حرب إيران تعيد حسابات آسيا تجاه الغاز المسال -- Apr 17 , 2026 25
كان يُفترض أن تفتح موجة غير مسبوقة من إمدادات الغاز الطبيعي المسال الباب أمام مرحلة ممتدة من تراجع الأسعار، ما دفع حكومات من الهند إلى دول جنوب شرق آسيا إلى وضع استراتيجيات طاقة تتيح لها الاستفادة من هذا الفائض لتقليص الاعتماد المكثف على الفحم.
غير أن سبعة أسابيع من الحرب في الشرق الأوسط، التي فجرت أسوأ أزمة طاقة عالمية على الإطلاق، قلبت هذه التوقعات رأساً على عقب لتصبح الآن مجرد أمنيات بعيدة المنال.
أدى الإغلاق شبه التام لمضيق هرمز، إلى جانب الأضرار الجسيمة التي لحقت بمنشأة تصدير الغاز الطبيعي المسال في قطر، إلى ارتفاع الأسعار ودفع المشترين للبحث عن بدائل.
في الوقت نفسه، تضررت صورة الغاز كمصدر طاقة موثوق وميسور التكلفة، فيما تعثرت خطط التوسع السريع في استخدامه داخل الدول النامية الآسيوية، بما ينذر بتداعيات طويلة الأمد.
بهذا الصدد، قال ماسانوري أوداكا، المحلل لدى "ريستاد إنرجي" (Rystad Energy): "كل يوم يستمر فيه هذا الوضع، ترتفع الأسعار، ويتشدد السوق، ويتراجع الطلب. كلما طال أمد هذه الأزمة، ازدادت آثارها الهيكلية".
آسيا تفقد ثقتها في الغاز
نقلت "بلومبرغ نيوز" عن أكثر من عشرين من التنفيذيين والتجار والمحللين في مختلف أنحاء آسيا صورةً لمنطقة كان يُنظر إليها باعتبارها مستقبل الغاز الطبيعي المسال، لكنها بدأت تفقد ثقتها سريعاً في هذا الوقود فائق التبريد. وطلب معظمهم عدم الكشف عن هوياتهم لعدم حصولهم على إذن بالتحدث إلى وسائل الإعلام.
في هذا السياق، يعيد مستوردون في الهند وبنغلاديش تقييم دور هذا الوقود كعنصر أساسي ضمن استراتيجياتهم المستقبلية. كما تتجه دول مثل فيتنام والفلبين، التي كان يُتوقع أن تصبح أسواق نمو كبيرة، إلى البحث عن بدائل، مع دراسة تحويل مشروع كهرباء قائم على الغاز في فيتنام إلى مزيج من طاقة الرياح والطاقة الشمسية بالإضافة إلى البطاريات.
أما في تايلندا، يحث صُناع السياسات على زيادة الاعتماد على مصادر الطاقة المتجددة، بالتزامن مع إبرام اتفاق أولي مع أكبر مُصدر روسي للغاز الطبيعي المسال.
تحولات استراتيجية في أسواق الطاقة الآسيوية
تعتزم شركة "بتروليام ناسيونال" (Petroliam Nasional) الماليزية إعادة توجيه مكاسب محتملة ناتجة عن ارتفاع أسعار النفط نحو الاستثمار في حقول الغاز المحلية للحد من الاعتماد على واردات الغاز الطبيعي المسال، وفق أشخاص مطلعين. كما تستكشف حكومة إندونيسيا سُبل الاحتفاظ بحصة أكبر من إنتاجها من الغاز للاستهلاك المحلي، مع احتمال تقليص خطط سابقة كانت تستهدف زيادة الواردات، بحسب الأشخاص.
قالت آن صوفي كوربو، الباحثة في مركز سياسات الطاقة العالمية بجامعة كولومبيا، إن "الإمدادات تراجعت في العديد من دول جنوب شرق آسيا، وأصبح الغاز الطبيعي المسال البديل باهظ التكلفة بحيث يتعذر استبداله بالكامل". وأضافت أن المنطقة ستشهد "استثمارات أقل في نمو الطلب المستقبلي على الغاز الطبيعي المسال"، مع التركيز بشكل أكبر على الطاقة المتجددة والإبقاء على الفحم ضمن مزيج الطاقة.
في يناير الماضي، توقعت وكالة الطاقة الدولية ارتفاع إمدادات الغاز الطبيعي المسال بأكثر من 7% هذا العام، مدفوعة بشكل أساسي بزيادة القدرة الإنتاجية في الولايات المتحدة. غير أن هذه التقديرات تخضع حالياً لمراجعة حادة، في ظل احتجاز نحو خُمس الصادرات العالمية خلف مضيق هرمز، إلى جانب تحذيرات قطر من أن إصلاح منشآتها قد يستغرق ما يصل إلى خمس سنوات.
