الاحتياطي الفيدرالي يبقي الفائدة دون تغيير للمرة الخامسة.. والأسواق تسعّر "لغة وارش -- Jul 30 , 2026 53
أبقى بنك الاحتياطي الفيدرالي الأميركي أسعار الفائدة عند نفس مستوياتها من دون تغيير، اليوم الأربعاء، مواصلاً سياسة الترقب والانتظار للوقوف على تبعات الصراع الذي يشهده الشرق الأوسط على التضخم الأميركي.
صوّتت اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة، اليوم الأربعاء، لصالح الإبقاء على سعر الفائدة المرجعي عند نطاق 3.5% و3.75% من دون تغيير، للاجتماع الخامس على التوالي.
3 أعضاء يؤيدون رفع الفائدة
شهد التصويت على إبقاء الفائدة دون تغيير تأييد 9 أعضاء من اللجنة، في مقابل معارضة 3 أشخاص صوّتوا لصالح رفع أسعار الفائدة بمقدار ربع نقطة مئوية، وهم رئيسة بنك الاحتياطي الفيدرالي في دالاس، لوري لوغان، ورئيسة بنك الاحتياطي الفيدرالي في كليفلاند، بيث هاماك، ورئيس الاحتياطي الفيدرالي في مينيابوليس، نيل كاشكاري.
صياغة البيان
في بيانه الصادر اليوم، أبقى الاحتياطي الفيدرالي تقييمه للاقتصاد دون تغيير مُقارنةً ببيان يونيو، إذ كرر أن النشاط الاقتصادي "يتوسع بوتيرة قوية"، وأن نمو الإنتاجية والاستثمار الرأسمالي قويان. كما احتفظ بالتوصيف نفسه لسوق العمل، مشيراً إلى أن مكاسب الوظائف واكبت نمو القوى العاملة، فيما لم يشهد معدل البطالة تغيراً يُذكر.
لم يُدخل البنك المركزي أي تعديل على صياغته المتعلقة بالتضخم، الذي قال إنه "لا يزال مرتفعاً مقارنة بمستهدف اللجنة البالغ 2%، بما يعكس جزئياً صدمات العرض التي دفعت الأسعار للارتفاع في بعض القطاعات، بما فيها الطاقة". وكرر كذلك التزامه بتحقيق استقرار الأسعار.
ردود فعل الأسواق
بعد صدور قرار الفيدرالي، هبط مؤشر بلومبرغ الفوري للدولار لأدنى مستوى له منذ أسبوع، وصعد سعر الذهب الفوري بأكثر من 1%، وواصلت عوائد سندات الخزانة الأميركية التراجع، كما قلص مؤشر "ستاندرد آند بورز 500" خسائره إلى 0.3% و"ناسداك 100" إلى 0.2%.
نبرة وارش
خلال المؤتمر الصحفي عقب صدور قرار الفائدة، أكد كيفن وارش عزم الاحتياطي الفيدرالي على تحقيق هدف استقرار الأسعار، وشدد على أن البنك المركزي "لن يتهاون" في تحقيق هذا الهدف.
هدف التضخم
وقال: "بالنسبة إلى بعض الأسر والشركات والمتخصصين في الأسواق، خلّفت خمس سنوات من التضخم المرتفع انطباعاً خاطئاً، يصعب تبديده، بأن مستهدف التضخم الضمني للاحتياطي الفيدرالي كان، لسبب ما، أعلى من 2%".
وشدد: "دعوني أكرر، ليس هناك مستهدف مرن للتضخم، ولا مستهدف ضمني مرن، ولن يكون هناك أي منهما ما دامت هذه اللجنة قائمة.. هدفنا للتضخم هو 2%".
وعن تأثير الذكاء الاصطناعي على التضخم، أكد وارش أن الارتفاع الكبير في الإنفاق الرأسمالي على التكنولوجيا المتقدمة كان لافتاً، فالإنفاق الرأسمالي يمهد الطريق للنمو المستقبلي. ومع ذلك لفت إلى أنه "لا يزال من الصعب التنبؤ بالتوقيت الدقيق وحجم التأثيرات على جانب العرض".
معارضة القرار
وعن معارضة 3 أعضاء لقرار إبقاء الفائدة يوم الأربعاء، قال وارش: "كان هناك خلاف حول قرار اليوم، ولكن هذا لا يصف كل ما جاء في النقاشات بالكامل". مضيفاً أن المناقشات أظهرت "توافقاً في الآراء حول الاقتصاد وتأثير الصدمات وأدواتنا وقدراتنا والأثر على الأسعار والمخرجات، وكان هناك الكثير من القواسم المشتركة مع بعض الاختلافات الطفيفة".
