من المعابر إلى الطاقة.. ماذا سيحقّق التعاون اللبناني السوري؟

من المعابر إلى الطاقة.. ماذا سيحقّق التعاون اللبناني السوري؟ -- Jul 16 , 2026 19

من التجارة والاستثمار إلى الطاقة والنقل والمعابر الحدودية، تعكس التفاهمات التي خرجت بها الاجتماعات الاقتصادية السورية - اللبنانية الأخيرة توجهاً لإعادة بناء العلاقة الاقتصادية بين البلدين على أسس أكثر استدامة، في ظل قناعة متزايدة لدى الجانبين بأن تطوير التعاون لم يعد خياراً، بل ضرورة تفرضها المصالح الاقتصادية المشتركة.

وبينما شكل توقيع مذكرات تعاون بين المؤسسات الاقتصادية إحدى النتائج المباشرة، تتجه الأنظار إلى الملفات الاستراتيجية المطروحة، وفي مقدمتها الطاقة، وربط البنى التحتية، وتسهيل حركة التجارة، وإزالة العوائق أمام القطاع الخاص، باعتبارها الاختبار الحقيقي لتحويل التفاهمات إلى مشاريع قابلة للتنفيذ.


وشهدت الاجتماعات مشاركة وزير الاقتصاد والصناعة السوري محمد نضال الشعار ووزير الاقتصاد والتجارة اللبناني عامر البساط، إلى جانب ممثلين عن غرف التجارة ومجالس الأعمال والقطاع الخاص، حيث ناقش الجانبان آليات توسيع التعاون الاقتصادي والتجاري، وتعزيز دور القطاع الخاص، وفتح المجال أمام شراكات استثمارية تستفيد من الميزات النسبية التي يمتلكها كل من لبنان وسوريا.

مذكرة تعاون لإزالة عوائق التجارة

ولم تقتصر الاجتماعات على تبادل الرؤى، بل شهدت توقيع مذكرة تعاون بين اتحاد غرف التجارة السورية وغرفة التجارة والصناعة والزراعة في بيروت وجبل لبنان، تضمنت برنامجاً لتطوير التعاون في مجالات التجارة والصناعة والاستثمار، وتبادل المعلومات حول الفرص التجارية، وتنظيم الفعاليات الاقتصادية المشتركة، وتقديم التسهيلات اللازمة لتشجيع الشراكات بين القطاع الخاص في البلدين.

وترى رئيسة مجلس الأعمال السوري - اللبناني ليلى السمان أن المذكرة تمثل بداية لمرحلة جديدة من العلاقات الاقتصادية بين البلدين، تتجاوز الطابع البروتوكولي نحو معالجة الملفات التي أعاقت تطور التعاون خلال السنوات الماضية.

وتقول السمان لـِ "المدن" إن أعمال الطاولة المستديرة شهدت توقيع اتفاقيتين للتعاون المشترك، بما يعزز العلاقات الاقتصادية ويفتح مجالات جديدة للتنسيق بين المؤسسات الاقتصادية في سوريا ولبنان، مؤكدةً أهمية توسيع دور القطاع الخاص في دعم التنمية وتفعيل قنوات التواصل بين رجال الأعمال في البلدين.


وتوضح أن الاتفاقات تتضمن تنظيم المؤتمرات والملتقيات الاستثمارية، وتطوير التعاون في القطاعات الصناعية، وتبادل المنتجات، وبحث فرص التعاون في مجالات الطاقة واستيراد الوقود، إضافة إلى تشكيل لجنة فنية مشتركة لمتابعة الملفات العالقة، وفي مقدمتها القضايا الجمركية، والمعابر الحدودية، والرسوم، والإجراءات الإدارية التي ما تزال تعيق حركة التجارة والاستثمار.

وتضيف أن إعادة العلاقات الاقتصادية إلى مسارها الطبيعي تحتاج إلى خطوات عملية لمعالجة هذه الملفات، بما يسهّل حركة البضائع ورجال الأعمال، ويخفض تكاليف التجارة، ويخلق بيئة أكثر جذباً للاستثمارات المشتركة.

