موازنة 2027 تحاصر الشقق الشاغرة.. سنة أو ثلاث قبل دخولها الوعاء الضريبي -- Sep 18 , 2026 10
وسط مشروع موازنة يغلب عليه عقل المحاسب الباحث عن إيرادات إضافية بأي طريقة كانت، تكاد المادة 37 تشكّل أحد الاستثناءات القليلة التي تتجاوز الجباية إلى أثر إصلاحي أبعد منها. ليس لأن وزارة المال قصدت ذلك، بل لأنها، وهي تقلّب القوانين بحثاً عن موارد غير محصّلة، وصلت إلى واحد من أكثر الإعفاءات إثارة للجدل في النظام الضريبي العقاري: إمكان بقاء الوحدة السكنية شاغرة لسنوات من دون أن تنتج إيراداً خاضعاً لضريبة الأملاك المبنية.
إقفال هذه النافذة يوسّع الوعاء الضريبي، لكنه في الوقت نفسه يغيّر الحافز الاقتصادي أمام المالك، فإما أن يترك الشقة فارغة ويدفع بعد انتهاء المهلة، وإما أن يدفعها نحو سوق الإيجار أو البيع. وهكذا، يخرج من قلب المقاربة المحاسبية للموازنة إجراء يمكن أن يؤدي وظيفة تتصل بسياسة السكن، ولو لم تأتِ الموازنة أساساً باعتبارها سياسة سكنية.
والفكرة ليست جديدة. ففي مشروع موازنة 2017، كانت الحكومة قد طرحت تقييد حقّ الشغور بمهلة أقصاها 18 شهراً للأبنية الجديدة المنشأة من تجار الأبنية الخاضعين لضريبة الدخل، وستة أشهر لسائر المكلفين، على أن تستحق الضريبة بعد انقضاء المهلة حتى لو بقي البناء شاغراً. يومها أيضاً، قُدّم تشجيع المالكين على التأجير أو البيع ضمن مبرّرات الاقتراح. إلا أن هذه الصيغة لم تصبح القاعدة النافذة، وبقي حقّ الشغور قائماً من دون هذا السقف الزمني، وذلك بعد معارضة كبيرة من تجار الأبنية.
وعادت المحاولة في مشروع موازنة 2022. فقد اقترح النص اعتبار الأبنية الجديدة التي ينشئها تجار الأبنية شاغرة لمدّة أقصاها ثلاث سنوات، وسائر الأبنية الجديدة لمدة سنتين، وبعدها تكليفها على أساس 50% من الإيرادات الصافية المقدّرة إذا استمر الشغور. كما حُددت مدة الاحتفاظ بناطور في البناء الشاغر بالفترات نفسها. لكن هذه الأحكام كانت واردة في مشروع الموازنة، لكنها لم تبصر النور. وبقي النظام يعترف بأن الشغور إلى ما لا نهاية أمر لا يوجب فرض أي ضريبة.
والمشكلة في الشغور ليست أن الشقة فارغة بحد ذاتها، بل في أن ارتفاعه واستمراره يحوّلان جزءاً من المخزون السكني إلى أصول مجمّدة خارج السوق، فيقلّ العرض الفعلي للسكن، وتزداد الضغوط على الأسعار والقدرة على الاستئجار، فيما تخسر الخزينة في الوقت نفسه إيرادات ضريبية محتملة.
إلا أنّ مشروع موازنة 2027 يعيد المحاولة بصيغة جديدة. ففي القانون الحالي، يكاد النص يفسّر نفسه بنفسه: «تتوقف الضريبة بتوقف إيرادات الأبنية من جراء الشغور». لا مهلة سنة ولا ثلاث سنوات. أما المادة 37 من المشروع، فتفصل بين الأبنية السكنية وغير السكنية. فالأخيرة تبقى إيراداتها متوقفة من جراء الشغور، بينما يوضع سقف زمني للأبنية السكنية: ثلاث سنوات من تاريخ انتهاء البناء إذا كانت منشأة من قبل تجار الأبنية الخاضعين لضريبة الدخل، وسنة واحدة إذا كانت منشأة من غيرهم.
