الدولة تبيع الوهم بـ12 مليون.. والسائق يبيع الراكب بـ400 ألف! -- Sep 18 , 2026 7
مع تخطّي سعر صفيحة البنزين الـ30 دولاراً، انطلق السائقون العموميون نحو خطوات تصعيدية سبقها رفع تعرفة أجرة الراكب إلى 400 ألف ليرة بعدما كانت 300 ألف. والتعرفة الجديدة لم تصدر عن الجهات المعنية ولا تحظى بغطاء نقابي، بل يفرضها سائقون بالأمر الواقع، ربطاً بارتفاع سعر البنزين الذي يمثّل الكلفة الأكبر في تشغيل سياراتهم. هكذا، يجد السائقون أنفسهم، مجدّداً، أمام الحلّ الأسهل الذي تركته لهم الدولة وهو تحميل ارتفاع سعر الصفيحة لـ«جيبة» الراكب. هذه ليست المرّة الأولى التي تسلك فيها الدولة هذا الاتجاه الذي يعفيها من مسؤولياتها فتنسحب تاركة مواطنين تآكلت مداخيلهم يتنازعون في ما بينهم على توزيع كلفة أزمة لم يصنعوها.
وتكفي العودة إلى أثر التعرفة الجديدة على الموظف لتبيان حجم الكارثة الجديدة. فمن يحتاج إلى أكثر من «سرفيس» ذهاباً وإياباً قد تصل كلفة انتقاله إلى نحو 10 دولارات يومياً، أي نحو 220 دولاراً شهرياً على أساس 22 يوم عمل. وهذا يعادل أكثر من 70% من الحد الأدنى للأجور الذي لا يتجاوز 312 دولاراً. بمعنى آخر، قد تبتلع كلفة الوصول إلى العمل والعودة منه وحدها معظم الحدّ الأدنى للأجور، قبل احتساب الطعام والسكن والكهرباء وسائر نفقات المعيشة. وكل زيادة على المحروقات تصبح، في ظل غياب شبكة نقل عام فعلية، اقتطاعاً مباشراً من أجور من لا يملكون بديلاً عن سيارات الأجرة للوصول إلى أعمالهم.
لكن أزمة التعرفة الحالية ليست وليدة ارتفاع سعر البنزين وحده، بل نتيجة مسار سبق أن حاولت الدولة «ترويضه» من دون أن تعالجه. ففي شباط الماضي، قرّرت اتحادات وروابط عمالية نقل المواجهة إلى الشارع اعتراضاً على القرارات الحكومية برفع الضرائب. إلا أن المواجهة انتهت قبل أن تبدأ فعلياً، على طاولة التفاوض، حيث «ميدان» الدولة الرابح دوماً. حينها، عُقد لقاء بين نقابات النقل ورئيس الحكومة نواف سلام ووزير المال ياسين جابر، خرج منه رئيس اتحادات ونقابات النقل البري بسام طليس بتعهّد بِمنح كل سائق عمومي شرعي يعمل على البنزين مساعدة شهرية بقيمة 12 مليون ليرة، في مقابل الإبقاء على التعرفة وعدم تحميل الركاب زيادة جديدة. وكان الوعد كافياً لتعليق التحرك. لكن، «عالوعد يا كمون»، بقيت الـ12 مليون ليرة حبراً على ورق.
أهمية هذا الوعد لا تكمن فقط في قيمته. يومها، كان الاتفاق يقوم عملياً على توزيع كلفة ارتفاع المحروقات بطريقة تمنع نقلها كاملة إلى الراكب، فتتحمّل الدولة جزءاً منها عبر المساعدة، ويحافظ السائق على تعرفة مقبولة نسبياً. لذلك، لم يكن تعليق التحرك مجرد تراجع نقابي، بل كان مبنياً على التزام حكومي يفترض أن يمنع الوصول إلى ما يحصل اليوم. إلا أن الدولة حصلت على ما تريده فوراً، أي وقف التحرك، فيما لم يحصل السائقون على ما وُعدوا به.
