صندوق النقد يتوقع نمو اقتصاد السعودية 7.9% في 2027 بعد انكماش -- Oct 14 , 2026 9
يتوقع "صندوق النقد الدولي" أن ينمو اقتصاد السعودية بنسبة 7.9% في 2027، بعد انكماش مرتقب يبلغ 3.3% خلال العام الجاري، مع تعافي إنتاج الطاقة وصادراتها تدريجياً من تداعيات حرب إيران واضطرابات الملاحة في مضيق هرمز.
وقال الصندوق، في تقرير "آفاق الاقتصاد العالمي" لشهر أكتوبر، إن السعودية كانت أقل تأثراً نسبياً باضطرابات الطاقة مقارنة بدول أخرى في المنطقة، نظراً إلى امتلاكها مسارات أكثر تنوعاً لتصدير النفط، ما ساعدها على الحد من تداعيات تعطل الملاحة عبر المضيق.
ويمثل التقدير الجديد تحولاً حاداً عن توقعات الصندوق السابقة، إذ كان يرجح في أبريل نمو اقتصاد المملكة بنسبة 3.1% في 2026 و4.5% في 2027، قبل أن يخفض توقعاته للعام الجاري بمقدار 6.4 نقاط مئوية، ويرفعها للعام المقبل بمقدار 3.4 نقاط مئوية.
وبالمقارنة مع تحديث يوليو، خفض الصندوق توقعاته لنمو السعودية في 2026 بمقدار 5 نقاط مئوية، مقابل رفع تقديراته لعام 2027 بمقدار 2.4 نقطة مئوية، ما يعكس استمرار الضغوط على النشاط الاقتصادي هذا العام، مقابل تعافٍ أقوى متوقع في العام المقبل.
السعودية أقل تأثراً باضطرابات الطاقة
تستند قدرة الاقتصاد السعودي على امتصاص جانب من صدمة حرب إيران إلى تنوع مسارات تصدير النفط، بما يتيح إعادة توجيه جزء من الشحنات بعيداً عن مضيق هرمز، وفقاً لصندوق النقد.
وتتيح البنية التحتية للمملكة نقل الخام من حقول الإنتاج في شرق البلاد إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر عبر خط أنابيب "شرق-غرب"، الذي تصل طاقته إلى نحو 7 ملايين برميل يومياً، ما يوفر منفذاً بديلاً للصادرات عند تعطل الملاحة في الخليج العربي. وتخطط المملكة إلى رفع طاقة أنابيب النفط إلى 10 ملايين برميل يومياً.
وكان كبير الاقتصاديين في وزارة الاقتصاد والتخطيط السعودية ياسر فقيه قال في 7 أكتوبر، إن إنتاج النفط وصادراته عادا إلى مستويات ما قبل الحرب، في أحدث مؤشر على تعافي تدفقات الخام السعودي من الاضطرابات التي شهدتها الأشهر الماضية.
وتُظهر بيانات شركة "كبلر" أن متوسط صادرات النفط السعودية ارتفع إلى 7.12 مليون برميل يومياً خلال سبتمبر، مقارنة مع 7.33 مليون برميل يومياً في فبراير، عشية اندلاع الحرب، قبل أن يتراجع إلى 5.31 مليون برميل يومياً خلال الأسبوع الأول من أكتوبر، وفق بيانات أولية قابلة للتعديل مع اكتمال الشهر.
كما استأنف خط أنابيب "شرق-غرب" نقل الخام إلى ميناء ينبع في 22 سبتمبر، بعد توقف استمر نحو 10 أيام إثر هجوم بطائرات مسيّرة. وبلغت التدفقات عبر الخط لاحقاً نحو 5.8 مليون برميل يومياً، ما عزز قدرة المملكة على استخدام البحر الأحمر منفذاً بديلاً لصادراتها.
