قانون الفجوة المالية: تأخير مالي أم سياسي؟ -- Feb 09 , 2026 24
بعد 6 سنوات من المماطلة والشلل والجمود المتعمّد، لا يزال قانون الفجوة المالية وتوزيع الخسائر والمسؤوليات عالقاً في الهواء، على رغم من مسوّدات عديدة وخطابات شعبوية ووعود وهمية. فهل وصل هذا المشروع إلى خواتيمه؟ أم أنّ تأخيره يرتبط بأهداف سياسية وانتخابية أكثر من مالية ونقدية واقتصادية؟
إنّ الإجتماع الأخير الذي عُقِدَ بين الوفد اللبناني وصندوق النقد الدولي، في العاصمة الأميركية واشنطن، في اجتماعات الخريف، كان عنوانه وملخّصه النهائي، لا مفاوضات، لا دعم ولا بلدان مانحة لدعم لبنان قبل إقرار قانون الفجوة المالية. فعاد الوفد اللبناني إلى بيروت، محمّلاً هذه الرسالة الواضحة والشفّافة، حيث تمت المسارعة إلى إقرار هذا المشروع في مجلس الوزراء، ومن ثم تحويله إلى السلطة التشريعية، لإعادة النظر والتصويت عليه.
لا شك في أنّه ستكون هناك إعادة نظر بعد التغيُّرات السطحية، لكنّ النقاط الرئيسية لهذا المشروع الشائك والمعقّد باتت واضحة للجميع، لا بل إنّنا نقرأ بين السطور أنّ هناك شبه توافق وتفاهم عليه بين كل القوى السياسية النافذة.
نقطة الإنطلاق كانت بأنّ الخسائر التي أُحصِيَت بنحو 84 مليار دولار، استطاع مصرف لبنان المركزي خفضها إلى نحو 50 مليار دولار، وذلك بعد حذف الفوائد، وشطب التحويلات غير المشروعة، كذلك شطب التحويلات إلى الليرة بعد تشرين الأول 2019. هذه الفجوة مقسومة إلى شقَّين: 20 ملياراً للودائع من دون الـ 100 ألف دولار، ستُسدّد خلال فترة 4 سنوات مبدئياً، و30 ملياراً تعود لكبار المودعين لما فوق الـ100 ألف دولار، وسيحصلون على سندات خزينة لفترة 15-20 عاماً.
إنّ هذا المشروع المقترح لا يذكر ولا يحمّل أي مسؤولية أو مساهمة للدولة اللبنانية، علماً أنّها المسؤولة الأكبر التي صرفت وهدرت هذه الأموال في السنوات والعقود الماضية. لكن يبقى السؤال الجوهري: مَن الذي سيتحمّل المسؤولية الكبرى؟ ومَن سيبتّ نهائياً في هذا المشروع، فيما كرة النار تُرشق من منصّة إلى أخرى أو بالأحرى القنبلة الموقوتة التي يُمكن أن تنفجر في أي وقت ممكن؟
أصبح واضحاً أنّ التأخير اليوم في هذا القانون لن يبقى مرتبطاً لأسباب مالية، نقدية واقتصادية أو حتى تمويلية، لكنّ تأخيره يرتبط مباشرة بموعد الإنتخابات النيابية، أو بالأحرى بأي مجلس نيابي سيتخذ القرار النهائي في هذا الموضوع الكارثي والخطر.
بمعنى آخر، إذا كان مجلس النواب الحالي سيبتّ في هذه «الفجوة» سيُقايَض أولاً بتأخير الإنتخابات كأولوية قصوى، أو ستُرشق كرة النار هذه إلى مجلس نواب جديد ليأخذ على عاتقه هذه القنبلة الخطرة.
إنّ الإحتمال الأكبر هو أنّنا مُقبلون على تأجيل الإنتخابات لأسباب مبطّنة مثل التأجيل التقني، وعندما ندقّق في الأسباب التقنية، نقرأ بوضوح مسائل معلّقة مثل «الميغاسنتر»، و«انتخاب المغتربين» وبعض التعديلات في القانون، والكل يُدرك تماماً أنّ هذه الأسباب لا تحتاج إلى أسابيع وأشهر بل سنوات للإتفاق عليها.
في المحصّلة، أصبح واضحاً للجميع أنّ هناك شبه اتفاق على مشروع الفجوة المالية، لكنّ تأخيره يرتبط مباشرة بأسباب إنتخابية وسياسية بعيداً من الأسباب الإقتصادية والنقدية والمالية، فلا نزال نعتمد سياسة التأجيل والشلل والجمود. علماً أنّ هدر وضياع هذا الوقت يُخسّر أكثر فأكثر هذا المودع لما تبقّى من ودائعه، جرّاء التضخُّم المفرط وانهيار العملات. أمّا السياسيّون، فيكسبون هذا الوقت ويتّكلون على النسيان والذاكرة القصيرة للناخبين، ويبنون القرارات المصيرية للبلاد، على أهداف انتخابية وشعبوية، ويتبارون على المنصّات بالوعود الوهمية والخيالية عينها.
د.فؤاد زمكحل- الجمهورية