ترامب يلوّح بفرصة اقتصادية للبنان... هل تصل الرساميل الأميركية إلى بيروت؟

ترامب يلوّح بفرصة اقتصادية للبنان... هل تصل الرساميل الأميركية إلى بيروت؟ -- Jul 30 , 2026 192

حملت القمة اللبنانية – الأميركية في البيت الأبيض مؤشّرات اقتصاديّة لا تقل أهمية عن دلالاتها السياسيّة، إذ عكست اهتمامًا أميركيًّا بإعادة فتح الباب أمام الاستثمار في لبنان. وقد تجلّى ذلك، في التوجه إلى إعادة تشغيل خط الطيران المباشر بين بيروت وواشنطن، والتحضير لمؤتمر اقتصادي في الولايات المتحدة يجمع مسؤولين لبنانيين وشركات أميركية، في مسعى لاستكشاف فرص التعاون والاستثمار. غير أنّ هذه الإشارات، على أهميتها، لا تزال تندرج في إطار التوجّهات السياسيّة، فيما يبقى تحويلها إلى استثمارات فعليّة مرهونًا بقدرة لبنان على توفير بيئة استثماريّة مستقرة وجاذبة، وهو ما يتطلب إطلاق الإصلاحات الاقتصاديّة والماليّة والتشريعيّة، وترسيخ الاستقرارين السياسي والأمني.
 


الحضور الأميركي في لبنان: مساعدات أكثر من استثمارات
وعلى الرغم من العلاقات التاريخيّة بين البلدين، لا تزال الاستثمارات الأميركية المباشرة في لبنان محدودة، إذ اقتصرت خلال السنوات الماضية على قطاعات الخدمات، والتعليم، والعقارات، إضافة إلى نشاط شركات أميركية في مجالات التكنولوجيا والخدمات الرقميّة، وحضور علامات تجاريّة عالميّة في قطاع المطاعم والتجزئة ، فيما غاب الاستثمار الصناعي والإنتاجي الكبير. وفي المقابل، طغى على الحضور الأميركي في لبنان خلال العقود الماضية الطابع السياسي والأمني، لا سيّما عبر المساعدات العسكريّة والإنسانيّة والإنمائيّة والتعليميّة، ما يجعل الانتقال إلى شراكة اقتصاديّة واستثمار المباشر تحدّيًا مرتبطًا بالقدرة على توفير الشروط اللازمة لذلك وجذب الرساميل الأجنبيّة.

فكيف يمكن الانتقال من مستوى الاهتمام السياسي إلى مستوى الشراكة الاقتصاديّة الفعليّة؟ وأين تكمن فرص الاستثمار الأميركي في لبنان؟ وما القطاعات الأكثر قدرة على جذب الرساميل في حال تحسّنت البيئة الاقتصاديّة والاستثماريّة؟

الفرص المتاحة..الطاقة في الصدارة
قطاعات عدّة مرشحة لاستقطاب اهتمام المستثمر الأميركي، وفي مقدّمها قطاع النفط والغاز، الذي يُعد من أبرز الفرص الاستثماريّة الواعدة. فواشنطن تنظر إلى الطاقة باعتبارها قطاعًا استراتيجيًا في شرق المتوسط، ولا سيما بعد اتفاق ترسيم الحدود البحرية عام 2022، الذي فتح الباب أمام استكشاف الثروة الغازيّة في المياه الإقليمية اللبنانية. إلا أنّ الحروب والتوتّرات الأمنية عطّلت اندفاعة الشركات العالميّة وأرجأت مشاريع التنقيب. ومع تحسن المناخ الأمني والسياسي، يمكن للشركات الأميركية أن تدخل كشريك في عمليات الاستكشاف، وتطوير البنى التحتية المرتبطة بالطاقة.

ويبرز أيضًا قطاع التكنولوجيا والاقتصاد الرقمي كأحد أكثر المجالات القادرة على استقطاب الاستثمارات الأميركية، في ظل امتلاك لبنان كفاءات بشريّة عالية في البرمجيات والذكاء الاصطناعي والخدمات الرقمية، فضلاً عن إمكان دخول شركات أميركيّة متخصصة في الاتصالات والأقمار الاصطناعية، وفي مقدمها مشروع "ستارلينك"، إلى السوق اللبنانية متى استُكملت الأطر التنظيمية اللازمة.

لا تقتصر الفرص على قطاعي الطاقة والتكنولوجيا، بل تمتدّ إلى مشاريع الطاقة المتجدّدة التي تحظى باهتمام متزايد تحول بفعل التحوّل العالمي نحو مصادر الطاقة النظيفة البنية التحتية، والمرافئ، والخدمات اللوجستية، والسياحة، والتعليم، والصناعات الغذائية الموجهة للتصدير. كما يمكن لقرار استئناف الرحلات الجويّة المباشرة بين الولايات المتحدة ولبنان، للمرة الأولى منذ عام 1985، أن يشكّل حافزًا إضافيًا لتعزيز حركة رجال الأعمال والمستثمرين، وتنشيط السياحة، وتسهيل التواصل بين البلدين، بما ينعكس إيجابًا على فرص التعاون الاقتصادي والاستثماري.

العوائق كبيرة
ترجمة الانفتاح الأميركي إلى استثمارات فعلية لن تكون مسارًا سهلاً، في ظل جملة من العوائق البنيوية. فالمستثمر الأميركي لا يكتفي بالإشارات السياسية، بل يبني قراره على تقييمات دقيقة للمخاطر السياسية والأمنية والقضائية، ما يجعل الاستقرار الشرط الأول قبل ضخّ أي رساميل كبيرة. وإلى جانب العامل الأمني، يشكّل واقع القطاع المصرفي واستكمال إصلاحه أحد أبرز التحديات، فيما يبقى تحديث التشريعات الاقتصاديّة، وتعزيز حماية المستثمرين، وترسيخ استقلالية القضاء، وتبسيط الإجراءات الإداريّة، وتحسين الحوكمة، من الشروط الأساسيّة لتحويل المؤشّرات السياسيّة الإيجابيّة إلى شراكات اقتصاديّة واستثمارات أميركية مستدامة.

في المحصّلة، يمثّل الاستثمار الأميركي المحتمل في لبنان نافذة لإعادة فتح الاقتصاد اللبناني أمام الأسواق الدوليّة، وإنهاء حالة العزلة الاقتصادية غير المعلنة. لكن الفجوة بين الفرصة المتاحة والواقع اللبناني لا تزال واسعة، إذ أنّ المسار الإصلاحي لم يواكب حتى الآن الرسائل السياسيّة الإيجابية، فيما لا تزال قوانين أساسيّة، كقانون الفجوة المالية وإصلاح القطاع المصرفي، تراوح مكانها في اللجان، ما يطرح علامات استفهام حول قدرة لبنان على ترجمة الانفتاح الخارجي إلى تدفّقات استثماريّة حقيقيّة.
 

أقرأ أيضاَ

"اللقاء الزراعي" يهاجم وزير الطاقة: تجاهل لمعاناة البقاع والجنوب

أقرأ أيضاَ

جابر من المقاصد: الإصلاح خيار وطني والاقتصاد لا يحتمل التأجيل