فادي خلف: الدولة تموّل عجزها مجدداً من أموال المودعين!

فادي خلف: الدولة تموّل عجزها مجدداً من أموال المودعين! -- Oct 26 , 2026 9

كتب الأمين العام الدكتور فادي خلف في افتتاحية التقرير الشهري لجمعية مصارف لبنان، شهر  تشرين الأول 2026:

من جديد، تمويل العجز من أموال المودعين

في الوقت الذي تعمل فيه المصارف على تجميع ما أمكن من السيولة لتسديد الودائع إلى أصحابها، تبدو الدولة وكأنها تبحث عن إيرادات إضافية للخزينة، ولو على حساب هذه السيولة، من خلال معالجات ضريبية تثير إشكاليات قانونية ومحاسبية جدية، وقد ترتب على المصارف أعباء إضافية من أموال يُفترض أن تُستخدم لإعادة الودائع.
فالدولة التي كانت تعتمد لسنوات طويلة على مصرف لبنان لتمويل عجز خزينتها من أموال المصارف والمودعين، تعود اليوم، بعدما توقف هذا التمويل بالطريقة السابقة، وفي ظل النقمة الشعبية المتزايدة من الضرائب والرسوم، لتبحث عن موارد جديدة، ولو من آخر ما تبقى لدى المصارف من دولارات تعمل على تأمينها للدفع للمودعين.
والمفارقة أن الدولة التي توقفت عن سداد سندات اليوروبوندز منذ آذار 2020، وتسببت بخسائر كبيرة للمصارف، تعود اليوم لتبحث في فرض ضرائب على المعالجات المحاسبية لهذه الخسائر، وصولاً إلى احتساب أرباح ضريبية على عمليات بيع تتكبد فيها المصارف خسائر فعلية بالدولار.
فهل يُعقل أن تتوقف الدولة عن دفع ديونها، فتتحمل المصارف الخسائر، ثم تعود الدولة نفسها لتطالبها بضريبة على هذه الخسائر، وعلى أرباح لم تتحقق أصلاً؟
الخطر في ما تطلبه دائرة كبار المكلفين في وزارة المالية
إن أخطر المطالب التي تناولها الكتاب الصادر مؤخراً عن دائرة كبار المكلفين في مديرية الواردات، والموجّه إلى المصارف، بمراجعة المعالجات الضريبية وتصحيح التصاريح عن السنوات 2020 إلى 2024، أنها قد تؤدي إلى فرض أعباء ضريبية إضافية على المصارف، ليس نتيجة أرباح حققتها، بل نتيجة خسائر تكبدتها وفروقات صرف نشأت عن انهيار قيمة الليرة اللبنانية.
إن المعالجة الضريبية المقترحة تضع المصارف أمام ثلاثة أعباء متتالية، جميعها ناتجة عن تعثر الدولة في سداد ديونها:
أولاً: امتنعت الدولة عن تسديد سندات اليوروبوندز، فتحملت المصارف خسائر كبيرة في قيمة هذه السندات، رغم أن الدولة لا تزال مدينة لها بقيمتها.
ثانياً: كوّنت المصارف مؤونات لمواجهة الخسائر الائتمانية المتوقعة وافقت عليها لجنة الرقابة على المصارف، التزاماً بالمعايير المحاسبية والمتطلبات الرقابية، لكنها واجهت رفضاً أو قيوداً على تنزيل بعض هذه المؤونات من أرباحها الخاضعة للضريبة.
ثالثاً: تواجه المصارف اليوم خطر إخضاعها من قبل الدولة لضريبة على أرباح اسمية وهمية، مستغلة انهيار سعر صرف العملة اللبنانية، لتكلف المصارف على الفرق بين كلفة شراء هذه السندات على 1,500 ل.ل. للدولار الواحد وبين قيمتها السوقية الحاضرة على أساس 89,500 ل.ل. للدولار الواحد، في وقت أن المصارف تحقق خسارة فعلية تفوق 75% من قيمة السندات بالدولار الأميركي.
أي إن الدولة لا تكتفي بعدم سداد ديونها، بل قد تجعل من الخسائر التي تسبب بها تعثرها مناسبة لفرض ضرائب إضافية على دائنيها.
فنكون بذلك أمام ضريبة لا تقتطع من السيولة المتوافرة فحسب، بل قد تعرقل أيضاً توليد سيولة جديدة للمودعين.
خسارة بالدولار تتحول إلى ربح ضريبي بالليرة!
لنفترض أن مصرفاً اشترى سنداً بقيمة 100 دولار عندما كان سعر الصرف 1500 ليرة للدولار، أي بكلفة 150,000 ل.ل.، ثم اضطر إلى بيعه بعد تعثر الدولة مقابل 25 دولاراً، عندما أصبح سعر الصرف 89,500 ل.ل.
في الواقع، يكون المصرف قد خسر 75 دولاراً، أي 75% من استثماره.
أما وفق المقاربة الضريبية لمديرية الواردات، فيُحتسب الثمن بالليرة اللبنانية على أساس سعر الصرف الحالي، فيما تبقى كلفة الشراء محتسبة وفق سعر الصرف التاريخي بتاريخ الاقتناء.
وهكذا، يصبح ثمن البيع 2,237,500 ل.ل.، مقابل كلفة قدرها 150,000 ل.ل.، لينتج عن ذلك ربح اسمي بالليرة يبلغ 2,087,500 ل.ل.
أي إن المصرف الذي خسر 75% من استثماره بالدولار قد يجد نفسه مطالباً بضريبة على ربح مزعوم بالليرة اللبنانية!
فهل هذه ضريبة على ربح محقق، أم على فرق محاسبي ناتج عن انهيار الليرة لا يمثل أي مكسب اقتصادي حقيقي؟
ومن هنا، فإن اعتماد سعر صرف تاريخي لكلفة السندات، مقابل سعر صرف حديث لقيمتها السوقية، يطرح إشكالية جدية تستوجب معالجة قانونية ومحاسبية متكاملة، لا الاكتفاء باحتساب فروقات اسمية بالليرة اللبنانية واعتبارها أرباحاً خاضعة للضريبة.
فلا يجوز أن تتحول قواعد احتساب أسعار الصرف إلى وسيلة لفرض الضريبة على خسارة اقتصادية فعلية، لمجرد أنها تظهر ربحاً اسمياً في الحسابات الضريبية.
المصارف لا تطلب إعفاءها من موجباتها الضريبية، ولا تعترض على حق الدولة في جباية الضرائب المستحقة قانوناً.
لكن هناك فرقاً أساسياً بين فرض ضريبة على ربح فعلي، وبين احتساب أرباح ضريبية ناتجة عن اختلاف أسعار الصرف، في حين أن العملية الأصلية حققت خسارة بالدولار.
لذلك، فإن المطلوب إعادة النظر في هذه المطالب الضريبية في ضوء القوانين والمعايير المحاسبية ذات الصلة، وأثرها على سيولة المصارف، فليس من المنطقي أن تُطالب المصارف بالاستعداد للمساهمة في سداد الودائع، فيما تُتخذ إجراءات ضريبية قد تستنزف، مسبقاً، جزءاً من الموارد الضرورية لتنفيذ هذه المساهمة.

