تشريح المصارف السورية: 3 خيارات تحدد مصير إعادة الإعمار -- Jun 16 , 2026 25
تتحضّر المنظومة المالية الحكوميّة في سوريا لورشة صيانة هيكلية هي الأكبر في تاريخها الحديث، يقودها قطب استشاري أمريكي وبتمويل خليجي مباشر. فقد أنهت شركة "أوليفر وايمان" العالمية المرحلة الأولى من عملية تقييم وتحليل نظام عمليات المصارف الحكومية الستة، واضعة أصحاب القرار في دمشق أمام ثلاثة مسارات حاسمة ستحدد وجهة الاقتصاد السوري وخطط إعادة الإعمار المتعثرة.
وتأتي هذه التحركات الاستشاريّة بموجب مذكرة تفاهم جرى توقيعها في واشنطن بين وزير المالية السوري محمد يسر برنية وصندوق قطر للتنمية برفقة الشركة الأمريكية، في خطوة تحظى بدعم لافت من وزارة الخزانة الأمريكية والبنك الدولي، مما يعكس رغبة دوليّة مغلّفة بطابع فني لإعادة تأهيل القنوات المالية السوريّة وتمهيد الطريق لدمجها مجدداً في النظام المالي العالمي.
تشخيص الصدمة: أرقام متهالكة
وفي هذا السياق، يرى الخبير الاقتصادي الدكتور محمود عبد الكريم في حديثه مع "المدن" أن "هذه الخطوة ليست عملية تدقيق عادية، بل قرار سيشكل وجه القطاع المصرفي في سوريا لسنوات طويلة مقبلة، لأنه سيحدد مصير مصارف تستحوذ على معظم النشاط المصرفي في البلاد". ويشير عبد الكريم إلى أرقام صادمة تعكس حجم الأزمة، إذ يوضح أن أصول القطاع المصرفي السوريّ بأكمله لا تتجاوز 5 مليارات دولار، ورأس المال الإجمالي للنظام كلّه يقلُّ عن 800 مليون دولار، في حين أن 40 بالمئة من فروع المصارف باتت خارج الخدمة.
ويؤكد عبد الكريم أنَّ القطاع المصرفي السوري بأكمله يعادل بالكاد مصرفاً واحداً متوسط الحجم في الأردن أو مصر، علماً أن المصرف التجاري السوري وحده يستحوذ تاريخياً على نحو 80 بالمئة من نشاط القطاع العام ويوظِّف قرابة 4500 شخص، الأمر الذي يوضح ضخامة التحدي وحجم الفجوة المراد ردمها.
جراحة مصرفية عميقة
ويستعرض الخبير الاقتصادي المسارات الثلاثة المتاحة التي وضعتها الشركة الاستشارية أمام وزير المالية، مشيراً إلى أن الخيار الأول قد يتمثل في تحويل المصارف الحكومية إلى شركات مساهمة تبقى ملكيتها للدولة ولكن بفكر إداري جديد وتعيينات ورواتب تقوم على الكفاءة، والهدف هنا هو إخراج المصارف من قواعد الوظيفة العامة والبيروقراطية لتصبح قراراتها الائتمانية مبنية على الجدوى الاقتصادية البحتة، وإن كانت المعضلة بحسب عبد الكريم في هذا الخيار، أن بقاء الملكيّة بيد الدولة يُبقي على المخاطر السياسية وظل العقوبات المحتملة التي تفرز تردداً لدى المصارف الأجنبية في التعامل معها.
أما الخيار الثاني بحسب عبد الكريم، فهو الخصخصة الكاملة وبيع المصارف لمستثمرين خاصين أو مصارف خارجية، وهو توجه راديكالي يُسرِّع الإصلاح، لكنّه يطرح مشكلة انخفاض القيمة السوقية الحالية لهذه البنوك، ما يجعل البيع اليوم أشبه ببيع أصل استراتيجي بسعرٍ بخس، في وقت يحتاج فيه الاقتصاد السوري لنحو 215 مليار دولار لإعادة الإعمار، وهي أموال لا يمكن أن تتدفق دون قطاع مصرفي قادر على استقبالها.
