الكهرباء السورية تتعافى تدريجياً: هل تدوم الـ24 ساعة؟ -- Sep 03 , 2026 4
شهد قطاع الكهرباء في سوريا تحسناً ملموساً خلال شهر آب، مع ارتفاع ساعات التغذية في عدد من المناطق إلى أكثر من 20 ساعة يومياً، ووصولها إلى 24 ساعة في بعضها، بعد سنوات من التقنين والانقطاعات الطويلة. ويأتي هذا التحسن نتيجة زيادة كميات الغاز والفيول المخصّصة لمحطات التوليد، وإعادة تأهيل وتشغيل مجموعات توليد وعنفات كانت متوقفة منذ سنوات، بالتوازي مع تحسين شبكات النقل والتحويل والتوزيع.
وبالنسبة إلى المواطنين، لا يقتصر أثر التحسن على زيادة ساعات التغذية، إنما ينعكس على تفاصيل الحياة اليومية، من تشغيل الأجهزة المنزلية وأجهزة التبريد إلى قدرة المحال والورش والمنشآت الصغيرة على العمل بصورة أكثر انتظاماً.
يقول المواطن عادل شنيرة، من دمشق، إن التحسن خلال الفترة الأخيرة "واضح جداً"، موضحاً لـِ "المدن" أن الكهرباء "أصبحت متاحة معظم ساعات اليوم، وأن الأسرة لم تعد تضطر إلى ترتيب أعمالها المنزلية وفق مواعيد الوصل والانقطاع كما كان يحدث سابقاً". ويضيف أن انتظام التغذية "أعاد شيئاً من الحياة الطبيعية"، خصوصاً خلال فترة الصيف وارتفاع درجات الحرارة.
وفي ريف دمشق، يقول محمد الخالدي إن الفارق بالنسبة إليه يتمثل في إمكانية الاعتماد على الكهرباء النظامية لفترات طويلة، بدلاً من انتظار عودتها لساعات محدودة. ويضيف لـِ "المدن" أن التحسن "ليس متساوياً في كل المناطق، لكنه أفضل بكثير من السابق"، خصوصاً بالنسبة إلى الأسر التي تعتمد على الكهرباء في أعمالها اليومية.
ومع زيادة ساعات التغذية، ارتفع استهلاك بعض الأسر، خصوصاً مع تشغيل أجهزة التكييف والتبريد لفترات أطول. ويقول إبراهيم طيارة، وهو رب أسرة في دمشق، لـِ "المدن" إن توفر الكهرباء "أمر إيجابي بالتأكيد". ويوضح أنّه يراقب استهلاكه بصورة أكبر. ويضيف: "صرنا نحسب ما الذي نحتاج إلى تشغيله وما يمكن تأجيله، لكن الفرق الأساسي أننا أصبحنا نملك الكهرباء أصلاً".
من التقنين إلى زيادة التوليد
وراء هذا التحسن سلسلة من الإجراءات التي استهدفت زيادة الطاقة المنتجة والمتاحة للشبكة، بدءاً من إعادة تشغيل مجموعات توليد متوقفة، وصولاً إلى تأمين كميات إضافية من الوقود وإصلاح أجزاء من شبكة النقل والتحويل.
وأكد الرئيس التنفيذي للشركة السورية للكهرباء عمر شقروق أن واقع التغذية الكهربائية شهد تحسناً ملحوظاً خلال الفترة الأخيرة نتيجة الجهود المبذولة لإعادة تأهيل وتشغيل عدد من محطات التوليد والعنفات التي كانت متوقفة منذ سنوات، بالتوازي مع تأمين كميات إضافية من مادة الفيول اللازمة للتشغيل.
وأوضح شقروق لـِ " المدن" أن نجاح العاملين في القطاع في صيانة وإعادة تشغيل عدد من مجموعات التوليد أسهم في زيادة كمية الطاقة المنتجة والمتاحة للشبكة، وهو الأمر الذي انعكس بصورة مباشرة على ارتفاع ساعات التغذية الكهربائية في عدد من المحافظات وتحسن استقرار الشبكة. وأشار إلى أن زيادة الإنتاج الحالية جاءت نتيجة تكامل عدة إجراءات، في مقدمتها إعادة تأهيل مجموعات التوليد المتوقفة وتأمين الوقود، لافتاً النظر إلى أن الوصول إلى تغذية كهربائية مستقرة على مدار 24 ساعة يتطلب استكمال تأهيل جميع مجموعات التوليد، إلى جانب استمرار توريد كميات كافية من الغاز والفيول.
