إسرائيل توسّع نفوذها بحراً وتهدّد الغاز اللبناني -- Apr 23 , 2026 86
مطلع العام الجاري، كان لبنان على موعد مع توسيع نشاطه المتعلّق بملفّ الغاز في مياهه الجنوبية، عبر توقيعه اتفاقاً مع ائتلاف شركات توتال إينرجيز وإني وقطر للطاقة، لإجراء مسح زلزالي ثلاثي الأبعاد في الرقعة (بلوك) رقم 8 تمهيداً لحفر بئر استكشاف بناء على نتائج تحليل بيانات المسح. وتزامن التوقيع مع تسلّم وزارة الطاقة تقرير نتائج الحفر في بلوك 9. وشكّل ذلك عودة رسمية للنشاط في هذا المجال، بعد وقف إطلاق النار إثر الحرب التي توسّعت في 23 أيلول 2024. لكن عودة الحرب في 2 آذار الماضي، جمّدت التقدّم في هذا الملف. إلاّ أنّ العدوّ لم يكتفِ بالتجميد التلقائي، بل رفع مستوى الخطر عبر نشره خريطة تتضمّن تعديلاً لنفوذه في البحر، ليتكامل ذلك مع تصريحات بعض مسؤوليه حول إجراء تغيير يطال اتفاقية ترسيم الحدود البحرية مع لبنان، وهو الأمر الذي ينذر بخسارة لبنان مساحات بحرية ومعها ثروات نفط وغاز.
بين الخطاب والخريطة
لوّحَ عدد من المسؤولين الإسرائيليين بأنّه يجب التراجع عن اتفاق ترسيم الحدود البحرية مع لبنان، الموقّع في تشرين الأول 2022. فأعلن وزير الطاقة الإسرائيلي إيلي كوهين أنّ حكومة بلاده تدرس إلغاء اتفاقية الترسيم، معتبراً أنّها "لم تكن اتفاقية حقيقية، بل كانت وثيقة استسلام". وعلى ضوء بحث احتمالات وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل، تحت مظلة اتفاقٍ إيراني أميركي ينهي حالة الحرب، طالبَ وزير الشتات عميحاي شيكلي، بأن يتضمَّن اتفاق وقف إنهاء الحرب على لبنان "إلغاء اتفاق ترسيم الحدود البحرية". فمن وجهة نظره، إنّ فتح حزب الله معركة إسناد غزة في 8 تشرين الأول 2023، يعني "بشكل صارخ، انتهاء الاتفاق". ودعا إلى إلغاء الاتفاق في أي تسوية محتملة.
ومع ذلك، لم يصدر عن سلطة الاحتلال أي قرار رسمي يلغي الاتفاق، أو يتوعّد بذلك في أي تسوية محتملة لوقف إطلاق النار. لكن العدو بات يعتمد في إنذاراته الأخيرة لسكّان الجنوب اللبناني، خريطة تتضمّن خطّاً بحرياً يقابل الخط البري الذي تمنع إسرائيل الجنوبيين من تخطّيه والعودة إلى قراهم الواقعة جنوبه. وتعتبر إسرائيل بموجب الخريطة، أنّ الخطّين البرّي والبحري، يمثّلان "منطقة دفاع أمامي". ولمزيد من "الدقة"، يحدّد العدوّ أنّ الخط المرسوم في البحر اللبناني، هو "منطقة الدفاع الأمامي البحرية"، وينطلق الخط من أمام منطقة البيّاضة التي تبعد عن الحدود بين 8 إلى 12 كلم والتي يسيطر عليها العدوّ حالياً. على أنّ الخريطة لا تظهر نهاية واضحة للخط المستحدث باللون الأحمر، وكذلك لخطّ الحدود الأساسي الذي رُسِم بالأبيض.
لكن بملاحظة الخريطة التي يعتمدها العدو والخريطة التي اعتمدتها مصادر رسمية عالمية، بما فيها دول ووسائل إعلام وجهات حقوقية، يمكن بوضوح تقدير حجم المساحة التي يقتطعها العدوّ من المياه اللبنانية بالاعتماد على خطّ الحدود عند النقطة رقم 23 المتفق عليها في اتفاقية الترسيم. فمنطقة الدفاع البحرية التي يعتمدها، تتجه شمالاً وتمتد باتجاه الشمال الغربي نحو النقطة رقم 1 التي طالب بها لتكون نقطة حدوده مع لبنان، وعليه، يقضم العدوّ أجزاء كبيرة من الرقعتين رقم 9 و10 والجزء الأكبر من الرقعة رقم 8. ولذلك، فإنّ الجزء الأكبر من حقل قانا، يُمنَع الاقتراب منه، وتعتبره إسرائيل ضمن المنطقة التي تهدد أمنها.
إلغاء الاتفاق أو استئناف حذر للاستكشاف
حتى الآن، لا إلغاء رسمياً للاتفاق. والقانون الدولي يوجب ارتضاء الطرفين الموقّعين على الاتفاق على إلغائه أو تعديله، ولا يمكن ترتيب واقع جديد من طرف واحد، إلاّ بحكم القوّة والاعتداء، وهذا الإجراء لا يعطي الطرف المعتدي حقّاً قانونياً.
