الحرب الاقتصاديّة على إيران... وارتداداتها في لبنان

الحرب الاقتصاديّة على إيران... وارتداداتها في لبنان -- Aug 27 , 2026 10

منذ اللحظة الأولى، حرصت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب على وضع الحرب الاقتصاديّة على إيران في سياقٍ جديدٍ ومختلف، وبما يتجاوز العقوبات الماليّة التقليديّة. ما يجري، وفقاً لعبارات وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت، هو "عزلة ماليّة منسّقة"، تهدف إلى تحقيق "الاختناق المالي" للنظام الإيراني. وهذا "الطوق المالي" قد يغني بشدّته عن اللجوء إلى القوّة العسكريّة. وهذا التصعيد لن يقتصر على ملاحقة القطاعات المموّلة للنظام الإيراني، كالنفط والغاز والأصول الرقميّة والذهب والطيران المدني، بل سيمتّد إلى الشبكات التي تموّل حلفاء طهران على المستوى الإقليمي. ومجدداً، لم يترك بيسنت مجالاً للتأويل، حين حذّر المنطقة من "أي رابط متبقٍ مع إيران"، سواء كان هذا الرابط "مقصوداً أو متغاضى عنه".

على مستوى القرارات التنفيذيّة، كان هذا الاتجاه واضحاً. ففي اليوم نفسه الذي أعلن فيه بيسنت هذه الحرب الاقتصاديّة، كانت وزارة الخزانة توسّع أيضاً العقوبات التي تستهدف حزب الله، مع إعادة تصنيف الحزب كامتداد لفيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني. وبهذا المعنى، كانت إدارة ترامب تضع الحزب ونشاطه اللبناني في دائرة الاستهداف عينها التي تطال النظام الإيراني، وبالدرجة والشدّة نفسها. ومن جهته، كان الكونغرس يستكمل المسار نفسه على المستوى التشريعي، عبر مشروع قانون "العقوبات والاستقرار ودعم لبنان"، الذي ربط وبشكلٍ مباشر ما بين "تجفيف تمويل الحزب" واستمرار الدعم الأميركي للدولة اللبنانية، كما ربط العقوبات بإطار تشريعي يصعب التراجع عنه بقرار رئاسي لاحقاً.

بهذا الشكل، بات لبنان محكوماً، شاء أم أبى، بارتدادات الحرب الأميركيّة الاقتصاديّة على إيران، وباستكمال سياسة الضغوط القصوى، التي تنتهجها إدارة ترامب. وهذه الارتدادات ستظهر نتائجها تدريجاً، خصوصاً إذا ما شهد مشروع قانون "العقوبات والاستقرار ودعم لبنان" تقدماً ملحوظاً في الكونغرس.

مشروع القانون

للوقوف عند جديّة مشروع قانون "العقوبات والاستقرار ودعم لبنان"، يكفي النظر إلى هويّة موقّعيه. الإسم الأوّل هو جين شاهين. وشاهين ليست مجرّد عضو عادي في لجنة العلاقات الخارجيّة في مجلس الشيوخ، بل هي تمثّل العضو الديمقراطي الأعلى رتبة هناك (Ranking Member)، ما يعطي وجودها في اللجنة ثقلاً استثنائياً مقارنة بسائر الأعضاء. أمّا الإسم الثاني، فهو الجمهوري جيمس لانكفورد، ما يجعل المشروع "ثنائيّ الحزبيّة" (bipartisan). وهذه الرعاية الثنائيّة غالباً ما تكون مؤشّراً إلى أنّ المشروع لم يُصغ كموقف حزبي استعراضي من جانب واحد، بل كنص جرى التفاوض عليه بين الطرفين، ما يرفع احتمال المضي قدماً بمناقشته مقارنة بسائر المشاريع.

بعدما تمّ تقديم مشروع القانون في نهاية الأسبوع الأوّل من الشهر الحالي، جرت قراءته مرّتين، ثم إحالته إلى لجنة العلاقات الخارجيّة في مجلس الشيوخ. ومن المعلوم أنّ هذه اللجنة مرؤوسة حالياً من قبل الجمهوري جيم ريش، كما يشغل الجمهوريون 12 مقعداً فيها، من أصل 22. وهذا ما يعطي الحزب الجمهوري القدرة على التحكّم في جدول أعمال اللجنة، ومصير المشروع نفسه. وفي النتيجة، سيكون بإمكان الأعضاء الجمهوريين، إذا أرادوا، مواكبة سياسة الضغوط القصوى التي تمارسها إدارة ترامب، عبر الإسراع في مناقشة وإقرار مشروع القانون في اللجنة.