وبيَّن شقروق أن تأمين الكهرباء على مدار الساعة يحتاج إلى نحو 23 مليون متر مكعب من الغاز يومياً، إضافة إلى نحو 5 آلاف طن من الفيول يومياً، موضحاً أن توفير هذه الكميات بشكل مستمر، بالتوازي مع استكمال أعمال التأهيل والصيانة، يشكل أساساً للوصول تدريجياً إلى تغذية كهربائية دائمة.
وفي إطار تعزيز الشبكة، لفت شقروق النظر إلى دخول محولةٍ كهربائية جديدة إلى الخدمة في دير الزور، لتدعم المحولة القائمة وتضيف قدرة جديدة إلى الشبكة، بما يتيح رفع مستوى التغذية الكهربائية لأهالي المدينة والريف وتحسين استقرارها.
وأوضح أن المحولة العاملة كانت تتحمل أحمالاً تصل إلى نحو 75 ميغاواطاً، فيما توفر المحولة الجديدة دعماً واحتياطاً إضافياً للشبكة، مع إمكانية زيادة القدرة مستقبلاً بما يتناسب مع احتياجات المنطقة والتوسع في الطلب على الكهرباء.
وأكد شقروق أن الشركة السورية للكهرباء مستمرة في العمل على رفع كفاءة منظومة التوليد والنقل والتوزيع، واستكمال صيانة المحطات والعنفات والشبكات، بهدف زيادة الطاقة المتاحة للمواطنين وتحسين واقع التغذية في مختلف المحافظات، مشدداً على أن التحسن في الخدمة سيستمر بصورة تدريجية مع تأمين مستلزمات التشغيل وتنفيذ مشاريع التأهيل والتطوير.
وقال إن العمل يجري على ترجمة التزام الشركة بتحسين واقع الكهرباء إلى خطوات ملموسة على أرض الواقع، بما يضمن الاستفادة القصوى من القدرات المتاحة حالياً، ويمهد للوصول إلى منظومة كهربائية أكثر استقراراً وكفاءة خلال المرحلة المقبلة.
محطات تعود إلى العمل
وترافقت زيادة التوليد مع أعمال صيانة وإعادة تأهيل شملت المجموعتين الأولى والثانية في محطة الزارة، والمجموعة الرابعة في محطة بانياس، والمجموعتين الأولى والخامسة في محطة حلب الحرارية، والمجموعة الثانية في محطة الناصرية، إلى جانب أعمال إعادة تأهيل في محطة دير علي لاستعادة نحو 120 ميغاواطاً من قدرتها التوليدية.
كما أصبحت 5 مجموعات من أصل 6 في سد تشرين جاهزة للعمل، وارتفعت القدرة المتاحة لمحطة جندر في حمص إلى نحو 825 ميغاواطاً، مقارنة بنحو 200 ميغاواط كانت متاحة سابقاً.
ووصل إنتاج محطة حلب الحرارية إلى نحو 400 ميغاواط بعد عودة مجموعتيها الأولى والخامسة إلى الخدمة، فيما أعيد تشغيل مجموعة في محطة محردة بقدرة 100 ميغاواط والمجموعة الرابعة في بانياس بقدرة تقارب 150 ميغاواطاً.
ولا تعني هذه الأرقام أن جميع المحطات عادت إلى كامل طاقتها، إذ لا تزال مجموعات أخرى بحاجة إلى الصيانة وإعادة التأهيل، لكن عودة هذه القدرات ساعدت في رفع الطاقة المتاحة للشبكة وتحسين التغذية في عدد من المناطق.
إنتاج أعلى ومشاريع جديدة
وتشير بيانات وزارة الطاقة السورية إلى أن إنتاج الكهرباء خلال النصف الأول من العام 2026 بلغ نحو 10 ملايين ميغاواط، بالتزامن مع ارتفاع ساعات التغذية من نحو 8 ساعات يومياً إلى 20 ساعة وأكثر في بعض المناطق.
