مصرف لبنان يعمل على توثيق ديون الدولة: 40 إلى 50 مليار دولار؟ -- Feb 06 , 2026 14
بين "الأسبوع المقبل" الذي حدّده وزير المالية ياسين جابر لانطلاق النقاش النيابي، وبين جملة وزير الاقتصاد عامر البساط بأن مشروع القانون "ليس منزلًا" ويمكن تعديله، يدخل "قانون الفجوة المالية" مرحلة مختلفة.
لم يعد مشروع القانون مجرد نص أُقرّ في الحكومة وأُحيل إلى المجلس ينتظر إقراره، بل صار "ساحة مواجهة" بين ثلاث روايات متنافسة: رواية السلطة التي تريد خارطة طريق لردّ الودائع، ورواية مصرفية تعتبر أن المشكلة ليست "فجوة" بقدر ما هي "أزمة سيولة" و "فلسفة اتهامية"، ورواية غربية (فرنسية تحديدًا) تسعى إلى تمرير القانون خطوة خطوة، مع تعديلات تضمن "قابلية الدفع" وتمنع الانفجار مستقبلًا.
عمليًا، توقيت النقاش لم يعد تفصيلًا في هذه اللعبة. وزير المالية قال إن مناقشة القانون في البرلمان ستكون الأسبوع المقبل، مقدّمًا المشروع بوصفه خارطة طريق بمواعيد محددة لردّ أموال المودعين، مع الإشارة إلى رقم 782 ألف حساب يُفترض أن تُردّ بالكامل خلال 4 سنوات. وبالتوازي، ينتظر لبنان جولة جديدة لبعثة صندوق النقد في الأيام المقبلة، ما يجعل هذا الاستحقاق البرلماني نقطة تلاقٍ بين ضغط داخلي لفتح الملف، وضغط خارجي لربطه بشروط برنامج الصندوق.
هنا تحديدًا جاء تصريح وزير الاقتصاد عامر البساط، كإشارة سياسية واقتصادية مزدوجة: الحكومة لا تتعامل مع النص كأنه نهائي، وهي منفتحة على إدخال تعديلات خلال النقاش النيابي. هذا الانفتاح ليس مجاملة شكلية، وإنما اعتراف ضمني بأن القانون بصيغته الحالية، سيواجه اعتراضات تقنية وسياسية، وأن تمريره كما هو، قد يكون أصعب من تمريره مع "هوامش تعديل" تُستخدم لامتصاص قلق الكتل النيابية والقطاع المصرفي، وربما الشركاء الدوليين.
الشق الفرنسي هو الأكثر حساسية في هذا المشهد. في العلن، تبدو باريس داعمة لمسار الإصلاح ولعملية ربطه بالتفاوض مع صندوق النقد الدولي. لكن في العمق، تتحرك فرنسا بمنطق إدارة المخاطر: تمرير القانون خطوة خطوة، وضمان ألّا يتحول إلى قنبلة موقوتة بعد الإقرار.
بحسب المعلومات، فإن باريس تعتبر أن النص يحتاج إلى تعديلات تقنية، وأن مجلس النواب يجب أن يوجّه أسئلة مباشرة إلى حاكمية مصرف لبنان والحكومة حول الأرقام والمنهجيات، حتى لا يُقرّ القانون ثم تظهر فجوة بين ما هو مكتوب وما يمكن تطبيقه فعلًا، فتتراجع قدرة المصارف ومصرف لبنان على الاستمرار في الدفع.
في موازاة ذلك، ثمة معلومات تفيد بممارسة باريس ضغوطًا واضحة لتسريع الإقرار، وعن مقاربة تقوم على قاعدة "التدرج": تمرير ما يمكن تمريره الآن، ثم البناء عليه لاحقًا، لأن تمرير الحزمة دفعة واحدة يبدو بالغ الصعوبة في ميزان القوى الحالي. وضمن هذا السياق، تُقرأ الاتصالات الفرنسية مع قوى سياسية لبنانية كجزء من محاولة تليين المواقف أكثر مما هي محاولة فرض صيغة نهائية مقفلة.
