بأرقام البنك الدولي: لبنان قبل الحرب وبعدها

بأرقام البنك الدولي: لبنان قبل الحرب وبعدها -- Apr 22 , 2026 15

في أواخر الأسبوع الماضي، اختتم البنك الدولي وصندوق النقد اجتماعات الربيع، التي يتم تنظيمها دوريًا لجمع صنّاع القرار المالي والاقتصادي من جميع دول العالم، ومناقشة أبرز التحديات التي تواجه هذه الدول. وكانت تلك الاجتماعات مناسبةً للمؤسّسات الدوليّة كي تعرض وتناقش أبرز المؤشّرات الاقتصاديّة والماليّة المتعلّقة بلبنان، خصوصًا تلك التي قدّمها البنك الدولي في إطار تقرير "الآفاق الاقتصادية للفقر الكلي". كما كانت الاجتماعات فرصة لتبيان التحدّيات المُستجدة في لبنان، التي ستنتج عن الحرب الدائرة على المستويين المحلّي والإقليمي.

أداء العام 2025

أرقام البنك الدولي تؤشّر إلى شبه انتعاشة متواضعة، شهدها الاقتصاد اللبناني خلال الفترة التي سبقت الحرب. فعلى مستوى الماليّة العامّة، تمكّنت الدولة اللبنانيّة خلال العام 2025 من زيادة الإنفاق العام بنسبة 27 بالمئة، في مقابل زيادة أكبر في الإيرادات العامّة، بنسبة 49 بالمئة. وفي النتيجة، تمكّنت الميزانيّة العامّة من تسجيل فائض إجمالي خلال العام الماضي، بقيمة 1.55 مليار دولار أميركي (ويرتفع الفائض إلى حدود 187 مليار دولار أميركي من دون احتساب خدمة الدين العام). ويبدو من الأرقام أنّ الكتلة الأكبر من الإيرادات الضريبيّة جاءت من الضرائب غير المباشرة، ومنها الضريبة على القيمة المُضافة التي جمعت 32.3 بالمئة من إجمالي الإيرادات، والرسوم الجمركيّة التي مثّلت 7.1 بالمئة منها.

في تعليقه على هذه الأرقام، وجد البنك الدولي أنّ هذه المؤشّرات تدل على تطوّرات إيجابيّة، مثل تحسّن الامتثال الضريبي والضبط المالي. ويمكن أن نضيف هنا أنّ تحسّن أرقام الميزانيّة العامّة بهذا الشكل كان يفترض -لولا حدوث الحرب- أن يسهّل عمليّة إعداد الإطار المالي المتوسّط، أي الخطّة التي ستنظّم الإنفاق العام والجباية الضريبيّة على امتداد خمس سنوات مقبلة. وهذا ما كان يمكن الارتكاز عليه لاحقًا للتفاوض مع حملة سندات اليوروبوند، بهدف إعادة هيكلة الدين العام.

غير أنّ هذا الأداء الإيجابي، بالرغم من أهميّته، لا ينفي وجود ثغرات على مستوى النظام الضريبي. فتركّز الإيرادات في الضرائب غير المباشرة يمثّل سمة تاريخيّة موروثة للنظام الضريبي اللبناني، وهو ما يحمّل الفئات الأكثر هشاشة عبء الجباية. وكانت وزراة الماليّة قد وعدت، قبل اندلاع الحرب، بطرح مسودّة مشروع قانون ضريبي جديد بهدف معالجة هذه الثغرة، وإعادة التركيز على الضرائب المباشرة التصاعديّة. غير أنَّ البحث في هذه المسألة توقّف اليوم.

في ما يتعلق بالفقر، كشف تقرير "الآفاق الاقتصادية للفقر الكلي" أن مستوياته ما زالت مرتفعة بين اللبنانيين، إلا أنها استقرت وشهدت انخفاضًا نسبيًا خلال العام 2025، بعدما بلغت الذروة عام 2024 بفعل الحرب السابقة والانكماش الاقتصادي. ويشير التقرير إلى أنّ معدّل الفقر قد انخفض بشكلٍ طفيف من 37 بالمئة عام 2024، إلى 36 بالمئة عام 2025. أمّا معدّل انعدام الأمن الغذائي، فقد تراجع بنسبة أكبر، من 24 بالمئة في أواخر العام 2024 إلى 13 في بدايات العام 2026؛ أي قبل بدء الحرب الحاليّة.

