بنوك "وول ستريت" تكثف التوظيف في الخليج لمواكبة "صفقات الحرب"

بنوك "وول ستريت" تكثف التوظيف في الخليج لمواكبة "صفقات الحرب" -- Jul 02 , 2026 11

مع اندلاع الحرب بمنطقة الشرق الأوسط في فبراير، كانت بنوك وول ستريت تستعد لاحتمال تباطؤ طويل الأمد في نشاط المنطقة. لكن بعد مرور ثلاثة أشهر، تتجه العديد من المؤسسات المالية إلى توظيف المزيد من المصرفيين، بعدما تجاهل المستثمرون المحليون إلى حد كبير تداعيات الصراع وواصلوا تكثيف نشاط إبرام الصفقات.

ارتفعت قيمة الصفقات التي شاركت فيها جهات خليجية بنحو 200% خلال النصف الأول من العام لتصل إلى نحو 300 مليار دولار، وفق بيانات جمعتها "بلومبرغ". وجاء ذلك بدعم من استثمارات ضخمة في شركات تقود طفرة الذكاء الاصطناعي، مثل "أوبن إيه آي" (OpenAI) و"أنثروبيك" (Anthropic)، ما ساعد نشاط إبرام الصفقات على التعافي بقوة بعد تراجعه بنحو 15% على أساس سنوي في مارس، مع بداية الحرب.

كما دفعت حرب إيران حكومات المنطقة إلى تسريع خطط زيادة الإنفاق على البنية التحتية والدفاع، وهو ما قد يفتح الباب أمام استثمارات جديدة بمليارات الدولارات وفرص أعمال مجزية لبنوك وول ستريت.

رغم الحرب.. ارتفاع إيرادات البنوك من أعمالها في الشرق الأوسط
بحسب بيانات "ديلوجيك" (Dealogic)، ارتفعت إيرادات بنوك الاستثمار من أعمالها في الشرق الأوسط بنحو 5% خلال النصف الأول من العام إلى 619 مليون دولار، مدفوعةً بقفزة بنسبة 55% في رسوم صفقات الاندماج والاستحواذ، وهو ما عوض تراجع إيرادات أسواق إصدار الأسهم.

أدى الانتعاش في نشاط الصفقات خلال فترة الحرب إلى تغيير توقعات عدد من بنوك الاستثمار العاملة في المنطقة. وقال شخص مطلع إن أحد أبرز بنوك الاستثمار، الذي كان يتوقع سابقاً عدم تحقيق أهدافه السنوية، بات الآن على المسار الصحيح لتحقيقها، ويعتزم زيادة عدد موظفيه.

وأضاف شخص آخر أن بنكاً استثمارياً ثانياً فوجئ أيضاً بحجم الصفقات، ويعمل حالياً على صفقات استثمارية خارج المنطقة، إلى جانب مشاريع البنية التحتية والدفاع داخل الشرق الأوسط.

 

موجة التوظيف في الخليج مستمرة
أدى هذا النشاط المتزايد إلى موجة توظيف مستمرة منذ بداية العام. فقد نقل بنك "باركليز" مصرفي الطاقة جورج تانر من لندن إلى دبي في إطار خططه لتوسيع حضوره الإقليمي، فيما يعمل كل من "جيه بي مورغان" و"ستاندرد تشارترد" و"دويتشه بنك" و"روتشايلد آند كو" (Rothschild & Co) على تعزيز فرق العمل في المنطقة، بحسب أشخاص مطلعين.

كذلك تواصل مؤسسات أخرى، مثل "سيتي غروب" و"لازارد"، الإعلان عن وظائف في دبي، وفق إعلانات منشورة على منصة "لينكد إن". وفي السياق نفسه، يسعى أحد البنوك الصينية إلى توظيف مصرفيين في دبي ضمن خططه لتعزيز الإدراجات المزدوجة بين بورصة هونغ كونغ وأسواق المال في الإمارات، بحسب شخص مطلع.

ولم يقتصر التوسع على البنوك، إذ عززت مكاتب محاماة دولية أيضاً وجودها في المنطقة، من بينها "سكادام، أربس، سليت، ميغر آند فلوم" (Skadden, Arps, Slate, Meagher & Flom LLP) التي تتخذ من نيويورك مقراً لها، إذ افتتحت مكتباً لها في أبوظبي العام الماضي وزادت عدد موظفيها.

