اللائحة الرمادية... ما الذي لم يُنجز بعد؟

اللائحة الرمادية... ما الذي لم يُنجز بعد؟ -- Oct 12 , 2026 49

أُدرج لبنان على اللائحة الرمادية في تشرين الأول 2024، ومُنح فترة 3 سنوات للقيام بإجراءات قانونية وتنفيذية وفقاً لمتطلبات مجموعة العمل المالي FATF للخروج منها. اليوم، وبعد مرور عامين، من المرتقب أن تصدر المجموعة تقييماً جديداً بين 26 و30 تشرين الأول 2026، حول الإجراءات التي تحققت. ماذا أنجز لبنان، وما هي الإجراءات التي لا تزال أمامه؟

لم يكن وضع لبنان على اللائحة الرمادية في تشرين الأول 2024 قراراً مفاجئاً، بل جاء نتيجة تراكم اختلالات وثغرات في منظومة مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب، تفاقمت بفعل الأزمة المالية والمصرفية والاقتصادية، وضعف المؤسسات والرقابة، وتنامي الاقتصاد النقدي وغير المنظّم.

لا شك في أن لبنان بذل جهوداً خلال السنتين الماضيتين، سواء على صعيد الإجراءات الرقابية والمصرفية أو على مستوى التنسيق بين المؤسسات الرسمية المعنية. وأقرّت مجموعة العمل المالي نفسها، كما أوضح عميد كلية إدارة الأعمال في جامعة القدّيس يوسف ورئيس الاتّحاد الدولي لرجال وسيدات الأعمال اللبنانيين فؤاد زمكحل لـ"نداء الوطن"، "بوجود خطوات إيجابية اتُّخذت في القطاع المالي، بما فيها تعزيز مكافحة الفساد ومراقبة العمليات المالية غير المرخّصة.

لكن علينا التمييز بين اتخاذ التدابير وبين إثبات فعاليتها على أرض الواقع. فالمجتمع الدولي لم يعد يكتفي بإصدار القوانين والتعاميم، بل يريد نتائج ملموسة وقابلة للقياس، خصوصاً في التحقيقات والملاحقات القضائية، واسترداد الأموال غير المشروعة، ومكافحة تمويل الإرهاب، وضبط الأنشطة المالية الخارجة عن الأطر الشرعية. وبالتالي، من الضروري أن نقرأ التقرير المرتقب من زاوية التقدم الفعلي في تنفيذ خطة العمل، لا من زاوية التفاؤل أو التشاؤم المسبق".

وفي رأيه، "إن المعيار الأساسي ليس عدد الإجراءات التي اتُّخذت، بل مدى قدرة لبنان على إثبات أن هذه الإجراءات تُطبّق بفعالية واستمرارية". فما هي التدابير التي قام بها لبنان، وما هي النقاط التي لا تزال عالقة لاستكمال متطلبات الخروج من اللائحة الرمادية؟

التقدّم المحقّق

حقّق لبنان تقدّماً على مستويات معيّنة في مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب، لكنه، بحسب زمكحل، "لا يزال أمامه ورشة إصلاحية واسعة تتطلب عملاً متكاملاً بين السلطات النقدية والمصرفية والقضائية والأمنية والإدارية.

على الصعيد المصرفي، شهدنا تعزيزاً لإجراءات الامتثال والرقابة، والتشدّد في التحقّق من هوية العملاء ومصادر الأموال والمستفيدين الفعليين، إضافة إلى تطوير آليات رصد العمليات المشبوهة.

وعلى الصعيد الرسمي، حصل تنسيق متزايد بين الجهات المعنية. ومن المؤشرات الإيجابية الاجتماع الذي ترأسه رئيس الحكومة في آب 2026 لمتابعة تنفيذ خطة العمل المتفق عليها مع «فاتف»، بمشاركة الجهات المالية والقضائية والأمنية المعنية".

التحدّيات الأساسية

إلا أن هذه الإجراءات الإيجابية لا تكفي وحدها، إذ لا تزال أمام لبنان تحدّيات أساسية تتمثل في ملفات عدّة، وهي، كما عدّدها زمكحل:

- الاقتصاد النقدي: الحد من الاعتماد المفرط على التعاملات النقدية وإعادة العمليات المالية تدريجياً إلى القنوات المصرفية الشرعية والخاضعة للرقابة.

- الاقتصاد غير المنظّم: تشديد الرقابة على مؤسسات الصرافة والتحويلات المالية والأنشطة المالية غير المرخّصة، وعلى القطاعات غير المالية المعرضة للمخاطر.

- القضاء والمحاسبة: تحقيق نتائج ملموسة في التحقيقات والملاحقات والأحكام القضائية المتعلقة بتبييض الأموال وتمويل الإرهاب، وليس الاكتفاء بالإجراءات الإدارية.

- الشفافية المالية: ضمان توافر معلومات دقيقة ومحدّثة عن المستفيدين الفعليين من الشركات والمؤسسات.

