اتساع فجوة الدخل والضرائب: الفقراء يدفعون أكثر من الأثرياء

اتساع فجوة الدخل والضرائب: الفقراء يدفعون أكثر من الأثرياء -- Oct 22 , 2026 25

في لبنان، كلّما كنت أفقر، دفعت ضرائب أكثر، وكلّما ازداد ثراؤك، تراجع العبء الضريبي الذي تتحمّله. هذه الفجوة اتّسعت في سنوات ما بعد الانهيار المالي والنقدي، وتعزّزت بفعل استكمال السلطة السياسات نفسها لأنها تجد طريقاً سهلاً نحو مداخيل الأقلّ دخلاً عبر ضرائب الاستهلاك، فيما تبقى الثروات الكبيرة أقلّ خضوعاً للضريبة لأن أصحابها محظيون وشركاء لهذه السلطة.

فجوة الدخل والعبء الضريبي
هذا ليس اتهاماً عابراً بلا أدلّة، بل هو واقع تكشفه الأرقام والتقديرات الواردة في دراسة صدرت عن «مبادرة سياسات الغد». تشير هذه الدراسة إلى أن شريحة النصف الأفقر بين السكان الذين لا يستحوذون إلا على 11% من الدخل الوطني، تتحمّل 26% من مجموع الضرائب، بينما لا يدفع أغنى 1% من السكان سوى 7% من مجموع الضرائب رغم أنهم يستحوذون على خمس الدخل الوطني. هذه الأرقام تعود لعام 2026، إنما في عام 2019 كانت حدود هذه الفجوة أضيق، إذ كان النصف الأفقر من السكان الذين كانت حصّتهم من الدخل توازي 11% يتحمّلون نحو 20% من مجموع الإيرادات الضريبية، بينما كان أغنى 1% يستحوذون على نحو 21% من الدخل الوطني ولا يساهمون سوى بـ14% من مجموع الإيرادات الضريبية.

سبع سنوات من الانهيار المالي كانت كافية لتوسيع الاختلال. ادّعاءات السلطة بأنها ترغب في التصحيح، هي مزاعم واهية. ففيما ازدادت مساهمة الفقراء في العبء الضريبي، ازدادت حصّة الأثرياء من الدخل الوطني وتراجعت حصّتهم الضريبية. ما يعني أن سياسات السلطة صارت أكثر عدائية تجاه الفئات الأفقر في المجتمع، وهي تعمل على استعادة إيرادات الخزينة وتعزيزها من جيوب هذه الفئات تحديداً ولا تهتم بالنتائج التي تسهم في زيادة اللامساواة وتعميق الفوارق الاجتماعية والاقتصادية، فضلاً عن دفع جزء أساسي من المجتمع نحو قاع الفقر.

اعتمدت الدراسة الجديدة، التي أعدّها رئيس المركز سامي عطالله مع خالد سعد وسامي زغيب، ثلاث محطات زمنية لرصد التحوّلات في توزيع العبء الضريبي والإنفاق العام في لبنان: عام 2019، بوصفه آخر سنة موازنة كاملة قبل الانهيار المالي، وعام 2021، الذي شهد تفاقم الأزمة وانهيار قيمة العملة وتقلّص الموازنة بصورة حادّة، وعام 2026، الذي يمثّل مرحلة ما بعد الانهيار، في ظل استقرار نسبي لسعر الصرف. وتهدف هذه المقارنة إلى معرفة أثر الانهيار على توزيع الأعباء الضريبية بين الفئات الاجتماعية للتمييز بين استمرار الاختلالات السابقة وتفاقمها «لأنه لا يمكن التعامل مع الموازنة بوصفها مجرّد وثيقة حسابية تتضمّن الإيرادات والنفقات، بل هي عقد اجتماعي بين الدولة والمجتمع، يُفترض أن يؤدّي وظيفتين أساسيتين: إعادة توزيع الموارد من الأكثر قدرة على الدفع إلى الأقل قدرة، وتمويل التنمية والخدمات العامة. والسؤال الذي تطرحه النتائج هو ما إذا كانت الموازنة اللبنانية تؤدّي فعلاً هاتين الوظيفتين» يقول عطالله.