وفي رد على سؤال الزميلة نور عماشة بشأن احتمال أن تكون توقعاته للنشاط غير النفطي في دول الخليج والسعودية أكثر تفاؤلاً من الواقع وسط التصعيد الأخير حول باب المندب وتجدد هجمات الحوثيين على المملكة، أكد الصندوق أن توقعاته الاقتصادية للمنطقة خضعت للتحديث حتى اللحظات الأخيرة قبل نشرها، مشيراً إلى أنها تأخذ في الحسبان التطورات الراهنة في مضيق باب المندب.
وتبرز أهمية هذه المسارات في ظل استمرار المخاطر التي تواجه حركة الشحن عبر مضيق هرمز، حيث تبقى تدفقات الطاقة معرضة للاضطراب رغم تعافي صادرات الخام خلال الأشهر الأخيرة.
ارتداد قوي مرتقب في اقتصادات الخليج
لا تقتصر توقعات التعافي القوي في 2027 على السعودية، إذ يرجح صندوق النقد تسجيل قفزة في معدلات نمو عدد من اقتصادات الخليج، بعد انكماشات حادة متوقعة خلال العام الجاري بسبب اضطرابات إنتاج الطاقة ونقلها.
وبحسب جدول التوقعات الوارد في تقرير أكتوبر، تتصدر قطر معدلات النمو المرتقبة خليجياً في 2027 عند 18.8%، تليها الكويت بنسبة 17.1%، ثم البحرين 13.9%، والسعودية 7.9%، والإمارات 7.7%، بينما يُتوقع نمو اقتصاد سلطنة عُمان بنسبة 2.2%.
وتعكس هذه التوقعات تفاوتاً في حجم تأثر الاقتصادات الخليجية بالحرب، إذ يرجح الصندوق انكماش الناتج المحلي الإجمالي للكويت بنسبة 16.7% في 2026، وقطر 15.6%، والبحرين 11.3%، والإمارات 3.9%، والسعودية 3.3%، بينما تشكل عُمان الاستثناء الوحيد بنمو متوقع قدره 4.1%.
ولا تعكس معدلات النمو المرتفعة المتوقعة لعام 2027 بالضرورة توسعاً اقتصادياً جديداً بالحجم نفسه، بل يرتبط جانب مهم منها بانخفاض قاعدة المقارنة في 2026، مع توقع استعادة الإنتاج والصادرات والخدمات اللوجستية تدريجياً بعد انحسار الاختناقات.
وأوضح الصندوق أن البحرين والعراق والكويت وقطر، وهي من الاقتصادات المنتجة للسلع الأولية الأكثر تضرراً من اضطرابات إنتاج الطاقة ونقلها، مرشحة لتسجيل انكماشات مزدوجة الرقم في 2026، تليها توسعات بالمعدلات نفسها في 2027، مع عودة عمليات الإنتاج والتصدير والخدمات اللوجستية إلى طبيعتها.
تأثير متفاوت على الدول المصدرة للنفط
قالت بيتيا كويفا بروكس نائبة مدير إدارة البحوث في صندوق النقد الدولي إن تقرير أكتوبر يتضمن أحدث ارتفاع في أسعار النفط لكنه يتضمن أيضاً سيناريوهات لقياس حجم التأثير المحتمل إذا ارتفعت الأسعار لمستويات أعلى.
وأضافت، رداً على سؤال لـ"الشرق بلومبرغ" وجهته الزميلة نور عماشة حول تأثير التصعيد الأخير في الصراع على توقعات الصندوق، أن تأثير التطورات في الشرق الأوسط يتباين بدرجة كبير من دولة إلى أخرى وهناك اختلافات جوهرية بين التوقعات للدول المنتجة للنفط والمصدرة له.
وقالت: "بالنسبة إلى الدول المصدرة للنفط، خاصة في منطقة الخليج، نتوقع انكماشاً حاداً في الإنتاج والصادرات يعقبه انتعاش قوي في عام 2027. ونرصد أيضاً بعض التباطؤ في القطاعات غير النفطية في بعض الدول المصدرة للنفط"، مشيرة إلى أن التوقعات فيما يخص هذه الدول تميل نحو الجانب السلبي.