رغم هذا التمييز الذي يمنح التجّار أولوية على غيرهم، إلا أن بقاء الوحدة السكنية فارغة لن يكون كافياً بعد الآن لإبقائها خارج التكليف إلى أجل غير محدّد. فبانقضاء السنة أو السنوات الثلاث، بحسب الحالة، يستمر البناء شاغراً فعلياً لكنه يصبح منتجاً للإيرادات لغايات ضريبة الأملاك المبنية. إلا أن ذلك لا يعني فرض ضريبة بنسبة 50% على قيمة الشقة. ففي سنة التكليف اللاحقة لانتهاء المهلة، تُحتسب الإيرادات الخاضعة للتكليف على أساس 50% من الإيرادات العائدة إلى الفترة التي بقي فيها البناء شاغراً بعد انتهاء المهلة. وعندما ينتهي الشغور فعلياً ويصبح البناء مشغولاً، يجري التكليف على أساس كامل الإيرادات العائدة إلى الفترة اللاحقة.
ولا تُمنح الاستفادة من الشغور تلقائياً. فالمشروع يُلزم المالك أو المستثمر الذي يريد وقف الإيرادات بتقديم تصريح إلكتروني إلى الدائرة المالية المختصة عن شغور البناء. لكن التصريح لا يفتح مهلة جديدة، إذ تبقى السنة أو السنوات الثلاث محسوبة من تاريخ انتهاء البناء. وعند التأجير أو الإشغال من الغير أو من المالك أو المستثمر، يعتبر البناء مشغولاً ومنتجاً للإيرادات اعتباراً من أول الشهر التالي.
والتعديل لا يطاول الأبنية الجديدة فقط. فالمدة التي أمضتها الوحدة السكنية شاغرة قبل صدور القانون تُحتسب ضمن المهلة القصوى. أما الوحدات التي تكون قد استنفدت سنة الشغور أو السنوات الثلاث قبل بدء تطبيق الأحكام، فيمنحها المشروع فترة انتقالية مدتها ستة أشهر اعتباراً من الأول من كانون الثاني 2027، أي إنها تدخل عملياً في النظام الجديد اعتباراً من الأول من تموز.
الحكومة نفسها تشرح الأثر الذي تتوقعه من التعديل. ففي الأسباب الموجبة، تربط تحديد مدة الشغور بتشجيع مالكي العقارات على تأجيرها أو بيعها، بما يسهم في زيادة المعروض المتاح للسكن، كما تربطه بدفع أصحاب العقارات إلى التصريح عن انتهاء الشغور وتعزيز إيرادات الخزينة. أي إن النص يجمع صراحة بين هدفين: تحريك عقارات بقيت خارج الاستخدام، وإعادة جزء منها إلى الوعاء الضريبي.
وهنا تكمن أهمية المادة. فالمقاربة تبدأ من مكان مالي بحت. عقارات لا تنتج إيرادات ضريبية، وبالتالي يجب وضع حد زمني لبقائها خارج التكليف. لكن الأثر المحتمل يتجاوز المحاسبة. حين يصبح إبقاء الشقة مقفلة مكلفاً بعد سنة أو ثلاث سنوات، يتغيّر حساب المالك بين الاحتفاظ بها فارغة وبين عرضها للبيع أو الإيجار. وخصوصاً في سوق سكن تعرّض لضغط إضافي بفعل الحرب والنزوح، يمكن لهذا النوع من الإجراءات أن يؤثر في حجم المعروض، وإن لم يكن جزءاً من سياسة سكنية متكاملة.
لكن هذا الأثر يبقى مشروطاً بقدرة الإدارة على التنفيذ. فلكي يتحول السقف الجديد من نص ضريبي إلى أداة فعلية، يجب أن تستطيع وزارة المالية تحديد تاريخ انتهاء البناء، ومتابعة تصاريح الشغور، ورصد الوحدات التي تجاوزت المهلة، ومعرفة متى بدأ الإشغال، وملاحقة من لا يصرّح بانتهاء الشغور. وإلا تصبح النتيجة شبيهة بالكثير من مواد الموازنة: قاعدة إضافية على الورق، فيما تبقى الإيرادات المفترضة والعقارات المقفلة خارج متناول الإدارة.
زينب بزي - الاخبار