ويتابع عبد الكريم مبيّناً أن "الخيار الثالث، المتمثل في الشراكة الاستراتيجية مع مصارف خليجية أو أجنبية عبر بيع حصة لا تتجاوز 49 بالمئة والاحتفاظ بحصة الأغلبية، هو الأقرب للتنفيذ"، مستشهداً ببدء هذا المسار فعليّاً في القطاع الخاص حين استحوذت شركة استثمار قطرية على حصة مماثلة في بنك شهبا في نيسان، إذ يضمن هذا التوجه جّلبَ الخبرة والتكنولوجيا ورأس المال وإعادة المصرف للشبكة الدولية دون المساس بالقرار السيادي.
عقم الهياكل القديمة
ومن أروقة هذا التقييم ينبثق تساؤل جوهري حول جدوى استمرار الملكية الحكومية الكاملة لهذه المصارف، في وقت يستعدُّ فيه السوق السوريّ للانفتاح على مصارف خاصة وأجنبية تمتلك ترسانة تكنولوجية ومرونة عالية. وهنا يؤكد الدكتور محمود عبد الكريم أن "القدرة التنافسية للمصارف العامة بصيغتها الحالية تبدو شبه معدومة، فبينما تُقدّم البنوك الوافدة بطاقات دفع دوليّة وقروضاً مرنة وحلولاً رقميّة آنيّة، يستغرق فتح حساب في مصرف حكومي أسابيع من الموافقات البيروقراطية".
ولذلك فإن آلية العمل في المرحلة المقبلة وفقاً لرأي الخبير الاقتصادي لن تكون مجرد تجميل للمشهد، بل "إعادة صياغة جذرية لطريقة الإدارة وبما يضمن تخليّ هذه المصارف عن عقلية الوظيفة العامة، واعتماد معايير بازل لكفاية رأس المال لضمان امتصاص الصدمات والخسائر، مع فصل وظائف الإقراض عن المخاطر، وربط سُلَّم الأجور بالأداء والكفاءة لا بالأقدمية وسنوات الخدمة لضمان الصمود في وجه المنافسة الشرسة"، معتبراً أن البقاء دون تغيير ليس استمراراً بل تأجيلاً قطعيّاً للانهيار.
تنظيف الميزانيات الميّتة
وفيما يتعلق بالمعضلة الأكبر المتمثلة في القروض المتعثّرة التي توقّف أصحابها عن السداد، يبيّن عبد الكريم أن "التقديرات تشير إلى أن ما بين 50 و75 بالمئة من قروض المصارف الحكومية هي قروض متعثّرة أو غير قابلة للتحصيل، وهي فجوة هائلة يعجز المصرف عن تغطيتها من أرباحه، مما يدفع نحو تبني نموذج "البنك السيئ" المطبّق عالميّاً في أمريكا وأيرلندا وماليزيا، عبر إنشاء شركة منفصلة تستلم هذه القروض الميّتة وتحاول تحصيلها عبر إعادة الجدولة أو تسييل الضمانات أو الإعفاء الجزئي."
وينبّه الخبير الاقتصادي إلى أنَّ الخزينة العامة والمال العام، وبالتالي المواطن السوريّ، هم من سيتحمَّلون هذه الخسائر في نهاية المطاف. ويعتبر عبد الكريم أنَّ المرسوم التشريعي رقم 70 لعام 2026، والذي يقدِّم إعفاءات للمتأخرين من الفوائد والغرامات ويسمح بإعادة جدولة الديون التي تتجاوز مئة مليون ليرة لمدة ثلاث سنوات مقابل دفعةٍ أولى بنسبة 15 بالمئة، لا يحمل بعداً اجتماعياً فقط، بل يهدف بالدرجة الأولى إلى تنظيف ميزانيات المصارف وتجهيز بياناتها لاستقبال الشركاء الاستراتيجيين المرتقبين الذين يشترطون الاعتماد على الهياكل القائمة بدل التأسيس من الصفر.
