"مافيا الإشتراكات" تستثمر في النزوح -- Apr 08 , 2026 30
كأنّ معاناة النزوح والحرب لا تكفي، لتأتي «مافيا المولّدات» في مناطق النزوح، أو «المناطق الآمنة»، وتتعامل مع أزمات ارتفاع أسعار النفط العالمية والنزوح وانخفاض تغذية «كهرباء الدولة» على أنّها فرص لمضاعفة الأرباح. ففي هذه المناطق بلغ البدل الشهري لـ«أمبيرات الاشتراك» أرقاماً خيالية، حيث ارتفعت بنسب تراوِح بين 70% و100%. مثلاً، في منطقة عاليه، سيدفع جزء من المشتركين 250 دولاراً بدل اشتراك كهربائي بقدرة 5 أمبيرات عن شهر نيسان.
إذاً، صدرت فواتير مولّدات الكهرباء في الأحياء، أو «الاشتراكات»، في لبنان على توقيت مضيق هرمز مطلع شهر نيسان، لا وفق البيانات المملّة التي تصدرها وزارة الطاقة والمياه شهرياً، فارتبط مصير «الأمبيرات» بمصير الحرب على إيران! وتكلفة التغذية بالتيار الكهرباء أصبحت تساوي، في أحسن الأحوال، 53% من قيمة الحد الأدنى الرسمي للأجور الذي تبلغ قيمته 312 دولاراً، إذ لم تنخفض أيّ فاتورة اشتراك عن شهر آذار الماضي عن 160 دولاراً شهرياً في مناطق النزوح، حيث يضطر الناس إلى الاستعانة بالمولّدات، نظراً إلى عدم توافر تغذية كهربائية منتظمة من التيار الرسمي، أو «كهرباء الدولة».
في منطقة بشامون مثلاً، ارتفع بدل الاشتراك الشهري من 120 دولاراً إلى 165 دولاراً، ما نسبته 37.5% في شهر واحد. وعلى الرغم من تدفيع الناس ثمن الأزمة، زادت ساعات قطع الكهرباء من 4 ساعات يومياً إلى 8 ساعات، موزّعة على أوقات مختلفة، ما يعني التخفيف من ساعات التشغيل يومياً بنسبة 50%.
وفي خلدة، المكتظّة بالنازحين حالياً، ارتفع بدل الاشتراك بنسبة بلغت 60% في شهر واحد، من 160 دولاراً للاشتراك بقدرة 5 أمبيرات، إلى 250 دولاراً، أي زيادة قدرها 90 دولاراً. لـ«مافيا المولّدات» طرقها الخاصة في زيادة أرباحها. ففي بشامون، لا تنطبق قواعد الرياضيات على احتساب بدل الاشتراكات، إذ يعمد عدد من أصحاب المولّدات إلى التعامل مع أزمة النزوح على أنّها أزمة مؤقّتة، لذا يجب تحصيل ما أمكن منهم من أموال. فيصل بدل الاشتراك بقدرة 2.5 أمبير إلى 120 دولاراً، لا 82 دولاراً لأنّه يساوي نصف قيمة الاشتراك بقدرة 5 أمبيرات.
أمّا في القرى الجبلية الأبعد مثل بعلشميه وبحمدون، فلم تحتمل «مافيا المولّدات» عدم تجاوب صاحب أحد الاشتراكات معها، ففرضت عليه تعديل تسعيرته ليتماشى مع الزيادات التي تفرض على الناس، إذ يروي لـ«الأخبار» أنّه رفض في البداية تعديل التعرفة على الرغم من انخفاض هامش الربح لديه، إلا أنّ تجمع أصحاب المولّدات في المنطقة قال له صراحة: «لا يمكننا رفع أسعارنا وأنت تتركها على حالها». وبعد التفاوض، عُدّلت التسعيرة، ووُضعت صيغة وسطية.
وفي منطقة الشويفات، وصل سعر الكيلوواط ساعة إلى دولار واحد على فاتورة نيسان، بعد أن كانت قيمته تساوي 60 سنتاً في آذار الماضي، ما يعني زيادة نسبتها 40%، ومعها ارتفع أيضاً البدل الثابت على العدّاد من 10 دولارات إلى 15 دولاراً. وللزيادة على بدلات الاشتراك في هذه المنطقة المحاذية للضاحية حساسية خاصة، لأنّ عدداً غير قليل من المقيمين فيها لم ينزحوا بسبب عدم قدرتهم على تحمّل التكاليف المالية المرافقة للانتقال إلى مناطق أخرى، إلا أنّ الغلاء لحق بهم وأصاب حقّهم في الحصول على الكهرباء.
ولكن، وعلى الرغم من هذه الزيادات على فواتير الاشتراكات، إلا أنّ أوضاع المولّدات في مناطق النزوح لن تتأثّر من ناحية انخفاض أعداد المشتركين، فالتيار الرسمي، أو «كهرباء الدولة»، يغيب من 18 إلى 20 ساعة يومياً، وحتى ساعات التغذية أصبحت عشوائية، فضلاً عن تزايد التبليغ عن أعطال طارئة، تعيدها فرق الصيانة سببها إلى «الضغط الكبير على الشبكات غير المؤهّلة». وهذا الأمر يجعل من خطوط الاشتراك بالمولّدات أمراً ضرورياً وليس من الكماليات.
على الأرض، وبسبب تردّي الوضعين الاقتصادي والأمني، يشير محمد حمود، صاحب أحد محالّ الحلويات في عرمون إلى أنّ «العائلات التي تبلّغت بارتفاع سعر الكيلوواط ساعة من 40 سنتاً إلى دولار واحد هذا الشهر، تقوم بتقنين مصروفها من الكهرباء، لتبقى قيمة الفاتورة على حالها». ففي الأحياء الفقيرة، حيث يعتمد السكان على اشتراكات صغيرة تنتمي غالباً إلى فئة «5 أمبير»، يمكن لـ20 دولاراً إضافية شهرياً أن تؤثّر على مصروف عائلة.
على سبيل المثال، يقول علي النازح من الضاحية والمقيم في عرمون، ويعمل في أحد فروع سوبر ماركت كبيرة في العاصمة إنّ فاتورة الاشتراك تشكّل 14% من قيمة أجره الشهري، إذ يدفع ما يقارب 70 دولاراً شهرياً، ويتقاضى 500 دولار. وهذا بعد التقنين الإلزامي، يشير علي، الذي يقوم بإيقاف تشغيل البراد ليلاً، ولا يستخدم أدوات كهربائية ذات مصروف كهربائي عالٍ، مثل المدفأة أو سخّان المياه. بالنسبة إليه، أصبح تصوير العدّاد الكهربائي وحفظ أرقامه عادةً يومية لاحتساب قيمة فاتورة الاشتراك على رأس كلّ شهر، إذ يُلزِم أفراد أسرته بسقف استهلاك لا يزيد عن 5 كيلوواط ساعة يومياً. أمّا اليوم، فهذا السقف سينخفض حتى 2.5 كيلوواط ساعة، بغية المحافظة على نفس قيمة الفاتورة، وإلّا لا كهرباء!
فؤاد بزي - الاخبار