حرب إيران والاقتصاد العالمي: رالي الذكاء الاصطناعي لا يبدد مخاطر "التنين" -- Jun 09 , 2026 28
بعد مرور 100 يوم على حرب إيران، ينتمي دانيال غروس، المستشار الاقتصادي السابق للمفوضية الأوروبية، إلى المعسكر الذي ينظر إلى نصف الكوب الممتلئ.
في مقابلة مع مايا حجيج عبر برنامج "شرق غرب" على قناة "الشرق"، لم يخف غروس دهشته من تأقلم الاقتصاد العالمي مع تبعات حرب إيران "بشكل لا بأس به أبداً"، مُرجعاً الفضل في ذلك إلى تراجع اعتماد اقتصادات الدول المتقدمة على النفط، وبزوغ نجم الذكاء الاصطناعي "الذي لا يتأثر بالتوترات السياسية"، قبل أن يُتابع في تفاؤل يحسد عليه: "إذا ما استمر الوضع على ماهو عليه لـ100 يوم إضافية، قد لا يتأثر الاقتصاد العالمي بشكل كبير".
ليس من الصعب تماماً تصوّر الأمور من وجهة نظر غروس. فرغم بعض التوقعات الأولية بارتفاع أسعار النفط إلى 150 دولاراً للبرميل في حال استمرار الصراع لعدة أشهر، بلغ متوسط سعر خام برنت المرجعي منذ بداية الهجمات الأميركية-الإسرائيلية على إيران يوم 28 فبراير 101 دولاراً للبرميل.
نادي التريليون دولار
خلال نفس الفترة، لم تتعرض أسواق المال الأميركية للانهيار، حيث ارتفع مؤشر "إس آن بي 500" بأكثر من 7%، مدعوماً بقطاع التكنولوجيا، كما قفز مؤشر "فيلاديلفيا لأشباه الموصلات" الذي يضم شركات مستفيدة من طفرة الذكاء الاصطناعي بنحو 60%، ودخلت شركات جديدة مُنتجة لرقائق الذاكرة نادي التريليون دولار من حيث القيمة السوقية، من بينها "ميكرون" الأميركية و "إس كي هاينكس" الكورية الجنوبية. يوم الجمعة الماضي، أظهرت بيانات سوق العمل الأميركية لشهر مايو نمواً فاق التوقعات.
غير أن أول نقاط الضعف في حجة غروس، وغيره ممن يشاركونه الرأي، بدت واضحة مع رده على متابعة للزميلة حجيج حول الأزمات التي تعانيها الدول الناشئة ودول العالم النامي بسبب ارتفاع أسعار الطاقة والتضخم، إذ قال :"بالطبع هنا فوارق كبيرة بين الدول الفقيرة والدول الأكثر تطوراً وثراء.. في الولايات المتحدة واليابان والدول الأوروبية باتت الطاقة تشكل جزءاً أصغر من الاقتصاد".
هذا التفاؤل، إذاً، مشروط بنظرة كلية للاقتصاد تُعلي من شأن الدول المتقدمة، التي تشكل حجماً كبيراً من الناتج المحلي الإجمالي للعالم ويتمتع سكانها بمعدلات أعلى من الرفاهية، وهي وجهة النظر مقبولة لكنها تغفل الآثار السياسية والاقتصادية والاجتماعية للتباين في الأداء على تعميق الفوارق بين الدول.
كما يمتد هذا التباين إلى شرائح اجتماعية مختلفة في نفس الدول الغنية. فبينما تتمتع فئات بمكاسب الذكاء الاصطناعي وأسواق المال، تُعاني الغالبية من تآكل القوة الشرائية بسبب ارتفاع الأسعار. ولعل ذلك هو ما يفسر انهيار مؤشر ثقة المستهلك الأميركي الذي تصدره جامعة ميشيغين لأدنى مستوياته على الإطلاق مع بداية الحرب.
صدمات اقتصادية متكررة
أما العامل الآخر الذي ترتكز إليه هذه النظرة المتفائلة لآفاق الاقتصاد العالمي، فهو التسليم بفرضية أن ما نمر به أخف وطأة مما كنّا نتوقعه. لم يُعان العالم كما عانى مع جائحة كورونا، أو خلال الأزمة المالية العالمية، أو حتى الغزو الروسي لأوكرانيا، وهذا في حد ذاته شيء يدعو للاحتفال، يقول المتفائلون.