شروط الصندوق: نمو موعود وآلام عابرة
أما عن تداعيات هذا الإصلاح الهيكلي المرتبط بشروط صندوق النقد الدولي وضوابطه القائمة على الضبط المالي والتحرير الاقتصادي وخصخصة المؤسسات العامة تمهيداً للاندماج في النظام العالمي، فيرى عبد الكريم أن "التأثير سيكون إيجابياً على المدى المتوسط والطويل لكونه يفتح الباب لتدفق أموال إعادة الإعمار". ويتوقع البنك الدولي نمواً متواضعاً بنسبة واحد بالمئة للاقتصاد السوري، لكنّ المصرف المركزي يرى إمكانية القفز إلى أرقام مضاعفة خلال عام واحد إذا توازت إصلاحات المصارف وتكاملت مع قطاعي النفط والغاز.
وعلى صعيد المواطن، يوضح عبد الكريم أن "عودة بطاقات الدفع الدوليّة ستنهي قيود السحب اليومي وتُسهِل تحويلات المغتربين وتُحرك سوق القروض العقارية والاستهلاكية وتخفض كلفتها، لكنَّ المرحلة الانتقالية ستحمل آلاماً ملموسة على المدى القصير تتمثل في إمكانية إغلاق بعض الفروع، وتأخرٍ في بعض الخدمات، وضغط تقشفي مؤقت على الموازنة العامة ينعكس على الشارع".
حتمية "صندوق الانتقال"
وتظل المسألة الأكثر حساسية اجتماعياً هي مصير الموظفين، إذ يشير عبد الكريم إلى أنَّ "التجارب الدوليّة في إعادة هيكلة المصارف الحكومية من بولندا والمجر إلى اليونان وإسبانيا والعراق، تكشف أن حجم العمالة ينخفض عادة بنسب تتراوح بين 20 و40 بالمئة خلال السنوات الأولى".
وينوه الخبير الاقتصادي إلى أن هذا لا يعني تسريحاً جماعيّاً، بل يتطلَّب إطلاق "صندوق انتقال" يُموَّل من عوائد بيع الأصول أو قروض صندوق النقد الدولي المتوقعة، لتأمين تعويضات مجزية وبرامج تقاعد مبكر بحوافز مالية، وعدم استبدال من يغادرون، إلى جانب إعادة تأهيل الكوادر الشابة للانتقال من الوظائف التقليدية كالصرافة والعدّ إلى وظائف رقميّة تتعلق بخدمة العملاء وإدارة المخاطر والامتثال، مما يفتح لهم أبواب القطاع الخاص.
خارطة الطريق الأخيرة
إذاً، لا تتعارض هذه الخيارات الثلاثة، بل تعدّ أدوات تناسب طبيعة ونشاط كل مصرف على حدة؛ فبينما تذهب توقعات عبد الكريم إلى أن يحافظ المصرف التجاري السوري على هويته كشركة مساهمة عامة بأغلبية حكومية نظراً لحجمه ودوره في تمويل التجارة الخارجية، يبدو مصرفا العقاري والتسليف الشعبي مؤهَّلين لشراكات استراتيجية مع مجموعات مصرفية عربية وخليجية تحديداً.
وفي المقابل، يرى عبد الكريم إمكانية تحويل المصرفين الصناعي والزراعي التعاوني إلى بنوك تنمية متخصصة تحاكي التجربتين المغربية والتركية، على أن يكون مصرف التوفير هو الأقرب للدمج أو الخصخصة الكاملة. ويشدد في النهاية على أنَّ "نجاح هذه الورشة لا يقاس بسرعتها بل بترتيبها الزمني الصحيح الذي يبدأ بتنظيف الميزانيات أولاً، ثم إعادة الرسملة، يليه استقدام الشركاء، وصولاً إلى الانفتاح التدريجي على المنافسة، لكي تتحول المصارف العامة من عبءٍ يستنزف الدولة إلى رافعة حقيقية لنهضة الاقتصاد السوري الذي يحتاج إلى صبر مالي بقدر حاجته لرؤية اقتصادية واضحة".
رهام علي - المدن