رفض ممثلون عن بنوك "سيتي غروب" و"لازارد" و"روتشيلد" و"باركليز" التعليق على خطط التوظيف.

وقال راجيش سينغي، الرئيس العالمي لاستشارات الاندماج والاستحواذ في "ستاندرد تشارترد"، إن البنك يواصل استقطاب الكفاءات القيادية بشكل انتقائي، "انطلاقاً من قناعته بأن الشرق الأوسط سيؤدي دوراً متزايد الأهمية في تدفقات رؤوس الأموال العالمية ونشاط إبرام الصفقات".

من جانبه، أوضح متحدث باسم "جيه بي مورغان" أن وتيرة التوظيف لدى البنك تعكس احتياجات أعماله وعملائه، فيما أكد ماجد جلفار، رئيس تغطية الشركات لمنطقة الشرق الأوسط وأفريقيا والمسؤول التنفيذي لدى "دويتشه بنك" في الإمارات ، أن المنطقة تتمتع بـ"أسس اقتصادية قوية وآفاق نمو طويلة الأجل".

 

استقطاب الكفاءات يمثل تحدياً
للتأكد، لا تزال تحديات إقليمية كبيرة قائمة، من بينها استقطاب الكفاءات. فرغم عودة كثير من المصرفيين والمتداولين وكبار التنفيذيين الذين انتقلوا مؤقتاً بعد استهداف الصواريخ الإيرانية للمنطقة، إلا أن حالة عدم اليقين لا تزال مستمرة. كما تعثرت المفاوضات بين أميركا وإيران بسبب قضايا خلافية، وتعرضت مراراً للتوقف نتيجة هجمات متبادلة بين الجانبين.

قال غريغوري أغيوس، الرئيس التنفيذي لشركة "أغيوس آند بارتنرز" (Agius & Partners) المتخصصة في التوظيف بمجالي التمويل والخدمات المصرفية الخاصة، ومقرها سويسرا: "شهدنا بالتأكيد تحولاً في الأجواء". وأضاف أن انخفاض الضرائب، والنمو، ونمط الحياة، وتركيز رؤوس الأموال في المنطقة بأكملها لا تزال عوامل جذب قوية، لكن المرشحين أصبحوا أكثر انتقائية.

وأوضح أغيوس: "أصبح القرار الآن يتعلق بالسلامة الشخصية، وهذا يغير كل شيء". وأضاف: "يتعين على أصحاب العمل أن يكونوا أكثر تنافسية فيما يتعلق بالتعويضات، ودعم الانتقال، والرؤية طويلة الأجل".

تأثير الحرب على الصفقات والاكتتابات
أثرت الحرب في بعض مجالات إبرام الصفقات، بما في ذلك الطروحات العامة الأولية. فقد جرى تأجيل أو إلغاء عدد من الاكتتابات العامة الأولية في المنطقة بعد اندلاع الحرب، وسط مخاوف لدى المساهمين من أن تؤثر التقلبات الجيوسياسية في أداء تداول الأسهم.

أضرت الحرب أيضاً بنشاط إبرام الصفقات في قطاعات مثل البناء، وتجارة التجزئة، والضيافة، حسبما ذكر جورج تراوب، الشريك الإداري في شركة "لومينا كابيتال أدفايزرز" (Lumina Capital Advisers). لكنه أشار إلى أن عمليات الاندماج والاستحواذ في القطاعات الاستراتيجية لا تزال مستمرة، "بل إن بعضها يكتسب زخماً أكبر"، في مجالات حيوية مثل الأمن الغذائي، والطاقة، وخدمات البنية التحتية، والخدمات اللوجستية، والدفاع، وهي قطاعات تتطلب صفقات أكبر حجماً، وتمويلات عابرة للحدود، وهياكل تمويلية أكثر تعقيداً.

