كيف تشق سيارات الأجرة ذاتية القيادة طريقها رغم العقبات؟ -- Jul 06 , 2026 24
على مدى أكثر من عقد، روّجت شركات التكنولوجيا الكبرى لسيارات الأجرة ذاتية القيادة باعتبارها وسيلةً لنقل الأشخاص داخل المدن بمزيد من الأمان والكفاءة. ومنذ عام 2018، بدأ تشغيلها على نطاق محدود، مع تصدر الولايات المتحدة، والصين، هذا التوجه.
وخلال العام الماضي، أصبح بإمكان المستخدمين في كرواتيا، وسنغافورة، ودبي، وأبوظبي، والرياض، طلب سيارات أجرة ذاتية القيادة، وقد تنضم لندن قريباً إلى هذه القائمة. لكن التقدم جاء أبطأ من المتوقع، إذ واجه مطورو سيارات الأجرة ذاتية القيادة مجموعةً من التحديات اللوجستية، والعقبات التنظيمية. ولا يزال يتعين تجاوز هذه العقبات قبل أن تتمكن هذه المركبات من مزاحمة سيارات الأجرة التقليدية على نطاق واسع.
ما جدوى سيارات الأجرة ذاتية القيادة؟
عندما أعلنت "جوجل" مشروعاً بحثياً لتطوير السيارات ذاتية القيادة في عام 2010، رسم مهندسو الشركة صورةً لمستقبل مثالي يتحرر فيه الناس من قيادة السيارات، بما يتيح لهم ممارسة أنشطة أكثر فائدة أو أقل رتابة أثناء التنقل. وكان التصور الضمني أن القيادة قد تكون عملاً مرهقاً، وأن امتلاك سيارة خاصة يمثل عبئاً غير ضروري ومكلفاً، حتى وإن كان أحياناً مصدراً للمتعة. ووفقاً لهذا التصور، ستحل شبكات السيارات ذاتية القيادة تدريجياً محل الانتشار الواسع لملكية السيارات الخاصة، إذ يمكن استئجارها فوراً لرحلات فردية في أي مكان وأي وقت.
ويقول مؤيدو سيارات الأجرة ذاتية القيادة إنها أفضل للبيئة. فهي تستهلك طاقة أقل من السيارات التي يقودها البشر، لأنها تحسن اختيار المسارات، وتتجنب الكبح والتسارع غير الضروريين. كما يمكن لأساطيل سيارات الأجرة ذاتية القيادة أن تحسن انسيابية حركة المرور في المناطق الحضرية، بما يقلص الازدحام. وبينما ستبقى السيارات الخاصة متوقفة معظم الوقت، يمكن تشغيل سيارات الأجرة ذاتية القيادة بصورة متواصلة. وبالتالي، فإن التحول إليها يعني زيادة عدد الركاب الذين يستخدمون كل سيارة، وتقليص عدد السيارات على الطرق إجمالاً.
اقترح الرئيس التنفيذي لشركة "تسلا" (Tesla)، إيلون ماسك، أن يتعايش النموذجان للنقل الشخصي معاً، إذ يمكن لمالكي سيارات "تسلا" تأجير سياراتهم لدعم شبكة سيارات الأجرة ذاتية القيادة التابعة للشركة لتلبية طلبات النقل، بدلاً من تركها متوقفة أمام المنازل، في نموذج يشبه عرض منزلك للإيجار عبر " إير بي إن بي" (Airbnb). (ومن المفترض بالطبع أن يحرص مالك سيارة "تسلا" أولاً على تنظيف فتات رقائق البطاطس من المقاعد الخلفية).
سيتيح التعاون مع أساطيل سيارات الأجرة ذاتية القيادة، أو امتلاكها، لشركات خدمات النقل التشاركي مثل أوبر (Uber)، وليفت (Lyft)، الاستغناء عن خدمات عشرات الملايين من السائقين، الذين تمثل أجورهم أكبر تكلفة في هذا القطاع.