 

على مستوى المضمون، يعطي نص المشروع الرئيس الأميركي صلاحيّة فرض العقوبات على أي "شخص أجنبي" يثبت تورّطه في أربعة أنواع من الأنشطة: تقديم الدعم المالي "غير المشروع" لحزب الله، أو عرقلة تنفيذ قرارات حصر السلاح الصادرة تباعاً عن السلطات اللبنانيّة، أو دعم حزب الله بشكلٍ مباشر، أو عرقلة إصلاح القطاعين المصرفي والمالي في لبنان. واللافت هنا هو أن المشروع يربط العقوبات المتصلة بدعم حزب الله، بملف الإصلاح المصرفي، ما يؤشّر إلى أنّ المشرّعين الأميركيين يرون صلة ما بين تعثّر القطاع المصرفي وتسهيل تمويل حزب الله.

أمّا الجانب الآخر من المشروع، فيربط ما بين المساعدات الأميركيّة للبنان والتقدّم في معالجة مسألة سلاح الحزب. وبصورة أوضح، سيكون كل تمويل وازن لإعادة الإعمار والأمن مشروطاً بشهادات رسميّة من وزارة الخارجيّة الأميركيّة أمام الكونغرس، لإثبات وجود تقدّم ملموس في مسار حصر السلاح ونزعه والإصلاح المصرفي. كما يفرض المشروع تقديم سلسلة تقارير للكونغرس حول خطط لبنان لعودة اللاجئين السوريين، وجهود تسليم معدات اليونيفيل للجيش اللبناني بعد انتهاء ولايتها، وتطبيق قانون رفع السرية المصرفية الصادر في نيسان 2025، وإقرار قوانين إعادة هيكلة القطاع المصرفي وتوزيع الخسائر.

استكمال مسارات الضغط

بطبيعة الحال، لن يأتي هذا الضغط التشريعي -إذا تم المضي بالمشروع- من فراغ، بل سيستند إلى واقع رقابي دولي قائم أصلاً، يضع لبنان في خانة الدول العالية المخاطر. فلبنان ما زال مدرجاً على القائمة الرماديّة الخاضعة للرقابة المعزّزة لمجموعة العمل المالي. وهذا ما يضع السلطات اللبنانيّة أمام موجبات معيّنة، لإتمام الإصلاحات الماليّة والقانونيّة الكفيلة بتعزيز النظام المالي الرسمي، وتفكيك شبكات الاقتصاد النقدي (الذي تعتبره الإدارة الأميركيّة مسهلاً لشبكات تمويل حزب الله). وفي جميع الحالات، من المعلوم أنّ لبنان اتفق مع مجموعة العمل المالي على خطّة تنتهي في أواخر العام الحالي، على أن تُحدد بعدها إمكان خروج البلاد من اللائحة الرماديّة للمجموعة. وكانت المجموعة قد تناولت في تقاريرها مجموعة من الإشكاليّات المرتبطة بهذا الملف، بما في ذلك الرقابة على المؤسّسات غير الربحيّة، مثل القرض الحسن.

وعلى مستوى مسارات الضغط أيضاً، جاءت الأسبوع الماضي الحلقة الأحدث من القرارات التنفيذيّة الأميركيّة. إذ أعلن مكتب مراقبة الأصول الأجنبيّة التابع لوزارة الخزانة الأميركيّة فرض عقوبات جديدة على 10 أفراد، يشكلون -بحسب المكتب- جزءاً من شبكة مسؤولة عن تحويل الأموال لمصلحة الحزب. الجديد في ذلك القرار، كان الإشارة إلى حزب الله بوصفها جزءاً من شبكة النفوذ الإيراني في المنطقة، لا بوصفه جهة لبنانيّة تتلقى دعماً من إيران، وهو ما يضع الحزب في موقع المتأثّر بجميع أوجه الحرب الاقتصاديّة التي تخوضها إدارة ترامب في وجه إيران.

بهذا الشكل، وبالتوازي مع انتقال الولايات المتحدة إلى مستوى الضغط الاقتصادي الأشد على إيران، سيكون منتظراً أن تشتد الضغوط الموازية على الساحة اللبنانيّة. وقد تتخذ هذه الضغوط أشكالاً مختلفة: مثل تشديد الشروط المطلوبة قبل خروج لبنان من اللائحة الرماديّة، أو تصعيد الضغط على السلطات اللبنانيّة لمعالجة مسألة "القرض الحسن"، أو انخراط الإدارة الأميركيّة في جولات جديدة من العقوبات ضد حلفاء الحزب، وصولاً إلى تسريع وتيرة مناقشة وإقرار مشروع قانون العقوبات والاستقرار ودعم لبنان.

علي نور الدين - المدن

أقرأ أيضاَ

شراء وبيع حصص العقار رقميًا.. قطر توافق على مشروع قانون لتنظيم «ترميز العقارات»

أقرأ أيضاَ

"ميتا" تغيّر قواعد "فيسبوك" و"إنستغرام" ضمن تسوية قضائية تاريخية