انقسام سوق النفط يجعله رخيصاً ومرتفع الثمن في الوقت نفسه -- Oct 26 , 2026 3
عندما يتعلق الأمر بالنفط، كما هي الحال في العقارات، فإن الموقع هو العامل الأهم. فلم تكن سوق النفط عالمية بحق في أي وقت، بل كانت مجموعة من مصادر الإمداد الإقليمية التي تربط بينها علاقات غير وثيقة. وعندما كانت الأسعار تتباين بين المناطق، كانت شحنات النفط تُنقل إلى الوجهات التي تحقق أعلى عائد. لكن مع ارتفاع أجرة الشحن إلى مستويات باهظة تجعل النقل غير مجدٍ اقتصادياً، تعطلت تدفقات النفط بين المناطق. والنتيجة؟ سوق النفط تتجه نحو الانقسام.
لم يعد التوازن بين العرض والطلب على مستوى العالم، الذي كان يحدد تاريخياً ما يمكن تسميته السعر العالمي للنفط، يتمتع بالتأثير نفسه. وبدلاً من ذلك، أصبحت الخصائص والظروف الخاصة بكل منطقة هي التي تحدد الأسعار المحلية، إذ يُباع النفط الخام بأسعار مرتفعة للغاية في المناطق التي تعاني من نقص الإمدادات، بينما يُتداول بأسعار منخفضة في المناطق التي تشهد فائضاً. وهكذا، يمكن أن يكون النفط مرتفع الثمن ورخيصاً في الوقت نفسه.
تكلفة برميل النفط
يتضح هذا التأثير عند النظر إلى تكلفة برميل النفط في كل منطقة. فما سعر خام بحر الشمال عند تسليمه في روتردام؟ نحو 125 دولاراً، بزيادة أو نقصان طفيف. والنفط الصخري الأميركي في خليج المكسيك؟ نحو 100 دولار. والخام الكندي في الغرب الأوسط الأميركي؟ حوالي 70 دولاراً. أما الخام العُماني المشحون إلى جنوب الصين؟ فسعره أقرب إلى 150 دولاراً.
تقلبات سوق النفط تنهك المتداولين مع استمرار حرب إيران.. تفاصيل هنا
قبل حرب إيران، لم تكن فروق الأسعار بين المناطق تتجاوز عادة بضعة دولارات، وكانت هذه الفروق تعود في معظمها إلى اختلاف الجودة بين أنواع النفط الخام. لكن تكاليف الشحن باتت تشوه الأسعار في السوق؛ فرغم تراجع أجرة الشحن عن مستوياتها القياسية خلال الأيام الأخيرة، فإنها ما زالت مرتفعة للغاية. وتشير حساباتي التقريبية لمتوسط تكلفة الشحن عالمياً إلى أن نقل برميل النفط الخام يكلف حالياً نحو 20 إلى 25 دولاراً، مقارنة بأقل من 3 دولارات قبل اندلاع حرب إيران. ويعني هذا الاختلال الناتج عن ارتفاع تكاليف الشحن أن المناطق التي تتمتع بفائض في الإمدادات، مثل الأميركتين، تشهد أسعاراً أقل بكثير من المناطق التي تعاني من عجز في الإمدادات، مثل أوروبا وشرق آسيا.
قد تكون الولايات المتحدة الأميركية أكبر المستفيدين المحتملين، وإن كانت الاستفادة في هذا السياق قد تعني ببساطة تكبد خسائر أقل من بقية الأطراف، إذ تستطيع استيراد النفط بأسعار أقل مما يدفعه الآخرون. وتحصل الولايات المتحدة الأميركية على 75% من إجمالي النفط الخام الذي تشتريه من الخارج من ثلاث دول، هي كندا والمكسيك وفنزويلا، التي تبيع نفطها حالياً بأسعار منخفضة.
تكاليف الشحن
في المناطق التي تعاني عجزاً في الإمدادات، مثل أوروبا، تبدي شركات التكرير استعداداً لدفع أسعار أعلى مقابل شحنات النفط القريبة منها لتوفير تكاليف النقل. وتُعد روتردام، المدينة الهولندية الساحلية التي تمثل أيضاً مركزاً إقليمياً للتكرير، المركز التقليدي لسوق النفط العالمية وموطن خام برنت، وهو الخام القياسي الأكثر استخداماً مرجعاً للأسعار. ويُستخرج هذا النوع من الخام أساساً من حقول بحر الشمال التي لا تبعد سوى بضع مئات من الأميال، بينما تأتي أنواع أخرى من النفط إلى روتردام من مسافات تصل إلى 5 آلاف ميل.
يقول مارتين راتس، المحلل لدى "مورغان ستانلي": "يستفيد خام برنت حالياً من ميزة محددة تمنح أسعاره دعماً أكبر مقارنة بأنواع الخام الأخرى، وهي قصر مسافات الشحن". وبعبارة أخرى، يُتداول خام برنت بعلاوة سعرية ليس بسبب ندرته، بل لقربه من مصافي التكرير الرئيسية. ولذلك، فإن سعر تداوله يقدم صورة غير متوازنة عن السوق العالمية.
أما في المناطق التي تشهد فائضاً في الإمدادات، مثل أميركا الشمالية، فالوضع معكوس. فالخام الكندي يتدفق عادة جنوباً إلى الولايات المتحدة، بينما تُشحن الكميات الإضافية التي تتجاوز احتياجات السوق إلى آسيا على متن الناقلات، إما من خليج المكسيك أو من الساحل الكندي على المحيط الهادئ. وتعمل هذه الصادرات البحرية بوصفها منفذاً لتصريف فائض النفط الكندي، ما يبقي أسعاره مرتبطة بالسوق العالمية.
شحنات آسيا
لكن الارتفاع الكبير في تكاليف الشحن جعل الرحلة الطويلة إلى آسيا غير مجدية مالياً إلى حد كبير، ما يحبس الإنتاج الكندي داخل الولايات المتحدة. والنتيجة؟ في خضم واحدة من أسوأ صدمات إمدادات النفط على الإطلاق، يُباع خام غرب كندا القياسي بخصم يبلغ نحو 30 دولاراً للبرميل مقارنة بالخامات القياسية الأخرى، وهو أحد أكبر الخصومات المسجلة على الإطلاق.
طالع المزيد: البنك الدولي: هوامش أمان شرق آسيا المالية تتقلص أمام صدمة الطاقة
تساعد تكاليف الشحن المرتفعة أيضاً في تفسير سبب بيع خام غرب أفريقيا بخصومات غير مسبوقة مقارنة بخام برنت، تتجاوز غالباً 10 دولارات، بل وتصل إلى أكثر من 20 دولاراً للبرميل، ما يعكس تكلفة شحن النفط الخام النيجيري والأنغولي إلى آسيا. وفي المقابل، يمثل خام الشرق الأوسط أقرب إمدادات النفط المتاحة لمصافي التكرير الآسيوية، ولذلك يُتداول بعلاوة سعرية.
تتمثل المحصلة الإجمالية لهذه العوامل في أن تكلفة النفط بالنسبة إلى الولايات المتحدة تقل حالياً عن 100 دولار للبرميل، وهي بالتأكيد أقل مما كانت عليه في مارس وأبريل. أما بقية العالم، فتواجه تكاليف تتراوح بين 120 و160 دولاراً للبرميل، وهي أعلى من مستوياتها قبل الحرب.
وسيستمر التباين الكبير في تكاليف الطاقة بين المناطق المختلفة، الناجم عن الانقسام في سوق النفط، ما لم تعد تكاليف الشحن إلى مستوياتها الطبيعية.
المصدر:
بلومبرغ