اقتصاد العالم يلملم جراحه.. والوظائف أول الضحايا

اقتصاد العالم يلملم جراحه.. والوظائف أول الضحايا -- Jun 17 , 2026 14

تتصدّر تداعيات الحرب الإيرانية وأزمة مضيق هرمز طاولة مباحثات مجموعة السبع، في وقت تتكشّف فيه أبعاد واحدة من أعنف الهزّات التي تعرّض لها الاقتصاد العالمي منذ سنوات.

فإغلاق المضيق، الشريان الحيوي لإمدادات الطاقة، أدّى إلى فقدان الأسواق أكثر من 1.2 مليار برميل نفط بقيمة تجاوزت 120 مليار دولار، إلى جانب خسارة 20 بالمئة من إمدادات الغاز المسال ونحو 30 بالمئة من إمدادات الأسمدة عالميًا. نتائج مباشرة تحوّلت إلى موجة تضخم وفقر وجوع وبطالة، دفعت 80 دولة حول العالم إلى إعلان إجراءات طارئة لمواجهة أزمة الطاقة، بينما بات 15 ألف شركة مهدّدة بالإفلاس، و53 مليون وظيفة معلّقة على حافة الخسارة.


كشف حساب.. إغلاق مضيق هرمز يعصف بالعالم
والمفارقة أن إعادة فتح المضيق لا تعني نهاية الأزمة، إذ حذّرت مؤسسات دولية، من صندوق النقد إلى وكالة "ستاندرد آند بورز"، من أن عودة إمدادات الطاقة إلى وضعها الطبيعي قد تستغرق أشهرًا، بسبب الأضرار التي أصابت منشآت وحقول الطاقة في المنطقة، واستمرار الشكوك حول أمن المرور عبر المضيق. وحتى اللحظة، بلغت فاتورة الحرب الإجمالية على الاقتصاد العالمي 1.3 تريليون دولار، توزّعت بين خسائر مباشرة لأميركا بـ112 مليار دولار، وخسائر غير مباشرة على مستهلكيها بـ58 مليار دولار، وخسائر إيرانية بلغت 300 مليار دولار، فيما تخسر أوروبا 580 مليون دولار يوميًا، ويتهدد قطاع طيرانها بخسائر 100 مليار دولار، بينما تختفي أسبوعيًا 10 ملايين وجبة غذائية تضع 45 مليون شخص أمام شبح الجوع. وإذا انهار اتفاق وقف إطلاق النار، فقد تتضخم الفاتورة إلى 3.5 تريليون دولار خلال هذا العام وحده.

في قراءة معمّقة لهذه الأرقام وما تعنيه للوظائف والاقتصادات حول العالم، تحدّث مؤسس شركة EconBrain للاستشارات عرفان الحسني خلال حديثه الى برنامج "بزنس مع لبنى" على سكاي نيوز عربية ، مقدّمًا تحليلًا شاملًا لأبعاد الحرب وتداعياتها على أسواق العمل والاقتصادات المتضرّرة.

حرب استثنائية بحجم كوني
يصف الحسني ما جرى بأنه "من الحروب الكبرى بعد الحرب العالمية الثانية"، ليس بسبب حجم الأضرار وحده ولا عدد الدول المنخرطة فيها، بل لأن تداعياتها تجاوزت الحدود القومية والقارية، في تحوّل لم يكن أحد يتوقعه في المنطقة.

هرمز: الشريان الذي يغذّي المصانع والوظائف
يوضح الحسني أن جوهر الأزمة يتمثّل في "الشريان الأبهر للاقتصاد العالمي"، أي الطاقة، التي ما زالت الوقود الأحفوري والهيدروكربوني يشكّل عمودها الفقري رغم التطور الهائل في الطاقات المتجددة. ومضيق هرمز، بما يمثّله من موقع استراتيجي خطير، يمرّ عبره نحو 20 بالمئة من نفط العالم وثلث الغاز العالمي، إلى جانب الحبوب والأسمدة، وهو ما يجعل أمن الطاقة في قلب المعادلة، إذ تتوزّع الدول المتأثرة بين فئتين: دول الخليج والعراق المصدّرة الرئيسية، والدول الآسيوية المستهلكة الرئيسية، حيث تذهب 80 بالمئة من نفط المضيق إلى الصين والهند، إضافة إلى اليابان وكوريا الجنوبية. ويستحضر الحسني هنا حقبة السبعينات، حين أدّى حظر النفط إلى أوروبا والدول الصناعية إلى ارتفاع الأسعار وما عرف بـ"الثورة النفطية" في 1978-1979، في مقارنة تاريخية تعكس فرادة المرحلة الحالية.


الإمارات والعراق: مسافة شاسعة بين الحصانة والهشاشة
ينبّه الحسني إلى ضرورة التمييز بين عمق التأثير على دول الخليج بحسب حجم إمكانياتها ودرجة تنويعها الاقتصادي ومرونتها. ويقدّم مقارنة لافتة بين الإمارات والعراق، رغم اعتماد الدولتين على مضيق هرمز: فالإمارات، بفضل احتياطي بنكها المركزي الذي يتجاوز تريليون دولار، والسيولة المصرفية، وحصافة السياسات وسرعة الاستجابة الحكومية، لم تشعر فعليًا بوجود أزمة، ولم تسجّل ارتفاعًا كبيرًا في الأسعار. في المقابل، يعاني العراق بسبب اعتماده الكبير على "البترودولار" وغياب التنويع الاقتصادي والصناعي، أزمة تتمثل في صعوبة دفع أجور القطاع العام، باعتبار أن الغالبية العظمى من العمالة فيه تتركّز في هذا القطاع دون وجود قاعدة صناعية موازية تستوعب اليد العاملة.