وبعد نحو سبعة أشهر، وصلت صفيحة البنزين 95 أوكتان إلى 2.718 مليون ليرة، أي نحو 30.3 دولاراً، فيما بقيت المساعدة غائبة. عاد السائق إذاً إلى النقطة نفسها، لكن بكلفة تشغيل أعلى، ومن دون الـ12 مليون ليرة التي كان يُفترض أن تُخفف عنه جزءاً منها. لذلك، لم يكن مُستغرباً أن يبدأ بعض السائقين برفع التعرفة من تلقاء أنفسهم. فالسائق، في نهاية المطاف، مواطن أيضاً، لديه فواتير والتزامات معيشية وأسرة يعيلها، ولا يمكن مطالبته بتمويل ارتفاع أسعار المحروقات من دخله فيما تتآكل قدرته الشرائية كبقية اللبنانيين. المشكلة ليست في أن السائق يريد حماية دخله، بل في أن الآلية الوحيدة المتروكة أمامه لحمايته هي أخذ المزيد من راكب يعاني المشكلة نفسها.
وبدأ الغضب يخرج إلى الشارع، إذ تجمّع أمس عدد من السائقين العموميين في ساحة الشهداء احتجاجاً على ارتفاع أسعار المحروقات، قبل انتقالهم إلى منطقة العدلية وإقفال الطريق. إلا أنّ طليس يؤكّد لـ«الأخبار» أنّ الاتحاد لم يدعُ إلى هذا التحرك، وأن لا تحرك مُقرّراً من جانبه قبل اجتماع رؤساء اتحادات ونقابات قطاع النقل البري الذي حُدّد يوم الأربعاء المقبل عند العاشرة والنصف صباحاً، للبحث في التطورات وتحديد ما سيفعله القطاع.
أمّا تعرفة الـ400 ألف ليرة، فلا يعطيها طليس غطاءً نقابياً. فهو لا يستطيع، كما يقول، أن يقول للسائقين إن رفع التعرفة مقبول، متسائلاً «شو بدي اعمل بالعالم؟»، لكنه في المقابل لا يستطيع أن يطلب من السائقين تجاهل ارتفاع كلفة تشغيل سياراتهم. وهذا الموقف يلخّص المأزق الذي أوصلت إليه الدولة القطاع. فالاتحاد غير قادر على مطالبة السائق بتحمّل الخسارة، ولا هو قادر على مطالبة الراكب بدفعها، فيما الجهة الوحيدة القادرة على التدخل بين الطرفين لا تفعل شيئاً.
وهنا يعود وعد الـ12 مليون ليرة إلى الواجهة. فلو نُفّذ الاتفاق الذي عُلّق على أساسه التحرك في شباط، لكانت الدولة تتحمّل اليوم جزءاً من الكلفة بدلاً من تركها تنتقل مباشرة من السائق إلى الراكب. أمّا عدم تنفيذه، فلم يؤجّل المشكلة سوى بضعة أشهر، قبل أن تعود بصورة أشد مع ارتفاع البنزين. وهنا يشدّد طليس على أنّه بصدد التواصل مع وزير الأشغال العامة والنقل لمحاولة إيجاد حل، مؤكّداً أنّه في حال عدم الوفاء بالوعد، فـ«سيكون لنا كلام آخر».
إذاً، اشترت الدولة في شباط هدوء الشارع بوعد لم تنفّذه، ثم انسحبت من المعادلة. واليوم، السائق يريد حماية دخله، والراكب يريد حماية راتبه، والاتحاد لا يستطيع إعطاء شرعية لتعرفة الـ400 ألف ولا مُطالبة السائقين بالاستمرار في التعرفة القديمة. وحدها الدولة لا تدفع شيئاً. تركت السائق والراكب يتنازعان على كل 100 ألف ليرة إضافية، بعدما كان يُفترض بها أن تتحمّل جزءاً من الكلفة. والمشكلة ليست في الـ100 ألف بحدّ ذاتها، بل في تراكمها يومياً وتحوّلها في نهاية الشهر إلى فاتورة قد تلتهم معظم أجر المواطن، فقط لكي يتمكّن من التنقل في المنطقة نفسها لتيسير شؤونه وأعماله، بعدما عجزت الدولة عن توفير خطة نقل عام.
زينب بزي - الاخبار