الكويت تُعيد "تسليح" اقتصادها

الكويت تُعيد "تسليح" اقتصادها -- Aug 19 , 2026 16

منذ 28 شباط 2026، تخوض الكويت معركة مُتعدّدة الجبهات: أمنيّاً وعسكريّاً بتعزيز قدراتها الدفاعيّة في مواجهة الهجمات بالصواريخ والمُسيّرات الإيرانيّة، وسياسيّاً عبر التصدّي للعدوان في المحافل الدوليّة وتكثيف التنسيق خليجيّاً وعربيّاً ودوليّاً، واقتصاديّاً في جبهة لا تقلّ صعوبة، بعدما أُغلق مضيق هرمز المنفذ الوحيد لصادراتها النفطيّة.

أمام هذا الواقع، تحرّكت الكويت على 3 مسارات متوازية: البحث عن وسائل لإيصال نفطها إلى العالم، وتعزيز قدرتها الماليّة والاستثماريّة، وضبط الإنفاق في الداخل.


يتصدّر النفط، الذي يوفّر قرابة 90 في المئة من الإيرادات الحكوميّة، قائمة التحدّيات الكويتيّة، في ظلّ اعتماد الكويت الكامل على مضيق هرمز لتصدير إنتاجها. فعلى خلاف المملكة السعوديّة والإمارات اللتين تمتلكان خطوط أنابيب تتيح لهما تحويل جزء من صادراتهما بعيداً عن المضيق، لا تمتلك الكويت حتّى الآن طريقاً بديلاً، وهو ما اختصره وزير النفط طارق الرومي بقوله لوكالة “كيودو” اليابانيّة: “ما دام المضيق مُغلقاً، فإنّ الصادرات النفطيّة صفر”.

ترافقت أزمة التصدير مع اعتداءات إيرانيّة طالت المصافي والناقلات ومرافق إنتاج الخام ومنشآت القطاع، ودفعت إلى خفض مستويات الإنتاج والتكرير، في سنة قال الرئيس التنفيذيّ لمؤسّسة البترول الكويتيّة الشيخ نوّاف سعود الصباح إنّها انتهت بـ”أكبر صدمة واجهها القطاع النفطيّ منذ الغزو العراقيّ” عام 1990. ومع ذلك، حقّقت المؤسّسة وشركاتها التابعة أرباحاً صافية مُجمعة بلغت 2.155 مليار دينار في السنة الماليّة 2025 – 2026، على الرغم من انخفاض أسعار النفط وتداعيات الاعتداءات.

التّخزين والمسارات

لكنّ الصمود أمام الصدمة لا يحلّ المعضلة الاستراتيجيّة التي كشفتها الحرب: كيف يصل النفط الكويتيّ إلى الأسواق إذا طال إغلاق مضيق هرمز أو تكرّرت الأزمة مستقبلاً؟

يجري العمل على الإجابة في أكثر من اتّجاه. فمؤسّسة البترول تدرس تخزين النفط خارج المضيق بالقرب من قاعدة عملائها، وزيادة حجم أسطول الناقلات، فيما تبحث الكويت مع المملكة السعوديّة والإمارات خيارات لإنشاء مسارات بديلة للنفط الخام. ووفق ما هو مخطّط، تشمل الخيارات خطّاً عبر الأراضي السعوديّة وصولاً إلى البحر الأحمر أو سلطنة عُمان، أو ربط الكويت بميناء الفجيرة الإماراتيّ، إلى جانب مباحثات لتعزيز الاحتياطات الاستراتيجيّة في دول صديقة.


تحتاج هذه البدائل إلى وقت واستثمارات كبيرة، ولا توفّر حلّاً فوريّاً يُعيد الإنتاج والصادرات إلى مستويات ما قبل الحرب. فالمشروع الذي وصفه الرومي بأنّه “ضخم”، لا يزال في مرحلة البحث عن الخيار الأفضل والأكثر جدوى اقتصاديّاً، بينما أعلنها الشيخ نوّاف السعود صريحة أن “لا بديل” عن فتح هرمز من دون قيود، محذّراً من أنّ بناء خطوط الأنابيب وقدرات التخزين لن يمنع أزمة طاقة جديدة ما لم تُضمن حرّيّة تدفّق الهيدروكربونات والملاحة عبر المضيق.

التّمويل

بموازاة تحصين شريان النفط، تتحرّك الكويت على مسار ماليّ واستثماريّ يستهدف توسيع خيارات التمويل والوصول إلى أسواق المال العالميّة واستقطاب رؤوس الأموال، مستندة إلى ملاءة ماليّة وأصول سياديّة ضخمة.

