لماذا يحرس ترامب صادرات النفط الإيرانية؟ -- Mar 18 , 2026 30
يمكن اعتبار مقتل علي لاريجاني الحدث الأول البارز في الحرب منذ أكثر من أسبوع، أي منذ أن أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب بشكل مفاجئ أنّ “الحرب اكتملت إلى حدّ بعيد”، وأنّه “لم يعد هناك ما نضربه”. منذ ذلك الحين، كان الميدان في حالٍ من المراوحة لا تسمح بإنهاء الحرب بمعادلة تحقق انتصاراً واضحاً لأميركا وإسرائيل.
مقتل لاريجاني بحد ذاته ليس كافياً لكسر المعادلة القائمة حالياً، والتي تبدو غير مريحة للأميركيين. من سخرية التاريخ أنّ ترامب نفسه، ولا أحد سواه، تحوّل إلى حارسٍ لصادرات النفط الإيرانية التي تتدفق بكميات أكبر وأسعارٍ أعلى من جزيرة “خارك” وسواها، فيما تمنع إيران جيرانها من تصدير نفطهم وغازهم عبر مضيق هرمز. هو نفسه ترامب الذي تعهد في ولايته الأولى بتصفير صادرات النفط الإيرانية عبر تشديد العقوبات، وقد اقترب من تحقيق هذا الهدف في الأشهر الأولى من عام 2019.
أعلن ترامب قبل أيام ضرب المواقع العسكرية في جزيرة “خارك” التي يخرج منها أكثر من 90% من صادرات النفط الإيرانية، لكن المنشآت النفطية لم تُمس، بل أظهرت صور الأقمار الاصطناعية استمرار تحميل النفط من الجزيرة كالمعتاد. وكانت البيانات أصلاً تشير إلى أنّ إيران استمرت بتحميل النفط من الجزيرة بمعدل 2.1 مليون برميل يومياً، أي أكثر بكثير من الأشهر السابقة للحرب، حيث كان التصدير يتراوح بين 1.5 و1.9 مليون برميل يومياً. ومع إغلاق مضيق هرمز، ظلت الناقلات المحمّلة بالنفط الإيراني وحدها تعبره، بما يدرّ على إيران نحو 140 مليون دولار يومياً في المتوسط، وهو رقم يزيد بكثير على إيرادات إيران النفطية قبل الحرب.
قال ترامب مؤخراً إنّ بإمكانه ضرب المنشآت النفطية وإنهاء التصدير الإيراني خلال دقائق، وهذا مفروغ منه في الميزان العسكري، لكن هناك ما يمنع من ذلك، وهو القلق من ارتفاع أسعار النفط والمحروقات في الداخل الأميركي، وتلك مادة سياسية مشتعلة قبل أشهر من انتخابات التجديد النصفي للكونغرس في نوفمبر المقبل.
هرمز رمز الحرب
في المقابل، أصبح إغلاق مضيق هرمز معطى واقعياً على الأرض، فيما تقف الولايات المتحدة عاجزة عن فتحه بعد 18 يوماً على انطلاق الحرب، ويخرج ترامب ليقول على الملأ إنه لم يعد هناك ما يتم قصفه في إيران. ثم يعلن إن إغلاق المضيق ليس مشكلة لبلاده، بل للآخرين الذين يستوردون النفط من الشرق الأوسط، من الصين إلى اليابان وكوريا الجنوبية، وصولاً إلى أوروبا. وأخذ يضغط عليهم لإرسال السفن والقطع الحربية لتأمين مرور السفن والناقلات عبر المضيق، من دون أن يلقى تجاوباً يذكر من معظم هذه الدول.
لم يخض ترامب الحرب لينهيها على وضعٍ كهذا، تمسك فيه إيران بورقة الإمدادات النفطية من الخليج، ولا تمسك فيها واشنطن بورقة الصادرات الإيرانية. لذلك، وخلافاً لزعم ترامب أنّ إغلاق المضيق يضرّ الدول المستوردة لنفط الشرق الأوسط ولا يضرّ بلاده، بات مضيق هرمز معيار النصر أو الفشل للحرب الأميركية- الإسرائيلية على إيران.
إذا نجحت أميركا بإعادة فتحه عسكرياً فستكون عندها قد نزعت من طهران أخطر الأسلحة الاستراتيجية التي استخدمتها لقلب الاقتصاد العالمي رأساً على عقب، واستنزافه، لدفع القوى الإقليمية والعالمية للتدخل والضغط لوقف الحرب. لكن الخطر، كل الخطر على حملة ترامب أن يضطر لوضع فتح المضيق على طاولة التفاوض، لأنّ الثمن الذي ستطلبه إيران مقابل ذلك سيكون كبيراً، وليس أقل من الإقرار الضمني بفشل الحرب.
هذا يعني أنّ إيران ربما تخرج بوضع تفاوضي أقوى مما كانت عليه في مفاوضات جنيف التي سبقت الحرب بيومين. حينها كان المسدس الأميركي على الطاولة، ولم يكن إغلاق المضيق ورقة تفاوضية إيرانية، إلا نظرياً.
كيف تكسر واشنطن المعادلة؟
أمام الإدارة الأميركية سبيلٌ من اثنين لكسر المعادلة القائمة وإحداث تحوّل في مسار الحرب:
1- فتح المضيق بالقوة، سواء بمؤازرة من الدول الأخرى أم من دون مؤازرة. وهذا ما لا يبدو أنه في الأفق القريب.
2- السيطرة العسكرية على جزيرة “خارك”، للتحكم بالإمدادات النفطية منها، بدلاً من ضرب المنشآت وإشعال أسعار النفط.
الخيار الثاني يبدو أقرب. إذ إنه يتيح قطع الشريان المالي عن النظام الإيراني، ويفتح الطريق أمام تغيير من الداخل، كما حدث حين حوصرت موانئ التصدير الفنزويلية. وبالفعل تتزايد المؤشرات إلى سيناريو من هذا النوع، خصوصاً بعد تعرية الجزيرة عسكرية من خلال ضرب القواعد فيها.
لدى الولايات المتحدة خبرة تاريخية طويلة في الإنزالات العسكرية الخاطفة للسيطرة على الجزر ذات الأهمية الاستراتيجية، امتداداً من الإنزال في جزيرة أوكيناوا قبالة السواحل اليابانية خلال الحرب العالمية الثانية، والتي قلبت مسار الحرب مع اليابان، لكن ذلك لا يغني عن حساب رد الفعل الإيراني، ورد فعل الأسواق.
عبادة اللدن - اساس ميديا