أين يمكنك استقلال سيارة أجرة ذاتية القيادة؟
في معظم الأماكن، لا يمكنك ذلك حتى الآن. وحتى يونيو، كانت خدمات سيارات الأجرة ذاتية القيادة متاحة في نحو 24 مدينة في الولايات المتحدة والصين، وغالباً ما تقتصر على المناطق الحضرية المركزية، حيث يكون الطلب الأعلى. ويمكن طلبها عبر تطبيقات مخصصة تديرها وايمو (Waymo) التابعة لـ"جوجل"، و"تسلا روبوتاكسي" (Tesla Robotaxi)، و"أبولو غو" (Apollo Go) التابعة لـ"بايدو" (Baidu)، و"بوني بايلوت بلس" (PonyPilot+) التابعة لـ"بوني إيه آي" (PonyAI)، أو عبر منصات خارجية تشمل "أوبر"، و"ليفت"، و"ويتشات" (WeChat)، و"علي باي" (AliPay). كما أُطلقت خدمات ناشئة لسيارات الأجرة ذاتية القيادة في عدد من المدن الأوروبية، والشرق الأوسط، وسنغافورة.
لا تزال سيارات الأجرة ذاتية القيادة أقل كثيراً في العدد من سيارات الأجرة التي يقودها البشر، ومن غير المرجح أن يتغير هذا الوضع في المستقبل المنظور. ووفقاً لـ"بلومبرغ إن إي إف"، يُتوقع أن يرتفع عدد سيارات الأجرة ذاتية القيادة من نحو 8 آلاف سيارة في عام 2025 إلى 18 ألف سيارة في 2026. لكن بحلول عام 2036، ستظل تمثل 1% فقط من إجمالي أسطول سيارات الركاب العالمي. (وترتفع مساهمتها التقديرية في ذلك العام إلى 2% عند قياس عدد أميال نقل الركاب، نظراً إلى استخدامها بوتيرة أعلى بكثير من السيارات التقليدية).
هل يعد استخدام سيارات الأجرة ذاتية القيادة أقل تكلفة؟
وفقاً لشركة تجميع أسعار خدمات النقل "أوبي" (Obi)، ظلت رحلات "وايمو" في منطقة سان فرانسيسكو أعلى تكلفة من خدمات النقل التشاركي التابعة لـ"أوبر"، و"ليفت". إذ بلغ متوسط سعر رحلة "وايمو" 23.24 دولار في مارس وأبريل مقارنةً مع 18.32 دولار لرحلة عبر "أوبر"، و17.29 دولار عبر "ليفت". أما في الرحلات الطويلة، فيدفع مستخدمو "وايمو" أقل مما يدفعه مستخدمو خدمات النقل التشاركي التقليدية.
ويرجع ارتفاع أسعار رحلات "وايمو" إلى عدة عوامل، أبرزها ارتفاع التكاليف الرأسمالية، ومحدودية المعروض من السيارات، وهي عوامل تفوق حالياً الوفورات الناتجة عن الاستغناء عن السائقين. وإلى جانب تكاليف مطابقة السيارات بالركاب، تنفق "وايمو" على الشراكات، ومستودعات السيارات، ومحطات الشحن التي تتطلب موظفين على مدار الساعة. كما لا تزال تكلفة إنتاج سيارة مزودة بأجهزة كمبيوتر، وحساسات، أو كاميرات، مرتفعة. وحتى ترتفع وتيرة إنتاج السيارات بشكل ملموس، وينتشر استخدام سيارات الأجرة ذاتية القيادة، سيظل تحقيق التعادل بين الإيرادات، والتكاليف، تحدياً أمام مشغلي هذه الخدمات.