رفع مرتقب للفائدة؟
فيما يخص قرار الفيدرالي اليوم، قال وارش "لا أصف قرار اليوم بـ"الإبقاء" على أسعار الفائدة، بل بـ"مراجعة للوضع الاقتصادي والاسئلة الهامة والصعبة، ونظرة إلى ما يجب أن نقوم به في الاحتياطي الفيدرالي للتعامل مع هذه المسائل في المستقبل". مضيفاً: "قرار إبقاء الفائدة هو بداية القصة، وليس نهايتها".
وعن احتمالات رفع الفائدة في الفترة المقبلة، قال وارش رداً على أسئلة الصحفيين: "إذا ظل التضخم مرتفعاً فقد تكون أسعار الفائدة جزءا من الحل".
وشدد وارش على أن الاحتياطي الفيدرالي يؤدي أداءً جيداً في جانب التوظيف الكامل من تفويضه، "لكن أداءنا أقل جودة بكثير في ما يتعلق بالأسعار".
الفيدرالي "لا يوجه" الأسواق
وفيما يخص أداء الأسواق خلال الفترة الماضية، أشار وارش إلى ارتياحه إلى أن الأسواق "تؤدي جزءاً من عمل صانعي السياسة النقدية"، إذ أدى تشديد الأوضاع في الأسواق قدراً كبيراً من العمل نيابة عن صانعي السياسة النقدية. وأضاف: "شعرت بالاطمئنان لأن الأسواق لم تكن تتفاعل مع تصريحاتنا، بل يبدو أنها تتفاعل، أكثر من أي وقت مضى، مع الأحداث الآنية".
وأكد: "نحن (أي الاحتياطي الفيدرالي) لا نلقّن الأسواق، ولا نعطي إشارات مستقبلية". وأضاف: "رسالة الأسواق هي رسالة الأسواق".
وأضاف أن الاحتياطي الفيدرالي لا يريد "التدخل" في إشارات الأسواق، بل يريد "أن نحاول بأنفسنا تقدير ما يعنيه ذلك بالنسبة إلى تفويضنا. كيف نؤدي في ما يتعلق بالتضخم؟ وكيف نؤدي في ما يتعلق بالتوظيف؟".
انقسام في قراءة الأسواق لرسائل الفيدرالي
أجمع محللون واستراتيجيون في الأسواق العالمية على أن قرار الاحتياطي الفيدرالي تثبيت أسعار الفائدة جاء متوافقاً مع التوقعات، لكنه ترك الباب مفتوحاً أمام تفسيرات متباينة بشأن مسار السياسة النقدية في الأشهر المقبلة.
يرى ديرك ستيفن، كبير استراتيجيي الاستثمار العالمي في "دويتشه بنك"، أن الإبقاء على الفائدة دون تغيير كان قراراً حكيماً في ظل التقلبات الموسمية التي تشهدها الأسواق خلال الصيف والتراجعات التي سجلتها الأسهم، معتبراً في مقابلة مع "الشرق بلومبرغ" أن الفيدرالي يفضل التريث ومراقبة التطورات الجيوسياسية قبل الإقدام على أي رفع جديد للفائدة، رغم ترجيحه أن تشهد السياسة النقدية تشديداً في مرحلة لاحقة.
في المقابل، يرى ستيف سوسنيك، كبير الاستراتيجيين في "إنتراكتيف بروكرز"، أن المستثمرين يختبرون مدى استعداد الفيدرالي لتحويل تحذيراته المتكررة بشأن التضخم إلى خطوات عملية، خاصة مع ارتفاع عوائد السندات والمخاوف من تأثير تكاليف التمويل على شركات التكنولوجيا. وأضاف أن تزايد عدد الأصوات المعارضة داخل لجنة السياسة النقدية قد يعكس انقساماً أكبر خلال الاجتماعات المقبلة، في ظل استمرار الجدل حول مدى التزام البنك المركزي بتحقيق هدفيه المتمثلين في استقرار الأسعار ودعم سوق العمل.
أما بارت ملك، العضو المنتدب ورئيس قسم السلع في "تي دي سيكيوريتيز"، فاعتبر أن الاجتماع لم يحمل قراراً فعلياً بشأن مسار الفائدة، بل عكس محاولة من الاحتياطي الفيدرالي لإظهار استعداده لمكافحة التضخم من دون التعجل في تشديد السياسة النقدية. وأشار إلى أن الذهب يواصل الاستفادة من حالة عدم اليقين المرتبطة بالتضخم وأسعار الطاقة، محذراً من أن استمرار صعود أسعار النفط قد يزيد الضغوط على الفيدرالي ويدفع الأسواق إلى إعادة تسعير توقعاتها بشأن أسعار الفائدة.