واستهلكت محطات التوليد خلال الفترة نفسها نحو 2.059 مليار متر مكعب من الغاز و859,251 طناً من الفيول، فيما بلغت استطاعة مشاريع الطاقة الشمسية المنفذة 420 ميغاواطاً إلى جانب تنفيذ واستبدال مئات الكيلومترات من شبكات النقل والتوزيع وتركيب واستبدال أكثر من 50 ألف عداد.
وعلى مستوى الطاقة المتجددة، أبرمت اتفاقيات لتنفيذ مشاريع شمسية في وديان الربيع في ريف دمشق بقدرة إجمالية تبلغ 760 ميغاواطاً، مدعومة بأنظمة لتخزين الكهرباء بسعة 1,077 ميغاواط.
كما تعمل سوريا على استجرار نحو 500 ميغاواط من الكهرباء إلى حلب وريفها عبر خط الربط مع تركيا بجهد 400 كيلو فولت، بما يمكن أن يرفع إجمالي الكهرباء المستجرة من تركيا إلى سوريا إلى نحو 800–900 ميغاواط.
خمس سنوات للوصول إلى استقرار كامل
التحسن الحالي لا يعني أن أزمة الكهرباء انتهت، إذ لا تزال المنظومة بحاجة إلى إعادة تأهيل واسعة واستثمارات كبيرة لاستعادة قدراتها السابقة وتطوير شبكاتها.
وقال مصدر مطلع في وزارة الطاقة لـِ "المدن" إن استقرار قطاع الكهرباء بشكل كامل يحتاج إلى نحو خمس سنوات، مع تحسن تدريجي وملموس في الخدمة اعتباراً من شهر آب. وأوضح المصدر أن أكثر من 50 محطة ومنشأة كهربائية تعرضت للدمار أو الأضرار خلال السنوات الماضية، ما أثر على كفاءة منظومة التوليد والنقل والتوزيع، فيما يصل العجز إلى نحو 80 بالمئة من الاحتياجات الفعلية، وفق تقديرات القطاع.
وأشار إلى أن إعادة تأهيل قطاع الكهرباء تحتاج إلى استثمارات إجمالية تقدر بنحو 40 مليار دولار، بينها نحو 500 مليون دولار لتطوير شبكات النقل ومحطات التحويل، لافتاً إلى أن منحة البنك الدولي البالغة 146 مليون دولار وجهت إلى إعادة تأهيل خطوط النقل والمحطات الفرعية ومحولات الشبكة المتضررة.
وفي ملف الربط الإقليمي، أوضح المصدر أن لبنان يرغب في استجرار الكهرباء من سوريا، إلا أن الشبكة السورية لا تسمح في وضعها الحالي بتأمين الكميات المطلوبة، نتيجة محدودية قدرات شبكات النقل والحاجة إلى إعادة تأهيل أجزاء أساسية منها. وبالتالي، فإن استجرار الكهرباء إلى لبنان يبقى مرتبطاً أولاً برفع قدرة الشبكة السورية على نقل الطاقة، من دون التأثير على التغذية المحلية.
وفي المقابل، تمثل خطوط الربط مع تركيا والأردن جزءاً من خطة دعم الشبكة السورية، إذ يمكن استخدام الكهرباء المستوردة لتغذية مناطق محددة وفق نظام "الجزر المعزولة"، بما يسمح بتحويل جزء من التوليد المحلي الذي كان يخصص لهذه المناطق إلى محافظات أخرى.
ولا يكمن التحدي أمام قطاع الكهرباء السوري اليوم في إعادة ساعات التغذية إلى مستويات مرتفعة فحسب، إنما في الحفاظ عليها واستدامتها. فالوصول إلى 24 ساعة في بعض المناطق يمثل تحسناً كبيراً مقارنة بسنوات التقنين، إلا أن استمرار هذا المستوى من التغذية يتطلب تأمين كميات مستقرة من الغاز والفيول، واستكمال تأهيل مجموعات التوليد، ورفع قدرة شبكات النقل والتحويل والتوزيع.
وبين تحسن يلمسه المواطن فعلياً اليوم، وحاجات إعادة تأهيل تقدر بعشرات مليارات الدولارات، تدخل منظومة الكهرباء مرحلة جديدة عنوانها الانتقال تدريجاً من إدارة التقنين إلى بناء خدمة أكثر استقراراً واستدامة.
نور ملحم - المدن