وأكّد وزير الطاقة جو الصدّي أنّ الخريطة التي ينشرها العدوّ لا قيمة قانونية لها، واتفاق الترسيم "لا يزال سارياً ولا يوجد أي تغيير". وعليه، لا يوجد أي إلغاء للاتفاق من قِبَل الطرفين، إلاّ أنّ العدوّ يريد فرض أمر واقع يُعدِّل الحدود البحرية بصورة غير رسمية، على غرار ما فعله في الحدود البرية من خلال إفقاد لبنان سيطرته على الأرض ومنع السكّان من العودة إلى قراهم.
ولذلك، فإنّ قرار إسرائيل استحداث منطقة أمنية بحرية، يهدف إلى سحب المنطقة من تحت السيطرة اللبنانية وإفقاد لبنان قدرته على استئناف العمل في البلوكات الثلاثة، من دون أن يُدخل العدوّ نفسه في نزاع قانوني على الحدود في الوقت الحالي. علماً أنّ إنشاء منطقة عازلة برية تصل إلى منطقة البياضة، يأتي تحت شعار "منع تهديد حزب الله لبلدات الشمال"، إلاّ أنّ الخوف من هذا التهديد امتد إلى البحر، وهو ما دفع العدوّ إلى رسم خطّ دفاع بحري يتخطّى النقطة 23 وخط هوف (Hof Line).
وبهذه الخطوة، يرسل العدوّ عدّة رسائل للمجتمع الدولي وللبنان ولشركات التنقيب. للمجتمع الدولي، يقول إنّه لا يطرح تعديل الحدود أو إلغاء اتفاق الترسيم البحري، لكنّه يريد منع خطر حزب الله عنه، وهو مطلب يلقى تأييداً دولياً، لكنّ انعكاساته على الأرض تعني نقلاً ضمنياً للحدود من صورتها القانونية إلى واقع جديد تفرضه إسرائيل. وفي رسالته إلى لبنان، يقول العدوّ إنّه يسيطر على الثروة الكامنة تحت البحر، وفي الوقت عينه، يمتلك ورقة ضغط يمكن استعمالها لتسريع ملف التفاوض المباشر الذي يكسب لبنان عبره وقفاً لإطلاق النار وتحريراً للمساحات المحتجزة، لكنّ هذه النتيجة قد لا تكون مؤكّدة، لأنّ الضغط قد ينسحب باتجاه إجبار لبنان على الموافقة على تعديل الحدود البحرية والقبول بالنقطة رقم 1 التي يريدها العدوّ، وإلاّ، لا وقف للحرب ولا نفوذ لبنانياً على المساحات البحرية المحتجزة.
أمّا على مستوى شركات التنقيب، فالعدوّ يوصل رسالة مفادها أنّ منطقة التنقيب في البلوكات الثلاثة الجنوبية غير آمنة. وبالتالي، لا يمكن الاستفادة من اتفاقات الاستكشاف والتنقيب في الرقعتين 8 و9، الموقّعة بين لبنان وائتلاف الشركات الثلاث، والتي تصبح بحكم المجمّدة بفعل الحرب والخطر الذي تبقيه إسرائيل قائماً في حال وقف إطلاق النار. وهذا ما قد يدفع الائتلاف إلى إعادة النظر باتفاقاته مع لبنان، إلاّ إذا اعتبرت كلّ من فرنسا وإيطاليا وقطر أنّ الالتزام بالاتفاقات رغم خطر عدم تنفيذ الأعمال، هو رسالة دعم للبنان. أمّا في حال استأنف التحالف تنفيذ الاتفاقات في الأجزاء التي لا يشملها الخط البحري الإسرائيلي، فإنّها بذلك تقرّر استئناف عملها بحذر، لأنّ الخط المعلن ليس حدوداً دولية معترفاً بها، وإنما هو خطّ رأت إسرائيل أنّه يؤمِّن حماية حدودها، وقد تعدّله في أي لحظة تقرّر فيها أنّ الخطر تزايد. وهذا الخطّ قد يشمل مساحات بحرية إضافية، كلّما قرّر العدوّ السيطرة على مساحات برية أوسع والاتجاه شمالاً نحو مدينة صور أو نهر الليطاني، ما يهدّد بخسارة مساحات أكبر في البلوكات البحرية، وتحديداً خسارة حقل قانا الذي كانت تريد إسرائيل منذ البداية الحصول على المساحة الأكبر منه.
في هذه الصورة، ترسم إسرائيل حدوداً بحرية جديدة بحكم الأمر الواقع، بالتوازي مع ما تقضمه من مساحات برية. وتفرض بذلك تهديداً مبطّناً للثروة اللبنانية، وخصوصاً الغاز الكامن في الحقول الجنوبية، لتؤمِّن بذلك حماية غازها من أي "تهديد" عسكري أو منافسة تجارية محتملة.
خضر حسان - المدن