وظائف القطاع العام تحت الضغط
ويشير الحسني إلى أن البنك المركزي العراقي، الذي يصفه بـ"المؤسسة الرائعة"، يواكب السوق ويحافظ على استقرار نقدي جعل التضخم لا يتجاوز 1 بالمئة، مقارنة بمعدلات أعلى في دول كبرى. ومن البدائل المطروحة لتغطية الأجور، يذكر خصم حوالة الخزانة، عبر استدانة وزارة المالية من خلال الحوالة وخصمها بالتعاون بين البنك المركزي والبنوك، لكنه يصفها بأنها "حلول استثنائية وليست مرضية"، مخصّصة لدفع الرواتب فقط دون أن تشمل استثمارات ضخمة تخلق وظائف جديدة.

على المستوى العالمي، خفّض البنك الدولي توقعاته للنمو إلى نحو 2.5 بالمئة، بينما بلغ معدل التضخم العالمي 4 بالمئة. ويرى الحسني أن الأثر على الولايات المتحدة كان مزدوجًا: انتعاش صناعة الطاقة، خصوصًا النفط الصخري، بمعدلات إنتاج مرتفعة، في مقابل تضرّر القطاعات التي يدخل النفط في تكاليفها، بما يفرض، وفق تقديره، ضرورة قياس الأثر الصافي.

أوروبا وأفريقيا تحت رحمة فاتورة الطاقة
أما أوروبا، التي لا تستورد النفط الخليجي مباشرة وتعتمد على النرويج والولايات المتحدة، فقد تأثرت بشدة بصورة غير مباشرة جراء قفزة أسعار النفط إلى ما بين 120 و122 دولارًا، وارتفاع أسعار الغاز بشكل لافت. وتعرّضت أفريقيا، بحسب الحسني، لأضرار كبيرة، وهو ما دفع مجموعة السبع إلى فتح ملف الدول النامية، فيما يستدعي إعادة نظر شاملة في الشراكات والتحالفات ومسار العولمة.

فاتورة قابلة للتضخم: من 1.3 إلى 3.5 تريليون دولار
يؤكد الحسني أن الخسائر الحالية البالغة 1.3 تريليون دولار قد ترتفع بمقدار 2.2 تريليون دولار إضافية، لتصل إلى 3.5 تريليون دولار، في حال انهيار اتفاق وقف إطلاق النار، مستحضرًا المقولة الشهيرة بأن "الرابح في الحرب خاسر"، فمن يعتقد أنه ربح عسكريًا هو خاسر اقتصاديًا وإنسانيًا بلا شك.

طريق التعافي: بطيء ومكلف
يوضح الحسني أن استعادة سوق النفط عافيته تحتاج وقتًا، إذ تشير منظمة الطاقة العالمية إلى إمكانية الوصول إلى مستويات ما قبل الحرب في الربع الأول أو الثاني من العام المقبل، نتيجة ترتيبات فنية ولوجيستية في المضيق، إضافة إلى أضرار جيولوجية أصابت حقول النفط بسبب توقفها، من اختلالات في الضغط وتسربات مياه أثّرت على كفاءتها. ويلفت إلى تحرّكات جارية لإعادة رسم خريطة نقل النفط، عبر مساعٍ سعودية وإماراتية لتعزيز النقل بالأنابيب، ونية عراقية لنقل النفط بالناقلات الضخمة.

دروس الأزمة: التنويع خط الدفاع الأول عن الوظائف
يختم الحسني تحليله بالتأكيد على أن أهم الدروس المستفادة لدول المنطقة تتمثل في الإسراع والجدية في التنويع الاقتصادي، رغم وجود رؤى استراتيجية لدى دول الخليج تتضمنه، مع تفاوت في درجة الإنجاز الفعلي بين دولة وأخرى. ويضيف إلى ذلك ضرورة بناء الخزين الاستراتيجي، وإعادة النظر في التحالفات والشراكات الإقليمية والدولية، إلى جانب مواصلة الاهتمام بالابتكار والطاقة المتجددة والاقتصاد الأخضر، باعتبارها مجموعة متكاملة من السياسات التي تعزّز مناعة الاقتصادات وحصانتها أمام الاهتزازات المقبلة. ويشير في الوقت ذاته إلى أن إعادة بناء التحالفات الاقتصادية تتطلب إرادة سياسية وزمنًا، لافتًا إلى أن الأزمة الراهنة قد سرّعت من وتيرة حراك كان قائمًا أصلًا قبل اندلاعها، بما يصبّ في نهاية المطاف في خدمة استقرار اقتصادات دول المنطقة ووظائف مواطنيها.

أقرأ أيضاَ

البستاني: قرار سياسي بتطوير مرفأ بيروت وتحسن ملحوظ في أدائه

أقرأ أيضاَ

جابر: تطوير المعابر والمرافئ أولوية لإحياء التجارة مع الدول العربية