في معلومات "نداء الوطن"، التقى حاكم مصرف لبنان كريم سعيد في باريس الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، وعرض خلال الزيارة مقاربته للقانون، طالبًا دعمًا فرنسيًا باتجاه تخفيف شروط صندوق النقد، أو على الأقل إعادة صياغة المقاربة التفاوضية بطريقة أكثر مرونة مع الواقع اللبناني. كما يتردد أنّ هناك مسعى لتغيير الفريق التفاوضي المعني بلبنان داخل الصندوق، أو الدفع نحو فريق جديد بنَفَس مختلف.
لكن الأهم ليس شكل الزيارة بذاته، بل ما يُحضَّر بعدها. وفق المعلومات، فإن الحاكم يعمل على ملف موثق يتصل بحجم ديون الدولة لصالح مصرف لبنان، وبأرقام أكبر بكثير من المتداول رسميًا (16 مليار دولار) قد تصل لما بين 40 و 50 مليار دولار. الهدف من الكشف عن هذه الأرقام والوثائق هو إعادة تعريف أصل المشكلة. ليس إفلاسًا كاملًا لمصرف لبنان كما يُصوَّر أحيانًا، بل أزمة سيولة حادة مرتبطة أساسًا بتراكم دين الدولة وعدم انتظام آليات السداد.
من هنا تتضح عقدة "قانون الفجوة"، إذ ترى المصادر المصرفية، أن المشكلة ليست في الأرقام فحسب، بل في الفلسفة واللغة. فالقانون، ينطلق من مفردات "الخسارة" و "توزيع الخسائر" و"الغرامات"... أي بطريقة توحي بأن القطاع المصرفي هو المتهم الأول، وأن المطلوب عمليً ليس إعادة تأهيله بل تفكيكه تدريجيًا. لذلك تعترض هذه الجهات على المنهجية من أساسها، وتقول إن الأزمة في جوهرها أزمة سيولة وإدارة دين سيادي، لا أزمة "فجوة" تُحل عبر توزيع "عقوبات" مالية مقنّعة.
هذا الاشتباك في التوصيف ليس مسألة نظرية، لأنه إذا انتصر، سوف تُبنى السياسات على قاعدة تحميل الكلفة وتوزيع الخسائر. بينما إذا انتصر توصيف "شحّ السيولة"، فإنّ الأولوية ستتحول بشكل تلقائي إلى منطق إعادة جدولة دين الدولة، وتنظيم تدفق الأموال، وإعادة الثقة تدريجيًا بالنظام المصرفي... وبين التوصيفين فرق شاسع: من يدفع، متى يدفع، وكيف يدفع؟
لذلك، الأسبوع المقبل لا يبدو مجرد موعد نقاش عادي داخل لجنة أو هيئة عامة، بل اختبار اتجاه: هل يذهب المجلس إلى مقاربة سياسية سريعة هدفها تسجيل إنجاز تشريعي أمام الخارج؟ أم يفتح نقاشًا تقنيًا صارمًا حول كل رقم وكل فرضية تمويل وكل آلية سداد؟ وهل ستُطرح أسئلة حاسمة على مصرف لبنان والحكومة والمصارف معًا قبل أيّ إقرار نهائي؟
المشهد حتى الآن يوحي بأن لا أحد يملك ترف الحسم الكامل. الحكومة تريد القانون، لكنها موافقة على تعديله. الفرنسيون يطمحون إلى التمرير، لكنهم يخشون سوء التطبيق. المصارف ترفض فلسفة النص، لكنها تعرف أن تجاهل المسار التشريعي لم يعد ممكنًا. وحاكم مصرف لبنان يتحرك لإعادة رسم صورة الأزمة من الجذور عبر ملف الدين السيادي والسيولة... ولهذا كله، يمكن القول إن النقاش المقبل لن يكون فقط حول مواد قانونية، بل حول الرواية التي ستنتصر: رواية "خسائر تُوزَع"؟ أم رواية "سيولة تُدار ودين دولة يُعترف به أولًا؟".
على أساس هذه الرواية، سوف يتحدد الأسبوع المقبل مصير القانون. بل سيتحدّد شكل النظام المصرفي للسنوات المقبلة.
عماد الشدياق - نداء الوطن