طالع أيضاً: دبي تستعد لتشغيل رحلات التاكسي الجوي التجارية نهاية 2026
أيضاً، تكلف رحلات سيارات الأجرة ذاتية القيادة في الصين أقل بكثير منها في الولايات المتحدة، إذ تمكن المشغلون المحليون من التعاون مع قطاع السيارات الكهربائية الضخم في الصين لطرح هذه المركبات في السوق بوتيرة أسرع، وبتكلفة أقل من أي مكان آخر. ومع ذلك، لا تزال هذه الرحلات أعلى تكلفة من خدمات النقل المحلية مثل "ديدي" (Didi)، وفقاً لبحوث "بلومبرغ إن إي إف". وقالت شركات مثل "بوني إيه آي" إنها تستهدف الوصول إلى مستوى أسعار سيارات الأجرة المحلية. كما تراهن على تفضيل المستهلكين المحليين للخصوصية، والنظافة (إذ يدخن سائقو سيارات الأجرة في الصين كثيراً)، إضافةً إلى عامل التجربة الجديدة لكسب العملاء.
كيف تعمل سيارات الأجرة ذاتية القيادة؟
تستخدم هذه المركبات عدداً كبيراً من الكاميرات، وأجهزة الاستشعار الأخرى، المتصلة بحاسوب مدمج يتولى توجيه حركة السيارة. وتزود أجهزة الاستشعار الحاسوب ببيانات آنية عما يحدث حول المركبة. ثم تُقارن هذه البيانات بقاعدة بيانات ضخمة تضم خرائط الطرق، وسيناريوهات القيادة، جُمعت من مليارات الأميال المقطوعة، بهدف اختيار الاستجابة المثلى لكل حالة على الطريق. وبذلك تعرف السيارة متى تكبح بقوة إذا دخل أحد المشاة في مسارها، أو متى تمنح حق المرور للمركبات الأخرى عند التقاطعات. ويتعلم البرنامج باستمرار، إذ تجمع كل مركبة ضمن الشبكة البيانات، وتشاركها مع بقية المركبات.
تعتمد جميع أنظمة القيادة الذاتية الكاملة على الرؤية القائمة على الكاميرات. ويجمع كثير منها بين الكاميرات، وأجهزة استشعار أخرى مثل الليدار (تحديد المدى عن طريق الضوء أو الليزر. إضافة المترجم)، والرادار، اللذين يتفوقان في المواقف التي تكون فيها الكاميرات أقل كفاءة، بما يعزز إدراك المركبة لمحيطها وقدرتها على التعامل مع الظروف غير المتوقعة. وفي معظم سيارات الأجرة ذاتية القيادة، تُعد هذه المستشعرات الخارجية السمة الأبرز التي تميزها عن السيارات الكهربائية العادية. ويُعد استثناءً من ذلك "أمازون"، التي تشغل ما يصل إلى 75 سيارة أجرة ذاتية القيادة من طراز"زوكس" (Zoox) في لاس فيغاس، وسان فرانسيسكو. وتتميز هذه المركبات بتصميم مبتكر، إذ تتقابل مقاعد الركاب، ولا تحتوي على عجلة قيادة أو دواسات.
جميع سيارات الأجرة ذاتية القيادة كهربائية، لأن البطاريات الأصغر في السيارات العاملة بالبنزين، والديزل، لا تستطيع توفير الطاقة اللازمة لقدرات الحوسبة المكثفة المطلوبة. كما تستخدم جميعها الذكاء الاصطناعي بدرجات متفاوتة لفهم البيئة المحيطة بها. ويعتمد المطورون الذكاء الاصطناعي إما لأداء مهام محددة، أو لإدارة النظام بالكامل من البداية إلى النهاية. ولكل من النهجين مزاياه، وعيوبه، التي يعمل المهندسون على فهمها، والتكيف معها.
ما مدى أمان سيارات الأجرة ذاتية القيادة؟
تشير بيانات الشركات المشغلة لسيارات الأجرة ذاتية القيادة إلى أنها أقل عرضة بكثير للتورط في حوادث اصطدام مقارنةً بالسيارات التقليدية. فالروبوت لا يتشتت بسبب رسالة نصية، أو مكالمة هاتفية، أو شجار الأطفال في المقاعد الخلفية. كما لا يتأثر بعوامل مثل قلة الخبرة، أو ضعف البصر، أو النعاس، أو التشتت، أو تصرفات مستخدمي الطريق الآخرين. ووفقاً للشركة، سجلت سيارات "وايمو" حوادث مميتة، أو حوادث أسفرت عن إصابات خطيرة، بمعدل أقل 13 مرة مقارنةً بالمركبات التي يقودها البشر. لكن غياب تحليلات مستقلة دفع بعض الباحثين إلى التشكيك في هذا الادعاء. كما لا يزال من غير الواضح ما إذا كانت هذه السيارات ستتمكن من الحفاظ على هذا المستوى من السلامة إذا توسع تشغيلها خارج المناطق الحضرية المحدودة.