البحث شراكات استثمارية

لا يقتصر الرهان على زيادة حجم التبادل التجاري بين البلدين، بل يتجه نحو بناء شراكات استثمارية تستفيد من الميزات التي يمتلكها كل طرف. فلبنان يوفر خدمات مالية ولوجستية يمكن أن تشكل بوابة للشركات السورية نحو الأسواق الإقليمية، فيما تطرح سوريا فرصاً في قطاعات الإنتاج والصناعة وإعادة الإعمار، وهذا ما يجعل تكامل الاقتصادين أكثر جدوى من الاكتفاء بعلاقات تجارية تقليدية.

ولا تبدو هذه الملفات منفصلة عن الرؤية التي يطرحها القطاع الخاص في البلدين، إذ يرى رجال الأعمال أن إزالة العوائق التنظيمية ليست سوى الخطوة الأولى، بينما يبقى التحدي الحقيقي في تحويل الانفتاح السياسي إلى استثمارات ومشروعات مشتركة قادرة على رفع حجم التبادل التجاري، وهو ما يشدد عليه رئيس غرفة تجارة دمشق عصام غريواتي.


ويؤكد غريواتي لـِ "المدن" أن اللقاء يشكل منصة لإعادة ربط رجال الأعمال السوريين واللبنانيين بعد سنوات من التراجع، معتبراً أن المرحلة المقبلة يجب أن تنتقل من زيادة حجم التبادل التجاري إلى بناء شراكات استثمارية طويلة الأمد.

ويقول إن سوريا تطرح اليوم فرصاً واسعة في قطاعات الصناعة والخدمات والتجارة وإعادة الإعمار، فيما يمتلك لبنان ميزات لوجستية ومالية يمكن أن تشكل نقطة انطلاق للشركات السورية نحو الأسواق الإقليمية، مشيراً إلى أن غرفة تجارة دمشق تعمل على تشجيع المستثمرين اللبنانيين على دخول السوق السورية، بالتوازي مع دعم رجال الأعمال السوريين الراغبين في توسيع استثماراتهم في لبنان.

ويضيف أن مذكرة التعاون توفر إطاراً عملياً لتبادل المعلومات الاقتصادية، وتنظيم بعثات تجارية ومعارض وملتقيات استثمارية، بما يساعد على تحويل العلاقات التجارية التقليدية إلى شراكات إنتاجية واستثمارية أكثر استدامة.

الطاقة والربط الإقليمي

ولم تقتصر الطاولة المستديرة التي انعقدت أمس في دمشق على بحث العلاقات التجارية بين رجال الأعمال، بل طرحت أيضاً ملفات اقتصادية ذات بعد استراتيجي تتعلق بالطاقة والنقل والبنية التحتية، وهي قضايا يرى خبراء الاقتصاد أنها قد تكون الأكثر تأثيراً في مستقبل العلاقة الاقتصادية بين البلدين إذا ما انتقلت من مرحلة التفاهمات إلى التنفيذ.

وبحسب نائب رئيس جمعية العلوم الاقتصادية السورية محمد الحلاق، فإن أهمية الطاولة المستديرة لا تكمن فقط في المذكرة الموقعة، إنما في الملفات الاستراتيجية التي أعيد طرحها بين البلدين.


ويقول الحلاق لـِ "المدن" إن الاجتماع يأتي في توقيت حساس، إذ تمثل سوريا العمق البري الوحيد للبنان باتجاه الأسواق العربية، بينما يشكل لبنان منفذاً مهماً لسوريا نحو الخدمات المالية واللوجستية، وهو ما يجعل تطوير العلاقات الاقتصادية بينهما ضرورة أكثر من كونه خياراً.