جاء أحد أبرز اختبارات هذا المسار في إصدار السندات السياديّة الأخير، الذي استقطب طلبات اكتتاب بنحو 18 مليار دولار، مقابل 6 مليارات دولار جمعتها الكويت عبر ثلاث شرائح، فيما أدّى الإقبال إلى خفض تكلفة الاقتراض بنحو 25 نقطة أساس مقارنة بالتسعير الاسترشاديّ الأوّليّ.

بالتوازي، حمل مشروع “شاهين” نموذجاً آخر لاستقطاب السيولة ورأس المال العالميّ، من خلال اتّفاق بقيمة 16 مليار دولار بين شركة “نفط الكويت” وتحالف تقوده صناديق تديرها شركات “بلاكستون” و”بروكفيلد” و”KKR” لإدارة الأصول، ويوفّر سيولة وعوائد نقديّة مقدّماً بنحو 7.85 مليارات دولار.


يشمل المشروع، الذي وُصف رسميّاً بأنّه أكبر استثمار أجنبيّ مباشر في تاريخ الكويت، حقوق استخدام 13 خطّ أنابيب بطول 320 كيلومتراً، مع احتفاظ “نفط الكويت” بملكيّتها وحصّة 51 في المئة في الشركة المشتركة، بما يتيح استقطاب الاستثمار وتمويل البرامج الرأسماليّة مع بقاء الأصول والسيطرة التشغيليّة بيد الدولة.

يُعزّز هذا الاتّجاه افتتاح “بلاكستون” مكتباً في الكويت، فيما ترى وكالة “موديز” للتصنيف الائتمانيّ أنّ المصدّات الماليّة والسياديّة الضخمة تجعل أثر الضغوط الطارئة مؤقّتاً، مع تجاوز الأصول الحكوميّة واحتياطات النقد الأجنبيّ 500 في المئة من الناتج المحلّيّ.

ضغط الإنفاق

في الداخل، تسير المواجهة على خطّ ثالث عنوانه إحكام إدارة الماليّة العامّة، من خلال ضغط المصروفات وترشيد الإنفاق وتنمية الإيرادات ورفع كفاءة استخدام موارد الدولة. في هذا الإطار، شدّدت وزارة الماليّة على التزام سقوف الإنفاق المحدّدة، وربط الاعتمادات بالأولويّات الحكوميّة وخطط التنمية، وتقليص المصروفات التشغيليّة قدر الإمكان من دون التأثير على مستوى الخدمات، إلى جانب رفع كفاءة تحصيل الإيرادات والديون المستحقّة، وإعادة النظر في رسوم الخدمات وزيادة قيمتها بما يتناسب مع قيمتها.

يمتدّ ضبط الإنفاق إلى التخطيط لثلاث سنوات بدلاً من التعامل مع كلّ ميزانيّة بمعزل عن السنوات التالية، عبر إعداد تقديرات للسنتين 2028 – 2029 و2029 – 2030، بما يربط المصروفات الحاليّة بالاحتياجات والأولويّات المستقبليّة ويعزّز التخطيط الماليّ المتوسّط المدى.

يتقاطع ذلك مع إعداد خطّة التنمية 2027 – 2028، التي طُلب فيها من الجهات الحكوميّة تجاوز المشروعات التشغيليّة والأعمال الاعتياديّة نحو مشروعات ذات طابع تنمويّ ترتبط بالإصلاحات الاقتصاديّة والماليّة، وتساهم في تنويع مصادر الدخل والاستدامة الماليّة ورفع كفاءة الإنفاق وتحسين بيئة الأعمال والاستثمار وتعزيز مساهمة القطاع الخاصّ.

هكذا لم تضع الحربُ الكويتَ أمام معضلة نفطيّة فحسب، بل كشفت في الوقت نفسه نقاطاً تتطلّب معالجة أبعد مدى. وبين البحث عن منفذ جديد للخام، وتوسيع قنوات التمويل وجذب رأس المال العالميّ، وإعادة ترتيب الإنفاق والموارد في الداخل، تتحرّك الدولة على ثلاثة مسارات لمواجهة اختبار اقتصاديّ فرضته الحرب، لكنّ تداعياته وما يترتّب عليه من خيارات قد يمتدّان إلى ما بعدها.

نايف سالم - اساس ميديا

أقرأ أيضاَ

ناقلتان صينيتان تعودان أدراجهما دون عبور هرمز وسط مخاطر الملاحة

أقرأ أيضاَ

التضخم في بريطانيا يتسارع إلى 2.9%