في الخلاصة
إن أخطر ما في هذه المقاربة ليس فقط احتمال فرض ضرائب على أرباح لم تتحقق، بل أن تصبح الخزينة المستفيد من خسائر نتجت عن تعثر الدولة نفسها. فإذا كانت الدولة قد توقفت عن سداد ديونها، فلا يجوز أن تتحول خسائر دائنيها إلى مورد جديد لخزينتها.
أما أن نبحث عن آخر دولار متاح لدى المصارف لتمويل عجز الخزينة، في وقت نطالبها فيه بتجميع السيولة للمودعين، فذلك يعني أننا نعيد إنتاج الخطأ نفسه الذي أوصلنا إلى الأزمة، ولكن بأداة مختلفة.
وإذا لم يُعالج هذا التناقض بحكمة، فعبثاً نحاول إصدار قوانين لاسترداد الودائع، فيما نسمح بإجراءات ضريبية قد تسحب جزءاً أساسياً من الأموال التي يُعوَّل عليها لإعادة الحقوق إلى أصحابها.

ملاحظة: إنَّ الافتتاحية التي يكتبها الأمين العام في النشرات الدورية لجمعية مصارف لبنان تمثل رأيه وتحليله الشخصي للمستجدات، دون أن تُلزم بأي شكلٍ من الأشكال الجمعية بمضمونها الذي يبقى على مسؤولية الأمين العام وحده.

أقرأ أيضاَ

موازنة 2027 أمام لجنة المال اليوم

أقرأ أيضاَ

النقل المشترك... مُتنفس للعائلات وسبيل لتخفيف الأعباء... بشرط؟!