280 مليون دولار تعود للمؤسسة العامة عالقة في مصرف الإسكان -- Nov 05 , 2026 7
أكثر من 200 مليون دولار للدولة اللبنانية مودعة في مصرف الإسكان من دون وجه حق، إن لم نقل إن المصرف يحتجزها. تعود تلك الأموال إلى سنوات ما قبل انتقال ملكية المصرف بغالبية أسهمه إلى القطاع الخاص، وتحديداً إلى بعض المصارف وشركات التأمين.
أما اليوم، وبما أن الدولة لا تملك مصرف الإسكان، فلماذا يستمر هذا المصرف بقبول الإيداعات والكفالات المالية المشروطة من وزارة العمل؟ والسؤال الأدق لماذا لم تعدّل الحكومات المتعاقبة مرسوم الكفالات العمالية وإيداعات الشركات في مصرف الإسكان بعد تخلي الدولة عن معظم أسهمها فيه منذ سنوات؟
ملكية مصرف الإسكان
شهد مصرف الإسكان تغييرات في هيكلية ملكيته، فمنذ العام 1977. وحين تأسس كان شركة مختلطة تملك فيها الدولة الحصة الأكبر، وبالتالي تم اعتماده كوجهة لإيداع كفالات العمال الأجانب والشركات عند تأسيسها. واستمر الحال حتى العام 1993 حين خفّضت الدولة حصتها في سياق اقتصادي ومالي وسياسي رافق نهاية الحرب، فتوزّعت الحصص بين 20 في المئة فقط للدولة و80 في المئة حصة المصارف الخاصة وشركات التأمين، وبات مصرف الإسكان عملياً مصرفاً تجارياً خاصاً.
غير أن مصرف الإسكان استمر باستقبال أموال الكفالات المشروطة من قبل وزارة العمل على العمال والشركات، ولم تتطرق أي من الحكومات المتعاقبة إلى مسألة تصويب المسار القانوني لتلك الأموال، التي كان يجب أن تتّجه فور خروج الدولة من مصرف الإسكان وتقليص حصتها فيه إلى مؤسسة تابعة للدولة اللبنانية، والتي هي المؤسسة العامة للإسكان. وبحسب مصدر متابع يجب تصويب الملف من خلال قانون بهذا الشأن منعاً لأي اجتهادات لاحقة.
وهنا بيت القصيد، فثمة اقتراح قانون يقضي بتحويل وجهة أموال الكفالات من مصرف الإسكان إلى المؤسسة العامة للإسكان، أُحيل في العام 2020 إلى اللجان النيابية المختصة، ومنها لجان الشؤون الاجتماعية والصحة والإدارة والعدل والمال والموازنة، ولا يزال قيد المتابعة منذ ذلك الحين. فمن الذي يعرقل إقراره؟
اقتراح قانون لتصويب الأمور
وعن مسار الاقتراح الذي تقدّم به عدد من النواب بينهم النائب بلال عبدالله، فقد مرّ بلجنة الصحة العامة والعمل والشؤون الاجتماعية، لكنه عالق في لجان نيابية أخرى، وتحديداً في لجنة الإدارة والعدل ولجنة المال والموازنة. ويقول عبدالله إن الاقتراح تمت مناقشته أكثر من مرة لكن ّ ثمة تباطؤاً في البت به "على الرغم من أنه ملف ملح جداً".
واعتبر في حديث لـِ "المدن" أن هذه الأموال تشكّل مورداً مالياً مهماً، داعياً إلى تصحيح الوضع القائم سريعاً بما يتيح معالجة الملف وفق الأطر القانونية المناسبة.
تقديرات المبالغ وعمولات مخالفة
تتراوح المبالغ المتراكمة في مصرف الإسكان من كفالات العمال الأجانب والشركات بين 200 و280 مليون دولار، والقيمة الإجمالية مرشحة للارتفاع أكثر فيما لو تم احتساب الفوائد المتراكمة.
فالعمولات المفروضة على مكاتب الاستخدام تبلغ 5 في المئة إذا كان المبلغ المودَع بالليرة، و7% إذا كان بالدولار "الفريش"، أما المبلغ المفروض على هذه الفئة فيبلغ 500 مليون ليرة أي نحو 5600 دولار، وبالتالي يساوي الرسم نحو 25 مليون ليرة أو نحو 392 دولاراً.
أما كفالات العاملات الأجنبيات فتبلغ نحو 50 مليون ليرة حالياً، فيما كانت 1000 دولار قبل الأزمة قس اعام 2019. تلك المبالغ يصعب تحديد قيمتها بشكل دقيق حالياً مع احتمال اختلافها تبعاً للمبالغ المودعة والفوائد المتراكمة عليها، لكن ما يمكن حسمه وتأكيده هو أن عدد العمال والعاملات الأجانب يتجاوز 250 ألف عامل وعاملة، بحسب منظمة العمل الدولية، وأن تلك الملايين من دولارات الكفالات يتم استثمارها حالياً من قبل المصارف التجارية في حين تعود الأموال إلى الدولة اللبنانية.
لم يعد السؤال الأساسي هو أين تُودع تلك الأموال. فالأمر بات واضحاً أنها في غير مكانها المفترض، لكن السؤال هو كيف تُدار؟ ولماذا لا يتم تحويلها إلى المؤسسة العامة للإسكان المخصّصة لإقراض ذوي المداخيل المتدنية للاستفادة منها في دعم ملف الإسكان؟
يؤكد مصدر مسؤول أن مصرف الإسكان يستثمر أموال الكفالات في عمليات الإقراض السكني ولإقراض بعض المصارف التجارية. وهذه مخالفة صريحة لإدارة الأموال.
والأخطر أن مصرف الإسكان، بحسب المصدر، يفرض على العمال الأجانب رسوماً من دون أي مسوغ قانوني، تبلغ 6 ملايين ليرة، كعمولة غير مبرّرة. ويؤكد المصدر أن تلك العمولات غير قانونية، ولا يحق للمصرف أن يتقاضاها من العمال والشركات والمكاتب. كما أن مصرف الإسكان يفرض أيضاً رسماً عند استرجاع مبلغ الكفالة، وهو رسم غير قانوني أيضاً.
وقد أكد النائب عبدالله مسألة الرسوم التي تُفرض على بعض المعاملات المرتبطة باستقدام العاملات الأجنبيات، معتبراً أن هناك حاجة إلى التدقيق في الأساس القانوني لهذه الرسوم والعمولات، مشيراً إلى أنها مخالفة، ولا بد من التدقيق بكل أعمال وتعاملات مصرف الإسكان.
مصير الأموال
في المحصلة، لا بد من استعادة بعض الأحداث السابقة التي لا بد للبنانيين من التنبّه إليها، أولها أن مصرف الإسكان يقدّم قروضاً سكنية ممولة من قرض عربي كان مخصّصاً قبل الأزمة للمؤسسة العامة للإسكان، ويقوم اليوم باستثمار أكثر من 200 مليون دولار من أموال يجب أن تكون في صندوق المؤسسة العامة للإسكان أيضاً، في وقت يترقّب فيه اللبنانيون بفارغ الصبر إقرار موازنة العام 2027 التي قد تخصّص مبلغاً زهيداً للمؤسسة للإقراض السكني. فهل تتم معالجة مسألة أموال الكفالات وتصحيح الوضع القائم في ملف الإسكان؟
عزة الحاج حسن - المدن