ويشير إلى أن جدول التعاون يمتد إلى ملفات استراتيجية تشمل إعادة ربط الشبكة الكهربائية بين البلدين، والتعاون في إمدادات الطاقة، وإعادة تأهيل خط أنابيب النفط كركوك - بانياس، فضلاً عن استكمال الاجتماعات الفنية الخاصة بإحياء خط الغاز العربي الممتد من مصر مروراً بالأردن وسوريا وصولاً إلى لبنان.

ويرى الحلاق أن نجاح هذه المشاريع يبقى مرهوناً بحل العقبات المزمنة على الحدود، وفي مقدمتها مكافحة التهريب، وتطوير الأنظمة الجمركية، وتبسيط الإجراءات، وإنشاء بنية رقمية مشتركة لتبادل البيانات، بما يسهم في تسريع حركة البضائع وخفض تكاليف النقل والتخليص الجمركي.

ويحذر في المقابل من أن تنفيذ هذه التفاهمات سيواجه تحديات تتعلق بتضرر البنية التحتية واستمرار الاقتصاد الموازي، إلا أنه يعتبر أن تحويل مخرجات الاجتماع إلى برامج تنفيذية سيمنح دفعة قوية لقطاعات النقل والخدمات اللوجستية والطاقة والصناعات الغذائية، وقد يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من التكامل الاقتصادي بين البلدين تقوم على تبادل المزايا النسبية وتحفيز النمو في اقتصادين يواجهان تحديات متشابهة.

تجارة أقل من حجم الجغرافيا

ورغم القرب الجغرافي وتشابك المصالح الاقتصادية بين سوريا ولبنان، بقي حجم التبادل التجاري الرسمي بين البلدين خلال السنوات الماضية أقل من الإمكانات المتاحة، متأثراً بتراجع النشاط الاقتصادي، واضطراب حركة المعابر، وارتفاع تكاليف النقل والإجراءات المرتبطة بالتجارة.

وتشير تقديرات القطاع الخاص إلى أن حجم التبادل التجاري الرسمي بين البلدين تجاوز 230 مليون دولار خلال العام 2024، توزع بين واردات لبنانية من سوريا بقيمة تقارب 133 مليون دولار، وصادرات لبنانية إلى السوق السورية بأكثر من 100 مليون دولار. إلا أن هذه الأرقام لا تعكس كامل حجم الحركة الاقتصادية بين البلدين، في ظل وجود جزء من النشاط التجاري خارج القنوات الرسمية.

وخلال العام 2025، سجلت الصادرات اللبنانية إلى السوق السورية ارتفاعاً ملحوظاً، إذ بلغت خلال الأشهر الأحد عشر الأولى نحو 149.6 مليون دولار، مقارنة بنحو 69.2 مليون دولار خلال الفترة نفسها من العام 2024. وتصدرت اللدائن ومصنوعاتها قائمة الصادرات اللبنانية، إلى جانب الفواكه والثمار ومحضرات الخضر والفواكه وبعض المنتجات الصناعية.

في المقابل، تعتمد الصادرات السورية إلى لبنان بصورة أساسية على المنتجات الزراعية والغذائية، مثل الخضار والفواكه وزيت الزيتون والحبوب، إضافة إلى الصناعات الغذائية والمنسوجات وبعض المنتجات الصناعية.

ولا تقاس أهمية العلاقة الاقتصادية بين البلدين بقيمة السلع المتبادلة فقط، إذ ترتبط أيضاً بدور سوريا كطريق بري للبنان نحو الأسواق العربية، وبحاجة الشركات السورية إلى الخدمات اللوجستية والمالية التي يوفرها لبنان، وهو ما يفسر تركيز الاجتماعات الحالية على ملفات المعابر والطاقة وتسهيل حركة رجال الأعمال.

نور ملحم - المدن

أقرأ أيضاَ

"ليست 6 رواتب".. تجمع روابط القطاع العام يوضح حقيقة الزيادة

أقرأ أيضاَ

البنزين يرتفع غداً أقلّه 60 ألف ليرة