في المعسكر الآخر هناك من يرى أن وضع الاقتصاد العالمي، مُثير للقلق بما فيه الكفاية بعد تعرضه لأزمة تلو أخرى خلال السنوات القليلة الماضية.
من بين هؤلاء كريستالينا غورغييفا، مديرة صندوق النقد الدولي، التي قالت في حديث لـ"بلومبرغ" نشر يوم الاثنين من أن العالم "لم يستوعب بعد" ضرورة بناء أساسات تستطيع الصمود أمام الصدمات المتكررة.
بالحديث عن الذكاء الاصطناعي، قالت غورغييفا إنها تريد أن يتجنب العالم تكرار أخطاء تجربة العولمة، والتي أدت إلى تقدم الاقتصاد ككل لكنها تركت "مجتمعات بأسرها تآكلت داخلياً بعد أن اختفت فيها الوظائف دون أن تحظى بالاهتمام الكافي".
لا يتعين علينا أن نفتش بين الدول الفقيرة أو الناشئة لنرى مؤشرات مقلقة. في بريطانيا، أحد أكبر اقتصادات العالم، أشار مسح نشر يوم الإثنين أن أصحاب العمل قلّصوا وتيرة التوظيف بشكل متسارع في شهر مايو وسط اضطرابات الشرق الأوسط والاضطرابات السياسية التي تُعاني منها حكومة رئيس الوزراء كير ستارمر.
التضخم وأسعار الفائدة
ماذا عن التضخم؟ ارتفعت الأسعار في الاقتصادات الناشئة والمتقدمة على حد سواء منذ اندلاع الحرب بسبب نقص إمدادات الطاقة وتعطل سلاسل الإمداد. قفز مؤشر أسعار المستهلكين في منطقة اليورو إلى 3.2%، ما يرجح أن يكون البنك المركزي الأوروبي الأول بين نظرائه في دول "مجموعة السبع" الذي يرفع أسعار الفائدة يوم الخميس رغم مؤشرات تدل على تباطؤ النمو الاقتصادي.
حتى في الولايات المتحدة الأميركية، والتي يراها غروس رمزاً لصمود الاقتصاد، نجد أن معدل التضخم لايزال أعلى من مستهدف الاحتياطي الفيدرالي البالغ 2% لأكثر من خمس سنوات، مع توقعات بتسارعه يوم الخميس إلى 4.2%، وهو أعلى مستوى منذ أبريل 2023.
المفارقة أن صمود سوق العمل الأميركي قد يعرقل استمرار رالي الذكاء الاصطناعي في أسواق الأسهم، ولنا فيما حدث يوم الجمعة خير مثال، عندما أدت بيانات التوظيف الإيجابية إلى تراجع حاد في مؤشرات الأسهم لأنها كثّفت من توقعات المستثمرين بأن الاحتياطي الفيدرالي سيصب كامل تركيزه على أزمة التضخم، وهذا قد يعني رفع أسعار الفائدة بنهاية العام، وهو ما قد يؤثر أيضاً على نمو الاقتصاد.
"احذروا التنين"
قبل الحرب، كانت مُعظم التوقعات تشير إلى استمرار الفيدرالي في تيسير السياسة النقدية وسط مؤشرات بتراجع التضخم. الآن، وفي حين لا يتوقع معظم المحللين لجوء صانعي السياسات إلى رفع معدلات الفائدة، انضم بنك "غولدمان ساكس" انضم أخيراً إلى قائمة الذين يستبعدون الخفض هذا العام.
ويرى محللو "بنك أوف أميركا" أن الفيدرالي قد يشدد من سياسته إذا تراجع معدل البطالة إلى 4% من 4.3% حالياً. عندئذ قد نجد أنفسنا في مواجهة تضخم أعلى وبطالة أقل، وهي حالة لم تحدث سوى سبع مرات في الولايات المتحدة منذ عام 1960 أدت جميعها إلى رفع لأسعار الفائدة "لا تتذكرها وول ستريت بكثير من الود".
ولعل ذلك هو ما دفع محللي البنك لعنونة رسم بياني يُوضح السوابق السبع بجملة استعارت تعبيراً إنجليزياً يُشير إلى مناطق مجهولة وخطرة: "عندما تكون البطالة أقل من التضخم.. احذروا التنين".
المصدر:
الشرق