لكن أداء هذه المركبات لم يكن مثالياً دائماً. ففي 31 مارس، تعطلت فجأةً أكثر من 100 سيارة أجرة ذاتية القيادة تابعة لشركة "بايدو" في شوارع ووهان، ما أدى إلى احتجاز الركاب أثناء رحلاتهم، وفقاً لوسائل إعلام صينية. وقالت الشرطة المحلية إن العطل يُرجح أنه نجم عن خلل في النظام، بينما لم تعلق "بايدو" حتى الآن على السبب.
دخلت سيارات "وايمو" مناطق إنشاءات على الطرق السريعة في فينيكس وسان فرانسيسكو، وعبرت طريقاً غمرته المياه في سان أنطونيو، واقتحمت مسرح جريمة في أوستن، كما توقفت بلا حركة عند أحد التقاطعات بعدما تعطلت إشارات المرور خلال انقطاع الكهرباء في سان فرانسيسكو العام الماضي.
تجري الإدارة الوطنية الأميركية لسلامة المرور على الطرق السريعة تحقيقين منفصلين بشأن "وايمو". يتعلق الأول بحادث وقع في يناير، عندما صدمت سيارة أجرة ذاتية القيادة طفلاً قرب مدرسة في سانتا مونيكا بولاية كاليفورنيا، بعدما اندفع الطفل من خلف سيارة رياضية متعددة الاستخدامات كانت متوقفة في صف ثانٍ، ما أسفر عن إصابته بجروح طفيفة. أما التحقيق الثاني، ففُتح بعد أن أخفقت سيارات الشركة مراراً في خفض سرعتها بالشكل الكافي عند مرور الحافلات المدرسية العام الماضي.
ونتيجة لذلك، أطلقت الشركة ثلاثة تحديثات تصحيحية للبرمجيات منذ ديسمبر لمعالجة بعض الأخطاء، شملت إضافة معلومات تتعلق بحالات انقطاع الكهرباء، وتعليمات لتجنب المناطق المعرضة لخطر الفيضانات، وبيانات إضافية حول الظروف المختلفة المرتبطة بالحافلات المدرسية.
إلى أي مدى تُعد سيارات الأجرة ذاتية القيادة مستقلة بالفعل؟
قبل أن تبدأ خدمة سيارات الأجرة ذاتية القيادة عملياتها التجارية، يقود شخص مركبات مجهزة بالكاميرات، وأجهزة استشعار أخرى، لرسم خرائط للأرصفة، وممرات المشاة، وإشارات التوقف، وإشارات المرور، وغيرها من المعالم، بهدف تعريف برنامج القيادة الذاتية بمنطقة التشغيل، وتمكين السيارة من العمل حتى في حال غياب إشارة نظام تحديد المواقع العالمي (GPS).
بعد اكتمال هذه العملية، يظل فريق من المساعدين البشريين عن بُعد مطلوباً للتدخل عندما تواجه سيارة الأجرة ذاتية القيادة موقفاً لا تستطيع التعامل معه بسهولة، مثل إغلاق طريق، أو تعطل إشارة مرور. وترسل سيارة "وايمو" استفساراً يطلب غالباً توضيحاً أو سياقاً بشأن محيطها، مثل: "هل توجد مركبة طوارئ في الأمام تسد جميع المسارات؟"، أو "هل الطريق مغلق؟". كما يتحقق المشغلون البشريون عن بُعد عبر الكاميرات داخل مقصورة الركاب مما إذا كانت السيارة تحتاج إلى العودة إلى أحد المستودعات لتنظيفها.
