الصناعة... صمود مُكلف في مواجهة تداعيات الحرب

الصناعة... صمود مُكلف في مواجهة تداعيات الحرب -- Jun 08 , 2026 16

رغم الأزمات المتلاحقة التي عصفت بالاقتصاد اللبناني خلال السنوات الأخيرة، بقي القطاع الصناعي أحد أبرز القطاعات القادرة على الصمود والحفاظ على جزء من النشاط الإنتاجي في البلاد. إلا أن هذا القطاع يواجه اليوم تحديات متزايدة تتراوح بين تراجع الاستهلاك المحلي، وانخفاض الصادرات، وارتفاع الأكلاف التشغيلية، وصولا إلى التداعيات المباشرة للظروف الأمنية والاقتصادية التي تلقي بثقلها على مختلف مفاصل الإنتاج.

في موازاة الحديث المُتكرّر عن اعتماد لبنان شبه الكامل على الاستيراد، تبرز تساؤلات حول الحجم الفعلي للإنتاج المحلي ودوره في تلبية حاجات السوق الداخلية. وبين واقع المصانع التي تكافح للاستمرار، والرهان على تعزيز الإنتاج الوطني، يقدّم نائب رئيس جمعية الصناعيين في لبنان زياد بكداش قراءة شاملة لواقع الصناعة اللبنانية، والتحديات التي تواجهها، إضافة إلى مقاربة مختلفة لملف الاستيراد وحصة الصناعة المحلية من الاقتصاد اللبناني.

يؤكد بكداش، لـ "نداء الوطن"، أن الصناعة اللبنانية عانت من التهميش منذ عام 1975 "، مشيرًا إلى أنها "كانت تاريخيًا من القطاعات الأقل حظوة لدى المسؤولين اللبنانيين، كما أن جزءًا من المجتمع اللبناني لم يكن ينظر إليها بإيجابية رغم أن لبنان كان يمتلك قاعدة تصديرية فاعلة في العديد من المجالات".

ويلفت إلى أن "المشهد الصناعي بدأ يتغير تدريجيًا بعد عام 2019، مع تراجع سعر صرف الليرة اللبنانية وتداعيات جائحة كوفيد-19، ما أدّى إلى زيادة ملحوظة في عدد المصانع وخطوط الإنتاج. كما شهد القطاع دخول صناعات جديدة لم تكن موجودة سابقًا في السوق المحلية، مثل صناعة القفازات والكمامات، وصولا إلى تصنيع روبوتات مخصصة للتصدير إلى الخارج".

نظرة تقليدية

يرى بكداش أن "إحدى المشكلات الأساسية تتمثل في النظرة التقليدية التي تفضّل المنتج الأجنبي على المحلي، قائلا إن مقولة "كل شي فرنجي برنجي" كانت سائدة لسنوات طويلة. إلا أن الأزمة الاقتصادية التي بدأت عام 2020 دفعت المستهلك اللبناني إلى البحث عن الخيارات الأقل كلفة، ما أتاح له اكتشاف أن العديد من المنتجات اللبنانية تتمتع بالجودة نفسها التي تتمتع بها المنتجات المستوردة، مع الإقرار بأن بعض السلع المستوردة جيدة فيما بعضها الآخر لا يرقى إلى المستوى المطلوب".

الواقع الحالي

عن واقع القطاع الصناعي حاليًا، يلفت بكداش إلى أن "الوضع الاقتصادي عمومًا والصناعي خصوصًا يشهد تراجعًا مستمرًا. ويشير إلى أن "المصانع الواقعة في المناطق غير الآمنة، ولا سيما في الضاحية الجنوبية والبقاع والجنوب، كانت قد أغلقت أبوابها خلال فترات التوتر، وهي تحاول اليوم إعادة تشغيل أعمالها تدريجيًا بهدف الحفاظ على الحد الأدنى من الإنتاج الموجه إلى السوق المحلية والأسواق الخارجية".

في المقابل، يوضح أن "المصانع الموجودة في المناطق الأكثر استقرارًا، ولا سيما تلك العاملة في الصناعات الغذائية والسلع الاستهلاكية الأساسية، لا تزال تعمل بوتيرة شبه كاملة، لكنها تعاني أيضًا من تراجع ملحوظ في الصادرات. أما المصانع المتخصصة بإنتاج السلع الكمالية، فقد شهدت انخفاضًا في إنتاجها تراوح بين 70 و90 في المئة، نتيجة تراجع الطلب في ظل الظروف الأمنية والاقتصادية الراهنة".

يضيف: "أن الاستهلاك يتراجع حتى بالنسبة للسلع الغذائية والأساسية، في حين أن المساعدات التي تقدمها المؤسسات الدولية للنازحين تساهم في تحريك جزء محدود من الدورة الاقتصادية".

التحدي الأكبر

يؤكد بكداش أن "التحدي الأكبر الذي يواجه القطاع الصناعي اليوم يتمثل في ملف التصدير، سواء بسبب الأوضاع الأمنية والاقتصادية الراهنة أو نتيجة استمرار العقبات التي تعترض التصدير إلى المملكة العربية السعودية".