ما ظهر بوضوح، أن الأعباء الضريبية لم تكن موزّعة بصورة متناسبة مع الدخل. كانت شريحة السكان الأفقر تدفع 1.82 ضعف حصّتها من الدخل الوطني، فيما لم تكن مساهمة شريحة السكان الأغنى، تتجاوز نحو ثلثي حصتها المتناسبة مع الدخل. وبعد سبع سنوات، تفاقم هذا التفاوت. وأصبحت الحصة التي يتحمّلها النصف الأفقر من مجموع الضرائب توازي نحو 3.7 أضعاف مساهمة أغنى 1%، رغم أنّ الأخيرين يستحوذون على حصة من الدخل الوطني تفوق حصّة النصف الأفقر مجتمعاً. بمعنى آخر، أصبحت الفئات الفقيرة تتحمّل عبئاً ضريبياً يفوق وزنها الاقتصادي، في مقابل مساهمة تقلّ عن هذا الوزن لدى الفئات الأعلى دخلاً.

ولا يقتصر هذا الاختلال على ذلك، إذ تُظهِر الدراسة أنّ شريحة متوسطي الدخل التي تضم 40% من السكان، تساهم بنحو 41% من الإيرادات الضريبية عام 2026. ما يعني أن 90% من السكان الأدنى دخلاً يتحمّلون 67% من مجموع الضرائب، فيما لا تتجاوز مساهمة شريحة أعلى 10% دخلاً ما نسبته 33% من الضرائب. وهذه نتيجة تعكس اعتماد تمويل الدولة على القاعدة الأوسع من السكان، رغم التفاوت الكبير في توزيع الدخل والثروة. واللافت أنّ الأزمة المالية لم تدفع الدولة إلى تخفيف العبء عن الفئات الأكثر هشاشة، بل حصل العكس، إذ ارتفعت حصتها من الضرائب في الوقت الذي تراجعت فيه مساهمة الفئة الأكثر ثراءً.

نوعية الضرائب وتسلّط الريع
لماذا تتحمّل الفئات الأقل دخلاً هذا العبء؟ تكمن الإجابة، وفق الدراسة، في بنية النظام الضريبي اللبناني، القائم بدرجة كبيرة على الضرائب غير المباشرة، ولا سيما الضريبة على القيمة المُضافة والرسوم الجمركية والضرائب على الاستهلاك. فالدولة تجبي هذه الضرائب عند شراء السلع والخدمات أو استيرادها، من دون أن ترتبط بالضرورة بمستوى دخل المستهلك أو قدرته على الدفع. وبالتالي، وإن كانت الضريبة المفروضة على السلعة نفسها متساوية، فإنّ أثرها على مداخيل الأسر يختلف بصورة كبيرة. فصاحب الدخل المحدود الذي ينفق معظم دخله على الاستهلاك يتحمّل عبئاً ضريبياً أكبر نسبةً إلى مدخوله، بينما يستطيع صاحب الدخل المرتفع ادّخار جزء أكبر من دخله أو توجيهه نحو أصول واستثمارات لا تخضع للضرائب الاستهلاكية بالطريقة نفسها

وتتضح هذه المفارقة أكثر عند تفصيل أنواع الضرائب. ففي عام 2019، كانت الضرائب المحلية على السلع، بما فيها الضريبة على القيمة المُضافة والضرائب الانتقائية، تشكّل 38% من مجموع الإيرادات الضريبية. وبحسب تقديرات توزيع العبء الواردة في الدراسة، تحمّل النصف الأفقر 32% من الضرائب المحلية على السلع، مقابل 2% فقط لأغنى 1%.
ولا تتعلّق المشكلة بحجم الضرائب وحده، وإنما بطبيعة السلع التي تُفرض عليها أيضاً. فقد تبيّن بحسب الدراسة التي شملت مراجعة 41 سلعة أساسية، أن 29 منها مُعفاة من الضريبة على القيمة المُضافة، فيما لا تزال 12 سلعة خاضعة لها. لذا، تقول الدراسة إنه يمكن إعفاء السلع الأساسية المتبقية من الضريبة، مقابل فرض ضرائب على السلع الفاخرة والمجوهرات وغيرها من أشكال الاستهلاك المرتفع. والهدف هو إعادة توزيع العبء الضريبي بما يخفّف الكلفة عن أصحاب الدخل المحدود، وينقل جزءاً أكبر منها إلى الفئات الأعلى قدرة على الدفع.

في المقابل، تعتمد الضرائب على الأجور على مداخيل ظاهرة وقابلة للاقتطاع المباشر، فيما يبقى إخضاع الثروات الكبيرة والريوع ومداخيل رؤوس الأموال للضريبة أكثر تعقيداً، في ظل الإعفاءات والثغرات وضعف أدوات الرقابة والتحصيل.

