكبّد المزيد من هذا النوع من الالتزامات للمودعين.
بهذا الشكل، وبين عامي 2019 و2025، فقد النظام المصرفي 36 بالمئة من قيمة البطاقات الإلكترونيّة المربوطة بحسابات دائنة. وبالتوازي مع ذلك، تراجع عدد ماكينات الدفع الآلي؛ أي الـ POS، من 2,003 ماكينة في العام 2019، إلى 1,724 ماكينة في العام 2021، ثم 1,422 ماكينة في العام 2023، قبل أن يتم تسجيل ارتفاع ضئيل إلى 1,432 ماكينة في العام 2025. وبهذا الشكل، كان التجّار يستجيبون للواقع الجديد على طريقتهم، عبر تقليص الطلب على ماكينات الدفع الآلي. وبذلك، يكون النظام المصرفي قد خسر، حتّى العام 2025، 29 بالمئة من ماكينات الدفع الآلي التي كانت موجودة قبل بدء الأزمة في العام 2019، وهذا ما قلّص من إمكانيّة استخدام البطاقات بمختلف أشكالها في المحال التجاريّة.
غير أنّ أرقام العام 2026 أظهرت نمطًا جديدًا بدأ من العام الماضي. إذ سجّل عدد البطاقات الإلكترونيّة، المربوطة بحسابات دائنة، زيادة لافتة سنويّة لافتة بنسبة 4.15 بالمئة، ليبلغ 1.24 مليون بطاقة لغاية أواخر شهر آذار. وفي المقابل، ارتفع عدد ماكينات الدفع الآلي بنسبة 1.19 بالمئة، ليبلغ 1,449 ماكينة خلال الفترة نفسها. وهذا ما يعني أن النظام المصرفي اللبناني انتقل من مرحلة الانكفاء، إلى مرحلة التوسّع، في استعمال وسائل الدفع الإلكترونيّة، بخلاف ما كان عليه الحال طوال الفترة الممتدة بين 2019 و2025. وهذا التوسّع يشمل في الوقت نفسه العرض والطلب: إقبال المودعين على استعمال البطاقات، وإقبال التجّار على قبولها.
التركّز الجغرافي
بالتأكيد، لا يمكن فصل هذه التطوّرات عن ما جرى في القطاع المصرفي منذ العام الماضي، لجهة التوسّع في استقبال المصارف للسيولة الطازجة بالدولار الأميركي والليرة اللبنانيّة. مع الإشارة إلى أنّ تعاميم مصرف لبنان فرضت آليّات خاصّة للتعامل مع هذه سيولة، عبر استحداث مقاصّة خاصّة ومنفصلة لتداولها داخل النظام المصرفي، وعدم فرض أي قيود عليها عند سحبها أو تحويلها إلى الخارج. وهذا ما سمح بتوسّع استعمال الشيكات المرتبطة بالحسابات "الفريش"، كما سمح بزيادة الحجم الإجمالي لهذه الحسابات حتّى حدود 4.4 مليار دولار أميركي، وفقًا لأرقام مصرف لبنان. وتجدر الإشارة إلى أنّ عددًا من المصارف اللبنانيّة لجأت إلى تقديم خدمات إئتمانيّة وقروض بالدولار "الفريش"، إنما ضمن حدود ضيقة.
بالرغم من هذا التوسّع المُستجد، في استخدام أدوات الدفع الإلكتروني، تبقى المشكلة الأساسيّة تركّزه في مناطق جغرافيّة محدّدة. فمنطقة جبل لبنان ما زالت تستحوذ على نحو 38.65 بالمئة من ماكينات الدفع الآلي، بينما تستحوذ بيروت وضواحيها على قرابة 31.75 بالمئة من هذه الماكينات. وبذلك، لا تستحوذ جميع المناطق اللبنانيّة الأخرى، شمالًا وجنوبًا وبقاعًا، على أكثر من 30 بالمئة من هذه الماكينات. وهذا ما يدل على حصر الغالبيّة الساحقة من الخدمات الماليّة المُتاحة إلكترونيًا في بيروت والمناطق المجاورة، وعدم إتاحة هذه الخدمات في المناطق الأبعد. مع العلم أن محافظة النبطيّة على وجه الخصوص لم تستحوذ إلا على 29 ماكينة دفع آلي، بنسبة لا تتجاوز 2 بالمئة من الإجمالي.
في النتيجة، لا يمكن اعتبار هذه الأرقام عودةً إلى الحياة المصرفيّة الطبيعيّة، بقدر ما يمكن توصيفها كنشوء لنظام مصرفي موازٍ ومحدود، وبسيولة منفصلة عن ودائع ما قبل الأزمة. وهذا التحسّن يبقى جزئيًا ومشوّهًا، لكونه لم يعالج أصل أزمة الثقة، ولا فجوة الخسائر المصرفيّة، كما أنّه ما زال محصورًا من الناحية الجغرافيّة ببعض المناطق اللبنانيّة، ما يؤثّر على الشمول المالي في الأطراف. ولذلك، يمكن القول أن ما جرى عكس تكيّفًا للسوق مع الأزمة، لا دليلًا على تعافي القطاع المصرفي.
علي نور الدين - المدن