هل يتحرك الشارع أمام الغلاء والضغوط المعيشية؟ -- Sep 21 , 2026 4
لطالما كان السؤال الذي يُطرح في لبنان: لماذا لا تتحرك السلطة وتلزم الصمت أمام الغلاء، وتترك الناس لمصيرها في مواجهة ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية وتزايد الأعباء؟ لكن أمام المشهد الحالي، ربما آن الأوان لطرح سؤال آخر أكثر إيلامًا: لماذا لا يتحرك الناس؟
يبدو أن لبنان مقبل على شتاء لا يشبه سواه، ليس لأن الشتاء هذه المرة سيكون أكثر بردًا، بل لأن قدرة اللبنانيين على تحمّل كلفته أصبحت أقل من أي وقت مضى. وفي بعلبك - الهرمل، حيث يبدأ الشتاء باكرًا ولا ينتهي سريعًا، لا تبدو المسألة تفصيلا موسميًا يمكن تجاوزه. فالمازوت والنقل، والأقساط، والغذاء، والطبابة، والمصاريف اليومية، كلها تتقدم إلى الطاولة نفسها، فيما الراتب يجلس عاجزًا عن اللحاق بها.
لا يمكن تفسير الأمر بأن اللبنانيين مرتاحون، فالواقع يقول عكس ذلك. عائلات كثيرة في بعلبك - الهرمل تعيد ترتيب طعامها قبل أن تعيد ترتيب مواعيدها، وآباء يحسبون كلفة المدرسة والنقل والكتب قبل بداية العام الدراسي، وآخرون يعرفون أن قدرتهم على شراء المازوت للتدفئة معدومة، فيجمعون ما أمكن من ثياب مهترئة وأغصان أشجار من على جوانب الطرقات، لإشعالها في إحدى ليالي كانون الباردة. وفي المنطقة تحديدًا، تظهر تقارير الأمن الغذائي حجم الضغط الذي تعانيه الأسر الأشد فقرًا، وصولا إلى الاستدانة وبيع الممتلكات وتقليص الإنفاق على الصحة والتعليم لتأمين الغذاء، فيما تلجأ بعض الأسر إلى استراتيجيات أكثر قسوة، بينها إرسال أطفالها للعمل لا للمدارس.
في 14 أيلول، دُعي الناس إلى تحرك أمام سرايا زحلة احتجاجًا على الغلاء وارتفاع الأسعار والظروف المعيشية، لكن المشهد انتهى تقريبًا من دون شارع. بقيت السرايا هادئة، وبقيت الدعوة أكبر من عدد الذين استجابوا لها. قد تبدو الحادثة تفصيلا صغيرًا في بلد اعتاد التظاهرات والاعتصامات وقطع الطرق، لكنها في الحقيقة تستحق التوقف عندها. والمشكلة أن اللبناني لم يعد يواجه أزمة واحدة يمكن أن يخرج إلى الشارع احتجاجًا عليها، بل سلسلة أزمات دخلت كل تفاصيل حياته. وعليه، هل الهدوء الذي يعيشه الناس يعني أنهم قادرون على التحمل، أم أن المجتمع وصل إلى مرحلة الإنهاك وباتت الاحتجاجات بلا جدوى؟
لا يحتاج الناس إلى مسؤول يشرح لهم أسباب الغلاء بقدر ما يحتاجون إلى من يشعر بمسؤولياته الاجتماعية. ولأن سكون الشارع لا يمكن تفسيره على أنه رضا بقدر ما هو صمت نتيجة تعب، وفقدان ثقة، وخوف من المجهول، وقناعة راسخة بأن التظاهر لن يغير شيئًا، تحول المشهد من مجتمع يصرخ إلى مجتمع يُستنزف بصمت.
ولأن الطبقة السياسية اعتادت أن تكون حاضرة في تفاصيل حياة الناس، وبنت نفوذها على الخدمات والوساطات والمساعدات والحضور المباشر في البيئات الشعبية، فهي مطالبة اليوم بأن تسأل نفسها ماذا بقي من هذه العلاقة عندما أصبحت حاجات الناس أكبر من قدرة القوى السياسية على الاستجابة لها.
ففي بعلبك - الهرمل تحديدًا، تبدلت ظروف كثيرة، فالحرب تركت أثمانًا ثقيلة، والضغوط المالية والعقوبات أضعفت قدرة بعض القوى على القيام بالأدوار الاجتماعية التي اعتاد الناس عليها، فيما بقيت الدولة عاجزة عن سد كل الفجوات. وهكذا وجد المواطن نفسه بين دولة لم تستعد بعد قدرتها على الحماية والرعاية، وقوى سياسية لم تعد تملك الإمكانات السابقة لمساندة جمهورها. ومع اقتراب فصل الشتاء وتزايد الأعباء، يبقى السؤال: هل نحن أمام شارع ينتظر لحظة الانفجار، أم أن الناس لم يعودوا يملكون حتى القدرة على الاحتجاج؟
عيسى يحيى - نداء الوطن