من جانبه، قال ستيفن إنغلاندر، الرئيس العالمي لأبحاث عملات مجموعة العشر في بنك ستاندرد تشارترد، إن الأسواق قرأت نتائج الاجتماع على أنها تميل إلى قدر من التساهل، معتبراً أن رئيس الاحتياطي الفيدرالي لم يُظهر توجهاً واضحاً نحو رفع أسعار الفائدة، كما أن طريقة عرض السياسة النقدية لم تنجح في طمأنة المستثمرين، وهو ما انعكس في ردود فعل الأسواق عقب القرار.
توقعات الأسواق
رغم أن خطوة الاحتياطي الفيدرالي اليوم جاءت موافقة للتوقعات بشكل كبير، إذ رجحت عقود المبادلة الإبقاء على أسعار الفائدة دون تغيير في اجتماع يوليو، إلا أن احتمالية زيادة تكلفة الاقتراض كانت قد ارتفعت إلى ما يقارب 35% بحلول بعد ظهر الثلاثاء، وسط مخاوف من تسارع التضخم مع عودة ارتفاع أسعار الطاقة في ظل استمرار تصعيد الصراع الذي يشهده الشرق الأوسط، فضلاً عن أثر إعادة بناء الرئيس الأميركي دونالد ترمب لجداره الجمركي على معظم الشركاء التجاريين للولايات المتحدة.
وقبيل صدور قرار الفائدة، وضعت أصوات بارزة في أنحاء وول ستريت ثقلها خلف رفع الفائدة، في ثاني اجتماع فقط يديره الرئيس الجديد كيفن وارش، إذ توقعت "سيتاديل سيكيوريتيز" (Citadel Securities) أن يرفع الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة هذا الأسبوع، في خطوة مفاجئة من شأنها تعزيز مصداقية رئيسه وارش في معركة مكافحة التضخم. ورغم توقع "بنك أوف أميركا" أن يُبقي الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة دون تغيير، إلا أنه لم يستبعد زيادة مفاجئة.
تراجع التضخم في يونيو
قرار الاحتياطي الفيدرالي اليوم جاء بعد أن كشفت البيانات الصادرة الشهر الحالي عن انخفاض التضخم في الولايات المتحدة خلال يونيو للمرة الأولى منذ ست سنوات، إذ تراجع مؤشر أسعار المستهلكين 0.4% مقارنةً بمايو، وارتفع 3.5% عن مستواه قبل عام، وفقاً لبيانات مكتب إحصاءات العمل. وباستثناء الغذاء والطاقة، استقر المؤشر دون تغيير عن مايو وارتفع 2.6% على أساس سنوي.
وتجدر الإشارة إلى أن التراجع المفاجئ للتضخم في يونيو منح مسؤولي السياسة النقدية لدى الاحتياطي الفيدرالي مجالاً لكسب مزيد من الوقت وإرجاء رفع أسعار الفائدة إلى ما بعد يوليو؛ إذ قد يرى وارش أن المسؤولين بحاجة إلى مزيد من الوقت لتقييم مسار التضخم.
التراجع النسبي للتضخم يعكس انخفاض أسعار الوقود في محطات التعبئة خلال يونيو، مع بدء انحسار أشد تداعيات صدمة الطاقة الناجمة عن حرب إيران خلال الشهر الماضي، إلا أن تجدد ارتفاع أسعار النفط وسط استئناف الأعمال العدائية بين الولايات المتحدة وإيران ينذر بإطالة أمد تداعيات الصراع على التضخم.
تباطؤ التوظيف وتراجع البطالة
على الجانب الآخر من مهمة الفيدرالي المزدوجة، كشفت البيانات عن تباطؤ التوظيف في الولايات المتحدة بشكل حاد خلال يونيو، رغم تراجع البطالة، إذ أظهرت بيانات مكتب إحصاءات العمل أن الوظائف غير الزراعية أضافت 57 ألف وظيفة فقط الشهر الماضي، مع تراجع البطالة إلى 4.2% وسط هبوط حاد في معدل المشاركة في سوق العمل، وهو ما يشير إلى أن سوق العمل الأميركية لا تزال تواجه تحديات رغم بعض مؤشرات القوة التي ظهرت في الأشهر الأخيرة.
التزم مسؤولو السياسة النقدية بالاحتياطي الفيدرالي موقف الترقب والانتظار خلال الاجتماعات الأربعة السابقة منذ خفض أسعار الفائدة في كل من الاجتماعات الثلاثة الأخيرة لعام 2025، غير أن توقعاتهم بشأن أسعار الفائدة شهدت تحولاً ملحوظاً في الفترة الممتدة من يناير إلى يونيو، وذلك مع استقرار سوق العمل نسبياً وتوقف الاتجاه الهبوطي للتضخم الأساسي.
المصدر:
الشرق بلومبرغ