 

وبعد أسابيع من اندلاع الحرب التي بدأت عندما هاجمت إسرائيل وأميركا إيران، وأدت إلى رد من طهران، أقر بعض كبار المسؤولين التنفيذيين في وول ستريت بوجود "رياح معاكسة على المدى القريب" تواجه المنطقة. ومع ذلك، سارع كثيرون إلى إبداء الدعم، والمراهنة على أن حكومات الخليج ستستخدم ثرواتها النفطية للعب دور أكبر على الساحة العالمية. وقال ديفيد سولومون، الرئيس التنفيذي لمجموعة "غولدمان ساكس" لـ"بلومبرغ نيوز" في ذلك الوقت: "طموحات عملائنا في مختلف أنحاء المنطقة لم تتغير".

صناديق الثروة الخليجية تواصل الاستثمار
في الواقع، واصل المستثمرون في الشرق الأوسط ضخ مليارات الدولارات في مختلف القطاعات. فقد التزمت صناديق الثروة الخليجية باستثمارات قياسية بلغت 53.9 مليار دولار منذ بداية العام حتى الآن، ذهب نصفها إلى أميركا، تلتها الصين، ثم المملكة المتحدة، فيما كان قطاع التكنولوجيا الأكثر استقطاباً للاستثمارات، بحسب دييغو لوبيز، المدير الإداري لشركة "غلوبال إس دبليو إف" (Global SWF).

وقال لوبيز: "تصدرت (مبادلة) مجدداً قائمة أكثر الصناديق نشاطاً، بعدما استثمرت 15.2 مليار دولار على مستوى المجموعة". وأضاف: "كما لم تُظهر الصناديق الخليجية السبعة الأخرى أي مؤشرات على التباطؤ، رغم الحرب الإيرانية".

وتشرف صناديق الثروة الخليجية مجتمعة على أصول تقترب قيمتها من 5 تريليونات دولار، وكانت منذ فترة طويلة من أبرز الداعمين للصفقات العالمية. وعلى مر السنوات، وفي أوقات الاضطرابات المالية، كثيراً ما تدخلت هذه الصناديق بصفتها ممول الملاذ الأخير. أما هذه المرة، ومع وقوع الصراع على مقربة من حدودها، فقد كشفت الحكومات الإقليمية أيضاً عن مجموعة واسعة من الخطط لتعزيز قدراتها في مجالات رئيسية.

 

مشاريع استراتيجية في السعودية والإمارات والكويت
على سبيل المثال، تعمل الإمارات على خطة تهدف إلى إنهاء اعتمادها على مضيق هرمز. ويتمثل جوهر الخطة في توسيع موانئها الشرقية الواقعة خارج هذا الممر البحري الحيوي على ساحل خليج عُمان. وفي الوقت نفسه، تنضم شركة "لِعماد" في أبوظبي إلى شركاء محليين ودوليين في مشروع استثماري يستهدف مشاريع بنية تحتية بقيمة 30 مليار دولار.

في السعودية، وضع مسؤولو "أرامكو" أكثر خطط الخصخصة طموحاً في تاريخ الشركة، مدفوعةً بالرغبة في تعزيز الميزانية العمومية، ومن المتوقع أن تجمع هذه الصفقات في نهاية المطاف ما يصل إلى 35 مليار دولار، بحسب "بلومبرغ نيوز".

أما في الكويت، فتتنافس مجموعة من أكبر المستثمرين العالميين، من بينهم "بلاك روك" عبر ذراعها "غلوبال إنفراستركتشر بارتنرز" (Global Infrastructure Partners)، و"بروكفيلد أسيت مانجمنت" (Brookfield Asset Management)، للفوز بحصة تبلغ قيمتها 7.5 مليار دولار في شبكة خطوط الأنابيب التابعة لشركة النفط الحكومية.

وبعد شهرين من اندلاع الحرب، كان نافيد محمود زادغان، الرئيس التنفيذي لشركة "موليس آند كو"، يتحدث بالفعل عن "عودة الأمور إلى طبيعتها" في الشرق الأوسط، حيث ترتبط الشركة بعلاقات وثيقة مع حكومات المنطقة، وتُعدّ قوة مؤثرة في إبرام الصفقات. وقال: "هناك فرصة حقيقية، عندما نتجاوز هذه المرحلة، للوصول إلى شرق أوسط جديد". 

 

المصدر:
بلومبرغ

أقرأ أيضاَ

سعيد: المصرف المركزي وسيلة لتأمين الاستقرار النقدي والمالي

أقرأ أيضاَ

خبر سار... تخفيض الفائدة على القروض السكنية