الجنوبيون يحصون خسائرهم بحسرة: التعويضات غير واردة -- Apr 21 , 2026 16
عودة حذرة يعيشها الجنوبيون. يتفقّدون بيوتهم ومحالهم ويجهّزون أنفسهم لتجديد رحلة تهجيرهم القسرية المفترضة بعد انتهاء مهلة وقف إطلاق النار. على أنّ تفقّد الأضرار والخسائر لا يرتبط بأي تعويضات منتظرة، بفعل غياب التمويل من جهة وعدم حسم انتهاء الحرب من جهة أخرى، مع ما يترتّب عن استمرارها من أكلاف متراكمة تتزايد مع الوقت. وأكثر ما يقلق العائدين أنّه لا يمكنهم إصلاح ما تضرّر، بل جلّ ما يمكن فعله، هو النظر بحزن إلى ما سيتركونه من خراب. ومع ذلك، هناك مَن رتّب محلّه على عجل، علّه يحصّل بعض المال خلال فترة الهدنة، قبل معاودة التهجير الذي يتضمّن بالنسبة للكثير من المهجّرين، صرفاً للمال بلا مداخيل.
العودة إلى العمل
وصل أهالي منطقة صور إلى المدينة وقراها، منقسمين بين مَن عاجَلَ فتح محلّه غير المتضرّر بشكل كامل، علّه يعوّض ما دفعه من أكلاف خلال نحو شهر ونصف الشهر، ومَن اكتفى بمعاينة الأضرار.
بعض أصحاب المقاهي ومحال الخضار عمدوا إلى تنظيف الزجاج المحطّم واستبداله بـِ "النيلون" لعدم قدرتهم على تحمّل الكلفة المادية لإعادة تركيب الزجاج، فضلاً عن احتمال تضرّره بعد وقف إطلاق النار. في المدينة أعاد أحدهم ترتيب المقهى واستقبال الزبائن بما تبقّى من طاولات وكراسٍ وأراكيل، في محاولة لتحصيل بعض المال خلال فترة 10 أيام.
في الوقت نفسه، أعاد صاحب سوبرماركت في بلدة معركة في قضاء صور فتح أبواب محاله، بعد وصوله إلى القرية على وقع سريان مفعول اتفاق وقف إطلاق النار. ويقول محمد في حديث لـِ "المدن" إنّ "لا خسائر مباشرة لديه في الحرب الراهنة حتى الآن، على عكس ما حصل في الحرب الماضية، إذ تضرّرت السوبرماركت نتيجة قصف مبنى مجاور، وكانت الحصيلة خسائر بآلاف الدولار، ولم يتم التعويض علينا". ويضيف أنّه "قرّرنا فتح السوبرماركت على عجل خلال فترة الهدنة، آملين تجديدها وصولاً إلى انتهاء الحرب". ويؤكّد محمّد أنّه "رغم سرورنا بالعودة، لكن الخوف قائم، وسنعود للخروج من القرية في حال تجددت الحرب".
قرار بعدم الإصلاح
بحسرة يتفقّد الجنوبيون خسائرهم. يقف محمود أمام محل السمانة يشاهد الزجاج المحطّم من المحل والمنزل الذي لم يعد صالحاً للسكن بفعل الحجم الهائل للضرر. فيؤكّد لـ"المدن" أنّ "المنزل غير صالح للسكن، ولا يمكن إصلاح الأضرار لأنّ البقاء في القرية غير مضمون، كما أنّ وقف إطلاق النار ليس دائماً ولا نعرف متى تتجدّد الحرب". ويضيف أنّ "الخسائر كبيرة، وستضاف إلى الفاتورة المفتوحة التي ندفعها خلال فترة التهجير، من استئجار منزل ومصاريف يومية، وكل ذلك بلا مصدر دخل، إذ إنّ المحل كان مصدر الدخل الوحيد".
بالتوازي، تقف 6 محال تجارية وفوقها 3 منازل شاهدة على دمار هائل، سبّبه قصف منزل مقابل، أدّى إلى أضرار كبيرة في المنازل والمحال التجارية المحيطة. ومن بين أصحاب المنازل، يتفقّد محمّد حصيلة الأضرار في منزله ومنزل والديه ومنزل أحد أشقّائه، في حين أنّ محلّه من بين المحال الستة، امتلأ بالزجاج والحجارة، فيما منزله لم يعد قابلاً للسكن، فالحجارة والزجاج في كل مكان، السقف المستعار بات على الأرض. والمؤسف في هذا المشهد أنّ "أحداً لن يعوِّض كلفة الخسائر، في حين أنّ استمرار الحرب يعني المزيد من الخسائر، خصوصاً أننا لا نستطيع إصلاح الأضرار والعودة إلى العمل". ومع ذلك، يصرّ محمد في حديث لـ"المدن" على أنّ "على مَن تسبّب بالأضرار أن يدفع كلفتها. وما أن تنتهي الحرب، سنرفع الصوت، إذ نريد حقّنا". ويأسف محمد أنّه "لا يمكننا إصلاح الأضرار حالياً، فلا نملك المال، ولا يسعفنا الوقت بسبب استمرار الحرب".
إيجارات المنازل والمحال
إلى جانب الخسائر، يعيش الكثير من الجنوبيين قلق وجوب دفعهم أجرة منازلهم في الجنوب، وأجرة منازلهم المستأجرة جديداً في أماكن النزوح. ويعبّر هؤلاء عن صعوبة هذا الموقف، إذ إنَّ "أصحاب المنازل المؤجَّرة يصرّون على استيفاء بدل الإيجار، على رغم عدم السكن فيها وعدم معرفة موعد العودة إليها بسبب الحرب"، وفق ما يقوله علي الذي يؤكّد لـِ "المدن" أنّ "صاحب المشروع السكني طالب باستيفاء الأجرة الشهرية، كما فعل في الحرب الماضية، إذ اضطررت لدفع أجرة شهرين لم أسكن في المنزل خلالهما، وهذه الحرب، أخبرنا صاحب المشروع أنّه يريد بدل الإيجار، لكنّه سيتساهل في طريقة الدفع، فلا يشترط دفعها نقداً، بل يمكن تقسيطها".
في الوقت عينه، فإنّ ثقل الدفع يتضاعف بالنسبة إلى علي المضطر إلى دفع إيجارالمنزل وإيجار محل لبيع اكسسوار ولوازم الهواتف الخلوية. ويرى علي أنّ "إصرار أصحاب المنازل والمحال على استيفاء الإيجار الشهري يزيد ثقلاً مادياً كبيراً علينا. لكن من جهة أخرى، يرى أصحاب المنازل أنّ بدل الإيجار الشهري هو مصدر معيشتهم، وبالتالي يمكن النظر إلى المسألة من زاويتين".
يتفاقم القهر في صدور الجنوبيين الذين عادوا إلى قراهم مؤقتاً. عادوا لتفقّد الخسائر وإحصائها من دون القدرة على إصلاح ما يمكن إصلاحه وإعادة إعمار ما تهدّم، إذ إنّ كلّ شيء مؤجّل إلى موعد غير معلوم. والمؤسف، أنَّ التعويضات غير واردة في الوقت الراهن، في حين أنَّ الخسائر تتراكم مع الوقت.
خضر حسان - المدن