بعض الحكومات تفرض حداً أدنى من الإشراف البشري، نظراً إلى المخاطر المحتملة على الأرواح إذا تعرضت سيارة ذاتية القيادة لعطل، أو لاختراق إلكتروني. وفي الصين، يتعين على "بايدو"، و"وي رايد" (WeRide)، و"بوني إيه آي" الالتزام باللوائح المحلية الخاصة بالمشغلين البشريين عن بُعد، بينما تعمل الحكومة على وضع متطلبات وطنية لتدريب هؤلاء المشغلين وتقييمهم.
حتى فبراير، كانت عمليات "وايمو" في الولايات المتحدة تضم 70 مشغلاً عن بُعد توظفهم شركات تعهيد مثل "تاسك يو إس" (TaskUs)، و"ترانسديف" (Transdev)، ويعملون بنظام المناوبات على مدار الساعة. وكان ما يقرب من نصفهم موجودين في ميشيغان وأريزونا، بينما يعمل الباقون في مدينتين بالفلبين. ويُشترط في هؤلاء المشغلين امتلاك رخصة قيادة، وسجل قيادة خالٍ من المخالفات، واجتياز اختبارات تعاطي المخدرات.
كما يتولى أكثر مشغلي "وايمو" خبرةً في الولايات المتحدة التعامل حصرياً مع أكثر المهام تعقيداً، مثل التنسيق مع فرق الاستجابة الأولى، أو معالجة الحوادث، أو ترتيب سحب المركبات. ولا يستطيع هؤلاء الموظفون قيادة السيارات عن بُعد، لكن يمكنهم توجيه السيارة لتنفيذ مناورات محددة، مثل الانتقال إلى المسار الجانبي على أحد الطرق السريعة. كما يتواصل مشغلو الدعم عن بُعد مع فريق منفصل لدعم الركاب، يمكنه التواصل مع المسافرين الذين يحتاجون إلى معلومات أو مساعدة.
ولا يزال من غير الواضح عدد المشرفين عن بُعد الذين سيظل وجودهم ضرورياً على المدى الطويل، لكن يُرجح أن يقل عدد التدخلات المطلوبة بعد تشغيل سيارات الأجرة ذاتية القيادة لفترة في الظروف الواقعية. مع ذلك، فالعدد شبه اللامحدود من الظروف غير الاعتيادية التي قد تطرأ أثناء الرحلات يشير إلى أن المساعدين البشريين عن بُعد سيظلون جزءاً من منظومة التشغيل حتى مع تطور التكنولوجيا.
قال جيمس أوينز، النائب السابق لرئيس الإدارة الوطنية الأميركية لسلامة المرور على الطرق السريعة، والذي يشغل حالياً منصب الرئيس التنفيذي للشؤون القانونية والسياسات في شركة نورو (Nuro) المطورة لسيارات الأجرة ذاتية القيادة: "هل سيتمكن أحد يوماً من الإحاطة بكل ذلك؟ أعتقد أن الإجابة هي: لا. فما يحدث على الطرق أحياناً يتجاوز خيال أي مصمم".
ولا يقتصر دور البشر على الإشراف على القيادة بين حين وآخر، بل يتطلب الأمر أيضاً مستودعات كبيرة يعمل فيها موظفون لفحص المركبات وتنظيفها وشحنها. وكتب أندرو غرانت، رئيس قسم التنقل الذكي في "بلومبرغ إن إي إف": "سيكون العثور على مواقع قريبة من مناطق الطلب على الرحلات، وقادرة على شحن مئات المركبات في الوقت نفسه، ومن دون التسبب في مشكلات للسكان أو السائقين الآخرين، تحدياً كبيراً".
هل هذا هو سبب بطء انتشار سيارات الأجرة ذاتية القيادة؟
إلى جانب التحديات التقنية، هناك أيضاً التحديات التنظيمية.
