خطّ كركوك – طرابلس: هل نستغلّ الفرصة أم ندور حولها؟ -- Jul 27 , 2026 19
يعود خط أنابيب كركوك – طرابلس إلى الواجهة بوصفه أحد المسارات البديلة المُحتملة لتصدير النفط العراقي برّاً. تأتي هذه العودة على وقع الحرب وتسارع التحوّلات السياسية والاقتصادية وإعادة رسم خرائط الطاقة ومساراتها في المنطقة. ورغم محدودية هذا الخطّ لتصدير النفط العراقي، إلا أن تعامل حكومة لبنان معه يوحي بأن المسألة تقنية لا جيوسياسية. ويتعزّز هذا الانطباع، بتصريحات وزير الطاقة جو صدّي، التي خلطت بين مرفأ طرابلس التجاري، ومنشآت النفط.
لم يكن يوماً هذا الخط مجرّد أنبوب لنقل الخام. فمنذ إنشائه، شكّل جزءاً من معادلات الطاقة والجغرافيا السياسية في المشرق. وإحياؤه اليوم يأتي ضمن خطط الحكومة العراقية لزيادة اعتمادها على التصدير البري من 120 ألف برميل يومياً إلى 420 ألف برميل، أي نتيجة حاجة عراقية ملحّة بعد أزمة مضيق هرمز وصعوبة التصدير البحري. يمر عبر هذا المضيق نحو خمس تدفّقات النفط والغاز الطبيعي المُسال العالمية، وتعطّله أو ارتفاع مخاطر التصدير عبره يعرّض صادرات العراق، التي تعتمد أساساً على جنوبه، لضغط كبير.
وهذا ما أعاد البحث عن «رئة طوارئ» غربية تمر من كركوك عبر سوريا وصولاً إلى منشآت النفط في طرابلس.
في هذا السياق يُفترض أن يأتي مشروع إحياء خط كركوك - طرابلس، لكن ليس بالصيغة المتعلّقة بالحاجات العراقية فقط، بل بكل هذه التغيّرات التي تحصل في المنطقة ولبنان حيث انعدام الاستقرار هو الأساس.
حكومة لبنان وضعت هذا المشروع محورَ جدول أعمال الزيارة إلى العراق حيث سيناقش رئيس الحكومة نواف سلام على رأس وفد وزاري يضم وزراء المالية والطاقة والاتصالات إدخال لبنان في مشروعها لتوسيع التصدير البري وإعادة إحياء خط كركوك – بانياس. لكنّ الحكومة اللبنانية تنطلق من التفاهم الذي أُبرم أخيراً بين العراق وسوريا، أي إنها تبني علاقة غير واضحة مع سوريا والعراق وسط عواصف سياسية.
فما يتردّد في أروقة مجلس الوزراء، أن الاقتراح اللبناني قائم على إقناع العراق بإعادة صيانة خط الربط السابق بمدينة طرابلس، وإعادة تفعيل المصفاة هناك لتكرير النفط وتصديره عبر مرفئها، وهذا مشروع لا ينحصر فقط بالحل التقني الاستثماري بمقدار ما يحتاج إلى رؤية واضحة وعلاقات تُبنى على مصالح متبادلة بين الدول. وفي أي حال، لا يعني موافقة العراق على المشروع أن إعادة تشغيل الخط ستكون سريعة، علماً أن المصفاة يلزمها استثمارات ضخمة ووقت لتشغيلها. فالمشكلة لا تقتصر على صلاحية الأنابيب والمنشآت، بل تبدأ من تحديد دور لبنان في المنطقة. كيف يمكن إقناع أي أحد بجدوى المشروع ما دام وزير الطاقة يتلعثم في الحديث عنه.
فالخط، الذي بدأ العمل به في خمسينيات القرن الماضي، كان أحد منافذ نقل نفط كركوك إلى المتوسط، مروراً بالأراضي السورية. كما أن توقّفه لم يكن نتيجة تقادم تقني فحسب، بل ارتبط أساساً بالحروب والخلافات والتحوّلات السياسية الإقليمية. ولذلك، فإن عودته اليوم ليست استعادة لمشروع قديم بقدر ما هي استجابة لأزمة جديدة دفعت العراق إلى البحث عن بدائل لمسار هرمز. غير أن الحاجة العراقية لا تعني أن لبنان أمام «هدية» اقتصادية. ولبنان يملك نقطة الوصول إلى المتوسط ومنشآت أُنشئت أساساً لاستقبال النفط وتخزينه وشحنه، إلا أن هذه البنية متوقّفة منذ عقود وتحتاج إلى تقييم وتأهيل واستثمارات واتفاقات واضحة قبل تشغيلها. وفي المقابل، يحتاج العراق إلى ممر إضافي يحمي صادراته من مخاطر الاعتماد على الجنوب وحده.