وعلى مستوى الحركة الاقتصاديّة، تحسّنت حركة الشيكات بالليرة اللبنانيّة بنسبة 49.5 بالمئة خلال النصف الثاني من العام 2025، مقارنة بالنصف الأوّل، كما تحسّنت بين الفترتين حركة الشيكات بالعملات الأجنبيّة بنسبة 29 بالمئة. وخلال العام 2025، ارتفعت تسليمات الإسمنت بنسبة 36 بالمئة، مقارنة بالعام السابق، كما ارتفعت مساحات رخص البناء الإجماليّة بنسبة 29.3 بالمئة خلال الفترة نفسها، وهذا ما يدل على تحسّن في الحركة العقاريّة خلال العام الماضي. وفي سياق المؤشّرات الإيجابيّة نفسها، سجّل الاستثمار الأجنبي المباشر زيادة بنسبة 7.3 بالمئة خلال العام 2025، قياسًا بالعام السابق، وهذا ما أسهم بتأمين جزء من حاجات التمويل الخارجي.

تداعيات الحرب

بالنسبة للبنان، يتوقّع البنك الدولي تداعيات بالغة القسوة، جرّاء الحرب الدائرة اليوم. فالتعافي الهش الذي سجّله لبنان خلال العام الماضي، سيواجه ضغوطًا شديدة هذه السنة، بفعل جملة من العوامل مثل ارتفاع مستويات عدم اليقين، والنزوح الداخلي الواسع النطاق، فضلًا عن تأثير الحرب على مستوى "الرأسمال البشري والمادّي". كما ستؤدّي الحرب، وما رافقها من اضطرابات في الرحلات الجوية عبر منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، إلى الحد من الحركة السياحيّة. وجميع هذه التطوّرات ستترك أثرها على مستوى الاستهلاك والاستثمار في الوقت نفسه.

ويُذكّر تقرير "الآفاق الاقتصادية للفقر الكلي" بأن واردات الطاقة شكّلت نحو 29 بالمئة من إجمالي فاتورة السلع المستوردة خلال العام 2025. واستمرار الاعتماد على المحروقات لتوليد الكهرباء والنقل، مع ارتفاع أسعار النفط، سيؤديان إلى زيادة الضغط على الحساب الجاري واحتياجات التمويل الخارجي. أمّا زيادة تكاليف الشحن، فستؤدّي إلى ضغوط تضخميّة خلال الفترة المقبلة، في حين ستعاني موازنة العام 2026 من زيادة الطلب على الإنفاق الطارئ وإعادة الإعمار، بفعل الحرب.

جميع هذه التوقّعات، تؤكّد ما أشار إليه معهد التمويل الدولي، الذي توقّع أن يشهد لبنان انكماشًا اقتصاديًا بنسبة 6 بالمئة هذه السنة، بفعل تداعيات الحرب. ومن البديهي أن ينتظر لبنان نسبة انكماش أعلى، في حال استمرّت الحرب في وقتٍ لاحق من هذه السنة، أو في حال اتّسع نطاقها وازدادت شدّتها. ومع انكماش الاقتصاد نفسه، سيكون على الدولة اللبنانيّة ترقّب انكماش إضافي في ماليّتها العامّة، وقدرتها على توفير الخدمات الأساسيّة في المستقبل.

علي نور الدين- المدن

أقرأ أيضاَ

الأسمر: الدولة تجبي ضريبة البنزين ولا تنفذ قرار الـ6 رواتب للقطاع العام

أقرأ أيضاَ

شقير يطالب بالمكننة وتحديث الأنظمة الجمركية لدعم الاقتصاد الوطني