ويختصر المشهد بالقول إن "القطاع الصناعي يشهد تراجعًا يتراوح بين 45 و50 في المئة"، موضحًا أن "الصناعة تختلف عن التجارة لكونها ترتبط بأعباء تشغيلية كبيرة تشمل نفقات ثابتة وأخرى متحركة. فكلما ارتفع الإنتاج زادت الكلفة التشغيلية، في حين تبقى المصاريف الثابتة قائمة، مثل الرواتب والإيجارات وكلفة الكهرباء وصيانة واستهلاك الآلات والمعدات".

ماذا عن اليد العاملة؟

على صعيد العمالة، يشير إلى أن "اللبنانيين باتوا معتادين على إدارة الأزمات المتلاحقة".

ويوضح أن "العديد من العمال المياومين فقدوا أعمالهم مع اندلاع الحرب، فيما كان طلاب الجامعات والمدارس يعتمدون خلال أشهر الصيف على فرص العمل الموسمية في المصانع والمطاعم، وهي فرص باتت مهددة بشكل كبير هذا العام".

ويُحذّر بكداش من أن "استمرار إقفال عدد من المصانع يضع أصحاب العمل أمام تحديات متزايدة، إذ يصبح من الصعب الاستمرار في دفع الرواتب في ظل تراجع المبيعات أو انعدامها".

ويخلص إلى أن "القطاع الصناعي يمر في إحدى أصعب المراحل التي شهدها منذ ثمانينيات القرن الماضي"، لافتًا إلى أن "المصارف كانت قبل عام 2019 تؤدي دورًا داعمًا للقطاع الإنتاجي، بينما يعيش الصناعيون اليوم حالة من الاستنزاف تشبه "الموت البطيء".

ملفّ الاستيراد

في ما يتعلق بحجم الاستيراد، يعتبر بكداش أن "الحديث عن اعتماد لبنان على الاستيراد بنسبة تتراوح بين 80 و90 في المئة ليس دقيقًا، موضحًا أنه "إذا ما استندنا إلى أرقام عام 2025، فإن قيمة الاستيراد بلغت نحو 21 مليار دولار، وهو مستوى مرتفع مقارنة بعام 2019 حين كانت الواردات أقل من 20 مليار دولار رغم أن الوضع الاقتصادي كان أفضل نسبيًا".

ويشرح أن هذا "الرقم يتضمّن نحو 3 مليارات دولار من الذهب والفضة، وهي بنود لا تُصنّف ضمن الاستهلاك المباشر، إضافة إلى ما يقارب 4 مليارات دولار من الفيول، وهو بند لا يمكن مقارنته بالصادرات الصناعية أو الاستهلاكية. كما تشمل الواردات ما يقارب مليار دولار من الحيوانات الحية والخردة والفواكه والسيارات التي لا تُصنع في لبنان".

وبعد استبعاد هذه البنود، يقدّر بكداش "حجم الواردات الاستهلاكية الفعلية بما بين 11 و12 مليار دولار. ومن هذا الرقم، هناك نحو 4 مليارات دولار تمثل مواد أولية تستخدمها المصانع اللبنانية في عمليات الإنتاج وليست مخصصة للاستهلاك النهائي. وبالتالي ينخفض حجم الاستيراد الاستهلاكي إلى ما بين 7 و8 مليارات دولار فقط".

ويشير إلى أن "الإنتاج الصناعي اللبناني داخل السوق المحلية يقدّر بما لا يقل عن 10 مليارات دولار، ما يعني أن الصناعة اللبنانية تستحوذ على ما يُقارب 56 في المئة من السوق المحلي". ومن هنا، يعتبر أن "المقولة الشائعة بأن لبنان يستهلك معظم احتياجاته من الخارج لا تعكس الواقع الاقتصادي بدقة".

في المحصلة، تبدو الصناعة اللبنانية اليوم أمام اختبار صعب يجمع بين تحديات الإنتاج والتصدير وتراجع الطلب المحلي، في وقت تتزايد فيه الضغوط على المؤسسات الصناعية وقدرتها على الاستمرار. وبينما يثبت القطاع قدرته على التأقلم والصمود رغم الأزمات، يبقى مستقبله مرتبطًا بتحسّن البيئة الاقتصادية والأمنية وتوفير مقومات الدعم اللازمة للإنتاج. وفي ظل استمرار الاعتماد على الصناعة كأحد القطاعات القادرة على خلق القيمة المضافة وفرص العمل، تبرز الحاجة إلى سياسات اقتصادية أكثر فاعلية تعزز الإنتاج المحلي وتدعم تنافسيته في الداخل والخارج.

رماح هاشم - نداء الوطن

أقرأ أيضاَ

إنفوغراف: المغرب يتصدر أفريقيا في مؤشر الصناعة

أقرأ أيضاَ

نقص المواد الخام يضغط على الصناعة الألمانية ويهدد بخفض الإنتاج