يحتاج هذا القطاع إلى إطار قانوني ينظم عمله، ويغطي مسائل مثل اختبارات السلامة والمسؤولية عن الحوادث. وتمتلك الصين آليات للموافقة على النماذج الأولية والخدمات التجارية لسيارات الأجرة ذاتية القيادة. وقد أدى العطل الذي تعرضت له سيارات "بايدو" في ووهان خلال مارس إلى تعليق السلطات عمليات الشركة هناك ووقف إصدار تراخيص جديدة للمركبات ذاتية القيادة. (فيما أكدت "بوني إيه آي" و"وي رايد" أن عملياتهما في الصين لم تتأثر).
في الولايات المتحدة، ساهم مطورو سيارات الأجرة ذاتية القيادة في صياغة كثير من اللوائح التي يخضعون لها. لكن هذه القواعد تطبق بصورة متفاوتة من ولاية إلى أخرى، بينما لا توجد مثل هذه اللوائح في بعض الولايات. وبينما أعلنت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب عزمها دعم انتشار سيارات الأجرة ذاتية القيادة على مستوى البلاد لتعزيز المنافسة مع الصين، لا يزال إطار قانوني اتحادي شامل لهذه المركبات غائباً.
وعلى جانب آخر، هناك عقبات تجعل من السهل على معارضي سيارات الأجرة ذاتية القيادة على المستوى المحلي عرقلة انتشارها. ففي نيويورك، حيث مارست "وايمو" ضغوطاً مكثفة للحصول على ترخيص تشغيل، سحبت الحاكمة كاثي هوكول في فبراير مقترحاً كان سيسمح بتشغيل خدمات سيارات الأجرة ذاتية القيادة المدفوعة في الولاية، باستثناء مدينة نيويورك. وأرجع متحدث باسمها القرار إلى غياب الدعم من الأطراف المعنية. ويعتبر تحالف عمال سيارات الأجرة في نيويورك، وهي جماعة مؤثرة تمثل سائقي سيارات الأجرة وخدمات النقل التشاركي، أن "وايمو" تشكل تهديداً لمصادر رزقهم.
وفي بوسطن، حيث تنفذ "وايمو" أعمال رسم الخرائط والاختبارات استعداداً لإطلاق خدماتها، احتجت النقابات المحلية أيضاً على خطط انتشارها، في وقت يدرس فيه مشرعو الولاية إطاراً قانونياً للسيارات ذاتية القيادة.
وتحرك جميع مطوري سيارات الأجرة ذاتية القيادة بحذر وعلى مراحل، لكن انتشار خدمة "تسلا" جاء أبطأ بكثير من المتوقع. وأطلق إيلون ماسك الخدمة في يونيو 2025 معلناً أن السيارات أصبحت جاهزة للقيادة في كل مكان. لكن الشركة لم تتمكن حتى منتصف يونيو إلا من تشغيل أسطول مختلط يضم 69 مركبة، بعضها يعمل من دون إشراف، وبعضها الآخر تحت الإشراف، وعلى نطاق محدود في ثلاث مدن بولاية تكساس.
كما تشغل "تسلا" خدمات نقل تشاركي في منطقة خليج سان فرانسيسكو، لكنها لا تمتلك التصاريح اللازمة لتشغيل رحلات ذاتية القيادة هناك. وبدلاً من ذلك، يقود السيارات سائقون بشريون يستخدمون نظام "القيادة الذاتية الكاملة (تحت الإشراف)" الخاص بـ"تسلا"، والذي يتطلب مراقبة مستمرة.
وعزا ماسك بطء انتشار الخدمة مقارنةً بالتوقعات إلى توخي الحذر، و"المبالغة الشديدة" في الحرص على السلامة، وقال إن التوسع سيظل مقيداً بالعقبات التنظيمية. لكن الشركة المصنعة للسيارات الكهربائية لم تستكمل أيضاً إجراءات الحصول على التصاريح اللازمة لتشغيل خدمات النقل التشاركي ذاتية القيادة في ولايات مثل كاليفورنيا، التي تطبق لوائح أكثر صرامة من تكساس.