"ألفاريز ومارسال" تُدقّق في "المركزي" ولا تصل إلى حسابات المصارف -- Jun 05 , 2026 23
هذا العنوان هو شرح بسيط لعقد التدقيق الجنائي الجديد الذي أعلن عنه مصرف لبنان مع شركة Alvarez & Marsal لإجراء تدقيق جنائي للفترة الممتدة بين 2019 و2023. كما سبق أن تمّ التعاقد مع الشركة نفسها لإجراء تدقيق للفترة بين 2015 و2020.
لكنّ الإشكالية الأساسية، في الحالتَين، تبقى أنّ التدقيق محصور بمصرف لبنان فقط، فيما تُستثنى المصارف التجارية من أي تدقيق فعلي شامل، على رغم من أنّها طرف أساسي في كل ما جرى من هندسات وسياسات وتحويلات مالية. هذا الاستثناء يجعل أي نتائج غير مكتملة بطبيعتها، لأنّ الصورة لا يمكن أن تتضح من جهة واحدة في منظومة مترابطة.
والسؤال الجوهري الذي يفترض أن يجيب عنه أي تدقيق من هذا النوع يبقى: كم بلغت الأموال التي انتقلت من المصارف إلى مصرف لبنان؟ وكيف تمّ توظيفها ضمن السياسات المالية المعتمدة؟ وهو سؤال أساسي لم تتمّ الإجابة عنه بشكل واضح حتى الآن.
في سياق آخر، كتبت القاضية غادة عون، أنّ «المسؤولية على المصارف أوضح من أي وقت»، وهو كلام نعتبره توصيفاً دقيقاً لما حصل، ونصرّ عليه ونطالب به منذ بداية الأزمة. كما نثمِّن كل صوت لا يزال يجرؤ على قول الحقيقة كاملة، في وقت اختارت فيه غالبية الطبقة السياسية والمالية والإعلامية التهرّب من جوهر القضية، ومحاولة تمييع المسؤوليات أو توزيعها بطريقة ظالمة.
نعم، المسؤولية على المصارف واضحة وضوح الشمس، وهي مع الدولة تتحمّلان المسؤولية الكاملة عمّا جرى للقطاع المالي ولأموال المودعين وصناديق التعويضات. وبالتالي، فإنّ أي حديث عن «توزيع الخسائر» يجب أن ينحصر بهذَين الطرفَين، أي المصارف اللبنانية ومصرف لبنان والدولة، لا أن يُزجّ بالمودعين أو بصناديق التعويضات أو بأموال الناس، في معادلة لم يكونوا سبباً فيها.
فالمودع لم يكن شريكاً في القرارات المالية، ولم يشارك في الهندسات المالية، ولم يوقّع على سياسات الاستدانة أو التلاعب بأسعار الفائدة أو تمويل العجز. لقد سلّم أمواله إلى نظام مصرفي يفترض أنّه خاضع للقوانين والرقابة الرسمية، وبالتالي، فإنّ تحميله الخسائر يشكّل عملياً نقل المسؤولية من المرتكب إلى الضحية.
وينطبق الأمر نفسه على الموظفين الذين فُرض عليهم إيداع أموال تعويضاتهم ومدّخراتهم التقاعدية ضمن النظام المصرفي نفسه، من دون أن يكون لديهم خيار حقيقي لتنويع المخاطر أو حماية حقوقهم. كما ينسحب ذلك على المستثمرين العرب والأجانب الذين وثقوا بلبنان وبقطاعه المصرفي، واستثمروا فيه وأودعوا أموالهم في مصارفه استناداً إلى الثقة التي كانت تمنحها الدولة ومصرف لبنان لهذا القطاع. لذلك، لا يجوز بأي شكل من الأشكال تحميل هؤلاء تبعات أخطاء وسياسات (إجرامية) لم يشاركوا في صنعها، بل كانوا ضحاياها.
إنّ أي محاولة لإدخال المودعين في معادلة «تحمُّل الخسائر» تعني عملياً تبرئة المرتكبين الحقيقيّين، وارتكاب ظلم إضافي بحق الناس، لا سيما أنّ هذه الودائع ليست أرقاماً مجرّدة، بل تعب عمر اللبنانيّين، وحقوق متقاعدين، وأموال ضمانات وصناديق تعاضد وتعويضات ومستقبل عائلات كاملة. وأيضاً عرب وأجانب أمّنوا للبنان، وهؤلاء حقهم لا يقلّ عن حق اللبنانيّين.
والأكثر غرابة، أنّ المصارف ما زالت تُعامل حتى اليوم وكأنّها ضحية لا طرفاً مسؤولاً. يُتحدَّث عنها بلغة «حماية القطاع» و«الحفاظ على الاستقرار المالي»، فيما يُمنع حتى الآن تطبيق أبسط قواعد الشفافية والمحاسبة، وفي مقدّمتها فتح دفاتر المصارف وكشف حساباتها للرأي العام وإخضاعها لتدقيق كامل وشفاف.
فإذا كانت هذه المصارف بريئة فعلاً، فما الذي يمنعها من كشف الحسابات والأرقام والتحويلات؟ ولماذا هذا الخوف الدائم من التدقيق؟ ولماذا يُعامل كشف الحقائق وكأنّه خطر على البلد، فيما الحقيقة أنّ استمرار إخفائها هو الخطر الحقيقي على الثقة والاقتصاد ومستقبل البلد؟
والأخطر من ذلك، أنّ استمرار حجز أموال المودعين يمنح المصارف، بصورة أو بأخرى، استفادة يومية من هذه الأموال، فيما يتحمّل أصحابها وحدهم كلفة الوقت والتضخّم وانهيار القيمة الشرائية. وحتى في حال إعادة الودائع مستقبلاً، فإنّ استرجاع المبلغ الاسمي وحده لا يعوِّض الخسارة الفعلية التي لحقت بالمودعين نتيجة مرور السنوات وتآكل قيمة أموالهم.
لذلك، فإنّ العدالة الحقيقية لا تقتصر على إعادة أصل الوديعة فحسب، بل تقتضي أيضاً احتساب قيمتها الفعلية وما ترتب عليها من عوائد وفوائد وفق أسس عادلة وشفافة. فمَن يطالب بتطبيق الحقوق كاملة لا يمكنه تجاهل أنّ حرمان المودعين من أموالهم لسنوات طويلة ألحق بهم خسائر مالية واقتصادية تتجاوز بكثير مجرّد قيمة الوديعة الأصلية.
إنّ أي دولة تحترم نفسها تبدأ أولاً بكشف الحقائق. أمّا في لبنان، فالمفارقة أنّ الجميع يتحدّث عن الإصلاح والشفافية واستعادة الثقة، فيما أبسط إجراء لبناء الثقة، أي كشف الحسابات كاملة، لا يزال غائباً حتى اللحظة.
فادي عبود - الجمهورية