إعادة فتح هرمز رهان التعافي في 2027
يستند سيناريو التعافي الإقليمي إلى افتراض رئيسي لدى الصندوق، يتمثل في استئناف إعادة فتح مضيق هرمز في مارس 2027، والعودة بصورة عامة إلى ظروف ما قبل الحرب بحلول أكتوبر من العام نفسه.
وأوضح الصندوق أن هذا السيناريو يفترض استعادة تدريجية للإنتاج والشحن والتأمين وترتيبات المدفوعات، وليس عودة فورية لتدفقات الطاقة إلى مستوياتها الطبيعية، مع استمرار استخدام المخزونات ومسارات التصدير البديلة لتخفيف نقص الإمدادات.
وكان "البنك الدولي" توقع في تقرير صادر مطلع أكتوبر انكماش اقتصادات مجلس التعاون الخليجي بنسبة 4.3% خلال 2026، مقارنة بتوقع سابق بنموها 1.3% في يونيو، مشيراً إلى أن تعطل مضيق هرمز تسبب في صدمة كبيرة لإنتاج النفط والغاز وصادراتهما.
كما رجح البنك أن يصل نمو المنطقة باستثناء إيران إلى 7.8% في 2027، إذا تراجع الصراع بحلول نهاية العام الجاري، محذراً من أن جزءاً كبيراً من التعافي سيعكس استعادة الإنتاج المفقود، وليس بالضرورة تحسناً في الإنتاجية أو آفاق النمو على المدى الطويل.
وتبقى هذه السيناريوهات عرضة لمخاطر استمرار الصراع. فقد حذر بنجامين يونغ، المدير الإداري ورئيس التصنيفات السيادية لمنطقة أوروبا والشرق الأوسط وأفريقيا لدى "إس آند بي غلوبال"، من أن بعض تداعيات الحرب على اقتصادات الخليج قد تظهر بصورة متأخرة، وأن انتقال سلاسل الإمداد بصورة دائمة إلى خارج المنطقة قد يضعف النمو على المدى الطويل، لكنه أشار إلى أن الوكالة لم ترصد ذلك حتى الآن.
أسعار النفط المرتفعة لا تعوض خسائر الإنتاج
تكشف توقعات "صندوق النقد" عن مفارقة تواجه الدول المصدرة للطاقة في المنطقة، إذ يتزامن ارتفاع أسعار النفط مع انكماش اقتصادي حاد نتيجة القيود التي تواجه عمليات الإنتاج والنقل والتصدير.
ويتوقع الصندوق أن يبلغ متوسط مؤشر الأسعار الفورية للنفط نحو 96 دولاراً للبرميل في 2026، بزيادة 16% عن افتراضاته في أبريل، وأن ترتفع أسعار الخام بنحو 41% مقارنة بعام 2025.
لكن المكاسب الناتجة عن ارتفاع الأسعار لا تعوّض بالضرورة انخفاض كميات النفط القابلة للإنتاج والتصدير، خصوصاً لدى الاقتصادات التي تعتمد بصورة كبيرة على مضيق هرمز، ولا تمتلك مسارات بديلة كافية لنقل صادراتها.
وقبل اندلاع الحرب، كان نحو 20 مليون برميل من النفط يومياً يعبر المضيق، بما يعادل قرابة ربع تجارة النفط المنقولة بحراً على مستوى العالم، وفق تقرير الصندوق.
وفي حين ساعدت مرونة إمدادات النفط العالمية على تخفيف آثار الاضطرابات، من خلال إعادة توجيه الشحنات وزيادة الإنتاج خارج الخليج والسحب من المخزونات، حذّر صندوق النقد من أن استمرار الصراع قد يقلص قدرة الأسواق على التكيف، ويرفع التكاليف الاقتصادية مع مرور الوقت.
المصدر:
الشرق بلومبرغ