وتلفت الدراسة إلى أنّ الدولة اختارت، تاريخياً، الاعتماد على ما يسهل الوصول إليه وتحصيله، في نظام ترتفع فيه احتمالات التهرّب الضريبي، بدلاً من بناء نظام أكثر تصاعدية يستند إلى القدرة الاقتصادية الفعلية للمكلّفين. المستهلك والأجير هدفان سهلان للتحصيل من أصحاب الثروات والأصول الكبيرة. أمّا فرض الضرائب على الثروة والريوع فـ«يواجه عوائق تتجاوز المسائل التقنية، وتتصل بالخيارات السياسية وبالإعفاءات والامتيازات الممنوحة لفئات اقتصادية محدّدة. ولذلك، فإنّ استمرار ضعف الضرائب على الثروة لا يمكن فصله عن الطريقة التي بُني بها النظام الضريبي نفسه» وفق عطالله.

تعافٍ على حساب الأقل دخلاً
ولم يدفع الانهيار المالي الدولة إلى إعادة النظر في هذا النهج. فبرغم تقلّص الموازنة وانهيار الإيرادات في السنوات الأولى للأزمة، عادت الدولة إلى استعادة جزء من إيراداتها عبر التضخّم وتعديل أسعار الصرف المُعتمدة ورفع الرسوم وإعادة تسعير الخدمات الحكومية. وفي الوقت نفسه، أدّى انهيار القطاع المصرفي إلى انكماش القاعدة الضريبية المرتبطة بفوائد الودائع، التي كانت تشكّل مصدراً مهماً للإيرادات قبل الأزمة. ونتيجة لذلك، ازداد الاعتماد النسبي على الضرائب المرتبطة بالاستهلاك والأجور، من دون إصلاح يعيد توزيع الأعباء نحو الفئات الأعلى دخلاً وثروة.

وهنا تحديداً توقّف عطالله عند الخطاب الرسمي الذي يتباهى باستعادة الإيرادات الضريبية وارتفاع نسبتها إلى الناتج المحلي الإجمالي، معتبراً أنّ هذه المؤشرات، على أهميتها، لا تكفي للحكم على وجود تعافٍ مالي حقيقي أو إصلاح ضريبي.

فالإيرادات ضرورية لعمل الدولة، لكنّ السؤال الذي يجري تجاهله هو مَن يدفعها، إذ يمكن للحكومة أن تزيد إيراداتها عبر الضرائب على الاستهلاك ورفع الرسوم، وأن تعرض ذلك بوصفه تحسّناً في المالية العامة، فيما تكون قد حمّلت الفئات الأقل دخلاً كلفة إضافية. وبالتالي، لا تكفي مقارنة حجم الإيرادات بما كانت عليه قبل الانهيار، ما لم تترافق مع مقارنة توزيع العبء الضريبي بين الفئات الاجتماعية. وبحسب عطالله، يُفترض أن يصبح هذا التوزيع أحد المؤشرات الأساسية التي تُقاس من خلالها جدّية أي إصلاح ضريبي، بدلاً من الاكتفاء بالأرقام الإجمالية للإيرادات والنفقات.
والأهم أنّ هذا النقاش لا يقتصر على السنوات التي تناولتها الدراسة، بل يمتدّ إلى مشروع موازنة 2027، إذ يتوقع عطالله أنّ الفئات الأضعف ستتحمّل ما بين 55% و64% من الزيادة المُقترحة في الإيرادات، وفق طريقة احتسابها وتوزيعها.

180 مليون دولار
هو حجم الإنفاق على الخدمات الصحية في موازنة 2026 مُقارنة مع 460 مليون دولار عام 2019

33 في المئة
هي نسبة الإنفاق من الخزينة على التعليم في عام 2026 مُقارنة مع 120 مليون دولار في عام 2019

100 مليون دولار
هو حجم الانخفاض في الإنفاق العام المُصنّف على الوظائف الاقتصادية من 120 مليون دولار في عام 2019 إلى 20 مليون دولار في عام 2026

زينب بزي - الاخبار

أقرأ أيضاَ

"الذهب الأخضر" في بعلبك الهرمل: مشروع إنقاذ أم فخّ للمزارعين؟

أقرأ أيضاَ

عين المالية على أموال المودعين