- التعاون الدولي: تعزيز تبادل المعلومات والمساعدة القضائية واسترداد الأموال والأصول المتأتية من الجرائم.

- العقوبات المالية المستهدفة: ضمان تنفيذها من دون تأخير، مع اعتماد رقابة قائمة على المخاطر، بما يشمل بعض المؤسسات غير المصرفية والجمعيات ذات المخاطر المرتفعة، من دون تعطيل الأنشطة المشروعة.

هذه المحاور تتوافق مع أبرز الثغرات التي لا تزال مجموعة العمل المالي تطالب لبنان بمعالجتها.

الخروج من اللائحة الرمادية؟

حول موعد خروج لبنان من اللائحة الرمادية، أكان هذا العام أو العام المقبل، لا بدّ من القول إن ذلك لا يتم تلقائياً، ولا بمجرد إعلان النيات الحسنة أو إقرار مجموعة من الإصلاحات التشريعية. هناك مسار تقييمي واضح يعتمد على مدى استكمال خطة العمل، وإثبات فعالية الإجراءات، ومن ثم التحقّق الميداني من استدامة الإصلاحات قبل اتخاذ القرار النهائي.

هذا الأمر يؤكّده زمكحل، معتبراً أنه "من الناحية الزمنية، من المقرر أن تعقد مجموعة العمل المالي اجتماعاتها المقبلة بين 26 و30 تشرين الأول 2026، تليها اجتماعات أخرى في شباط وحزيران 2027. وبالتالي، يمكن أن يشهد كل اجتماع تقييماً جديداً للتقدّم المحرز، لكن لا يمكن الجزم مسبقاً بموعد رفع لبنان عن اللائحة الرمادية.

أما بالنسبة إلى الانتقال نحو اللائحة السوداء، فهو سيناريو مختلف وأكثر خطورة، يرتبط بوجود أوجه قصور استراتيجية جسيمة وما يستتبعها من إجراءات دولية مشددة. ولا يجوز اعتبار الانتقال من الرمادية إلى السوداء نتيجة تلقائية لمجرد التأخر في تنفيذ بعض الالتزامات.

وبرأي زمكحل، "إن الأولوية يجب ألا تكون فقط السعي إلى الخروج السريع من اللائحة، بل معالجة الأسباب التي أدت إلى إدراج لبنان عليها أصلاً، لأن الخروج الشكلي من دون إصلاحات مستدامة لن يعيد الثقة المفقودة. طبعاً، إن رفع لبنان عن اللائحة الرمادية يُعتبر تطوراً إيجابياً ومهماً، ليس فقط على المستوى المالي والمصرفي، بل أيضاً على مستوى علاقاته الاقتصادية والتجارية والاستثمارية مع الخارج.

ومن هنا، فإن الخروج منها يمكن أن ينعكس إيجاباً على مستويات عدّة، وهي:

أولاً، على مستوى العلاقات المصرفية الدولية: من خلال تحسين صورة لبنان لدى المصارف المراسلة، وتخفيف بعض أعباء الامتثال والتدقيق، والمساعدة تدريجياً على تسهيل التحويلات والمعاملات المالية عبر الحدود.

ثانياً، على مستوى الاستثمارات الأجنبية: تخفيض المخاطر المرتبطة بسمعة البيئة المالية اللبنانية، وتحسين ثقة المستثمرين والمؤسسات الدولية بقدرة لبنان على تطبيق المعايير المعتمدة عالمياً.

ثالثاً، على مستوى التجارة الخارجية: تسهيل المعاملات المالية المرتبطة بالاستيراد والتصدير، وتخفيف بعض التعقيدات والكلفة الإضافية التي تواجه الشركات اللبنانية في تعاملاتها الدولية.

رابعاً، على مستوى الثقة والسمعة الدولية: يشكّل الخروج من اللائحة إشارة إيجابية إلى أن لبنان بدأ يستعيد قدرته المؤسساتية على ضبط المخاطر المالية والالتزام بالمعايير الدولية".

لكن علينا أن نكون واقعيين، لأن الشطب من اللائحة الرمادية، على أهميته، لن يؤدي تلقائياً إلى استعادة العلاقات المصرفية الطبيعية، ولن يعالج بمفرده الأزمة المالية والمصرفية، أو يعيد الودائع، أو يستقطب الاستثمارات. والتحدّي الحقيقي يكمن في تحويل هذا الإنجاز، متى تحقق، إلى فرصة لإعادة ربط لبنان بالنظام المالي العالمي، واستقطاب الاستثمارات، وإعادة تنشيط الاقتصاد المنتج.

باتريسيا جلاد - نداء الوطن

أقرأ أيضاَ

غاز لبنان بـ614 مليون دولار... من أين التمويل ولماذا محطة جديدة؟

أقرأ أيضاَ

حمادة: رواتبنا لا تتجاوز 50 دولارًا والزيادات لا تنصفنا