التداعيات الاقتصادية لارتفاع أسعار الغاز
يرجح محللو الطاقة لدى "آي سي آي إس" (ICIS) تراجع الإنتاج العالمي من الغاز الطبيعي المسال بنسبة 0.4% خلال عام 2026، بافتراض توقف تشغيل منشأة رأس لفان في قطر لخمسة أشهر، في تطور قد يمثل أول انكماش منذ ما لا يقل عن عقد.
جاء تأثير الحرب على آسيا سريعاً وحاداً، ولم يقتصر على النفط أو الوقود المكرر، إذ قفزت أسعار الغاز الطبيعي المسال في المنطقة إلى أكثر من الضعف خلال الأسابيع التي تلت اندلاع الصراع، ولا تزال مرتفعة بنحو 50% مقارنة بمستويات فبراير. وفي الوقت ذاته، هبطت الواردات الآسيوية إلى أدنى مستوياتها في ست سنوات خلال الفترة حتى منتصف أبريل، ما انعكس في ارتفاع تكاليف الكهرباء ونقص الإمدادات بقطاعات مثل الأسمدة والكيماويات والنقل.
في المقابل، أسهم تراجع الطلب في آسيا في تخفيف الضغوط قصيرة الأجل على أوروبا، التي تنافس المنطقة على شحنات الغاز الطبيعي المسال. وارتفعت التدفقات الأوروبية مقارنة بالعام الماضي وفق متوسط متحرك لـ30 يوماً، ما ساعد في تهدئة المخاوف بشأن الإمدادات وأسهم في الانخفاض الأخير في الأسعار.
تبرز بنغلاديش كواحدة من أكثر الدول تضرراً، حيث يعتمد أكثر من ربع مزيج الكهرباء لديها على الغاز المستورد. وتشير تقديرات شبكة جنوب آسيا للنمذجة الاقتصادية إلى أن استمرار ارتفاع أسعار الغاز الطبيعي المسال والنفط بنسبة 50% سيؤدي إلى خفض الناتج المحلي الإجمالي بنحو 1.2 نقطة مئوية هذا العام.
كما اضطرت الهند المجاورة إلى تقليص وارداتها من الغاز الطبيعي المسال بنحو 15% مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، مع خفض الإمدادات الموجهة للصناعات المحلية. ومن شأن هذه الضغوط، إلى جانب ارتفاع الأسعار، أن تعقد مساعي البلاد لمضاعفة حصة الغاز ضمن مزيج الطاقة بحلول عام 2030.
تحولات الطلب على الغاز
تتجه باكستان، التي تعتمد بشكل كبير على قطر في وارداتها من الغاز الطبيعي المسال، إلى مضاعفة إنتاجها المحلي من الغاز بحلول نهاية الشهر لسد فجوة الإمدادات، في خطوة يُرجح أن تُسهم في تقليص الطلب على الغاز المنقول بحراً على المدى الطويل.
في هذا السياق، أشار محللو "جيفريز" (Jefferies)، ومن بينهم إيما شوارتز، في مذكرة الأسبوع الماضي، إلى أن "التردد المتزايد بشأن الاستثمارات في البنية التحتية قد يُسرع التحول نحو بدائل للغاز، ما قد يحد من نمو الطلب على مدى 5 إلى 10 سنوات".
في المقابل، ربما تكون الاقتصادات الآسيوية الأكثر ثراءً، التي تعتمد أنظمة الطاقة لديها على الغاز الطبيعي المسال، أكثر قدرة على استيعاب ارتفاع التكاليف للحفاظ على هذا الوقود ضمن مزيج الطاقة لديها.
ففي اليابان، تدعم الأزمة الراهنة جهود الحكومة لدفع الشركات نحو الاستثمار في أصول الغاز خارج الشرق الأوسط. أما تايوان، التي تُعد لاعباً محورياً في إنتاج الرقائق عالمياً لكنها تعتمد أيضاً على الغاز المنقول بحراً، فتجري محادثات مع الولايات المتحدة لتعزيز إمداداتها.
أما في الصين، التي تصدرت الأسواق العالمية للغاز الطبيعي المسال العام الماضي، فقد أبرزت الأزمة أهمية أمن الطاقة. وأقدمت شركة "سينوبك" (Sinopec) على إلغاء خطط توسيع محطة استيراد الغاز في تيانجين، متجهةً بدلاً من ذلك إلى الاستثمار في تطوير مشروع للغاز في جنوب غرب البلاد.
ومن المتوقع أن ينمو الطلب الصيني على الغاز بنسبة 0.5% هذا العام، وهو أدنى مستوى منذ عام 2022، وفقاً لـ"آي سي آي إس". وإذا ظل مضيق هرمز مغلقاً حتى نهاية العام، فقد ينكمش الطلب بنسبة تصل إلى 1.5%.
تعليقاً على الأمر، قال مينلاوس يدريوس، الأمين العام للاتحاد الدولي للغاز: "تتخذ بعض الدول الأقل ثراءً إجراءات واسعة لتقليل المخاطر. والسؤال الأهم هو إلى أي مدى ستؤدي آليات إدارة انخفاض إمدادات الغاز إلى تدمير الطلب على المدى الطويل؟".
بلومبرغ