وترى مذكّرة أعدّها معهد باسل فليحان المالي والاقتصادي في آذار الماضي، أن الخيار الأكثر واقعية لا يتمثّل في إعادة تشغيل مصفاة طرابلس القديمة، بل في استخدام المنشآت كمحطة لعبور الخام العراقي وتخزينه وتصديره. أي إن الفرصة المطروحة حالياً هي تحويل طرابلس إلى منصّة تصدير وخدمات لوجستية، لا إلى مركز لتكرير النفط وإنتاج المشتقات.
وتقدّر المذكّرة أن هذه المرحلة قد تدرّ على لبنان إيرادات سنوية إجمالية تراوح بين 80 و275 مليون دولار مقابل استيعاب 500 ألف برميل يومياً، وذلك بناءً على سيناريوات تتعلّق بكميات النفط المنقولة ورسوم العبور والمناولة والشحن. لكنّ الأرقام ليست أرباحاً صافية أو مضمونة، بل تقديرات تسبق تحديد كلفة التأهيل وشروط التمويل وحصة كل دولة من الرسوم.
وهنا تحديداً يظهر قصور المقاربة الرسمية. فما يصدر عن الحكومة حتى الآن يركّز على إعادة تشغيل الخط والتعاون التقني، من دون عرض تصوّر متكامل لما يريده لبنان من المشروع. لا توجد رؤية مُعلنة لوظيفة منشآت طرابلس، ولا توضيح للجهة التي ستديرها وتموّل إعادة تأهيلها، أو لكيفية تحديد الرسوم وإدارة الإيرادات، أو لما إذا كانت الدولة ستحتفظ بالتشغيل أم ستسلمه إلى مستثمرين وشركات خاصة.
كما أن المشروع ليس اتفاقاً ثنائياً بين لبنان والعراق. فالخط يمرّ في الأراضي السورية، ما يجعل دمشق شريكاً إلزامياً في أي تفاهم بشأن التشغيل والعبور والرسوم والحماية. وتدعو المذكّرة إلى إطار حكومي ثلاثي بين العراق وسوريا ولبنان، مع التزام عراقي بكميات محدّدة تضمن الجدوى المالية للمشروع.
لكن دخول ثلاثة أطراف في مشروع واحد يجعل شروط التفاوض أكثر أهمية. فالعراق يملك النفط ويحتاج إلى منفذ، وسوريا تملك الجزء الأكبر من مسار العبور، ولبنان يملك نقطة النهاية على البحر المتوسط. ولكل طرف مصلحة وورقة قوّة. أمّا لبنان، فيبدو حتى الآن كأنه ينتظر ما سيُعرض عليه بدلاً من أن يحدّد مُسبقاً ما الذي يطلبه في مقابل استخدام منشآته وموقعه.
وقد يفتح غياب الرؤية المجال أمام توظيف المشروع ضمن تفاهمات سياسية أوسع، حيث إنّ مشاريع الطاقة العابرة للحدود لا تُفصل عادة عن العلاقات بين الدول ومصالحها. وقد تظهر المقايضة في شروط التمويل والإدارة، أو في توزيع الإيرادات، أو في ربط المشروع بملفات سياسية واقتصادية أخرى.
ومن هنا، فإن السؤال لا يقتصر على إمكان إصلاح الخط، بل على الشروط التي سيُعاد تشغيله بموجبها. هل يستفيد لبنان من أزمة هرمز ليعيد وضع طرابلس على خريطة تصدير الطاقة، أم يتعامل مع المشروع باعتباره فرصة سريعة لجني الرسوم؟ ومن يتحمّل كلفة التأهيل والمخاطر؟ ومن يملك القرار في الإدارة والتشغيل؟ وهل ستكون الإيرادات في مقابل القيمة الحقيقية التي يقدّمها لبنان؟ وإذا كان العراق يعرف لماذا يريد فتح مسار غربي لصادراته، فإن السؤال الذي لا يزال بلا جواب هو: هل يعرف لبنان ماذا يريد من هذا المسار؟
اتفاق الفيول
يبحث الوفد اللبناني في بغداد اتفاق الفيول العراقي، الذي وُقّع عام 2021 بكمية مليون طن ثم مُدّد في عام 2022، ورُفعت الكمية في عام 2023 إلى 1.5 مليون طن. وفي نهاية 2024 مُدّدت مهلة تنفيذه لاستكمال الكميات المتبقّية، قبل أن توافق بغداد في آذار 2025 على استمرار الإمدادات ستة أشهر إضافية. ويُنتظر أن تتناول الزيارة الحالية تجديد الاتفاق وآلية استمراره، تفادياً لدخول لبنان في العتمة الشاملة.
زينب بزي - الاخبار