من الوظائف إلى الكهرباء... كيف تضرب موجات الحر اقتصاد العالم؟ -- Jul 14 , 2026 171
بحلول منتصف 2026، لم تعد موجات الحر والحرائق مجرد أزمة مناخية أو صحية، بل تحوّلت إلى بند ثابت في موازنات الدول والشركات، مع خسائر تتوزع بين تراجع الإنتاجية، وارتفاع فواتير الكهرباء، وتضرر المحاصيل الزراعية، وأضرار مباشرة في الممتلكات والبنية التحتية.
حرائق قياسية في الأشهر الأولى من العام
بحسب بيانات أوردتها رويترز استناداً إلى تحليل مجموعة "وورلد ويذر أتريبيوشن" (World Weather Attribution)، في مايو 2026، تجاوزت المساحات التي التهمتها الحرائق حول العالم 150 مليون هكتار (نحو 370.7 مليون فدان) خلال الأشهر الأربعة الأولى من عام 2026، بزيادة تقارب 20 بالمئة مقارنة بالرقم القياسي السابق للفترة ذاتها، وسط تحذيرات من أن تطور ظاهرة النينيو قد يفاقم مخاطر الحرائق والجفاف وموجات الحر وما يترتب عليها من تداعيات صحية واقتصادية خلال ما تبقى من العام.
أظهرت البيانات أن أفريقيا سجلت أكبر مساحة محترقة عالمياً خلال الأشهر الأربعة الأولى من 2026، تلتها آسيا التي شهدت حرائق واسعة في الهند والصين ولاوس وميانمار وتايلاند، إذ احترق نحو 44 مليون هكتار في القارة الآسيوية وحدها خلال الأشهر الأربعة الأولى من العام، بزيادة 40 بالمئة عن الرقم القياسي السابق المسجل في 2014.
حرائق أقل مساحة… لكن أعلى كلفة
في مفارقة لافتة، كشفت دراسة أعدّها فريق دولي بقيادة جامعة إيست أنجليا البريطانية، ونُشرت في مايو 2026 ضمن سلسلة "Climate Chronicles" في دورية Nature Reviews Earth & Environment، أن عام 2025 شهد ثاني أدنى مساحة أراضٍ محترقة عالميًا منذ عام 2002 (335 مليون هكتار، أي أقل بنسبة 16 بالمئة من المتوسط طويل الأمد)، رغم ذلك سجّل العام واحدة من أكثر موجات الحرائق تدميرًا وكلفة اقتصادية وبشرية في التاريخ الحديث، بحسب ما نقله موقع Phys.org عن الدراسة.
وبحسب الدراسة ذاتها، فإن حرائق "باليسيدز" و"إيتون" في كاليفورنيا وحدها، والتي اندلعت في يناير 2025، تسببت في خسائر مؤمَّن عليها بلغت 40 مليار دولار، وخسائر إجمالية قُدّرت بـ140 مليار دولار، ما جعلها خامس أكثر الكوارث الطبيعية كلفة في التاريخ من حيث الخسائر المؤمَّن عليها. كما أسفرت الحرائق في كندا والولايات المتحدة وأوروبا وكوريا الجنوبية خلال 2025 عن أكثر من 300 ألف عملية إخلاء وأكثر من 90 حالة وفاة.
سويسرا ري: الخسائر المؤمَّنة قد تقفز إلى 148 مليار دولار في 2026
بحسب تقرير "Sigma" الصادر عن شركة إعادة التأمين العالمية سويسرا ري (Swiss Re) في عدده الأول لعام 2026، بلغت الخسائر الناتجة عن الكوارث الطبيعية عالميًا والمؤمَّن عليها 107 مليارات دولار في عام 2025، مدفوعة بالعواصف الرعدية الشديدة وحرائق الغابات. وإذا استمر معدل النمو طويل الأمد لهذه الخسائر، فمن المتوقع أن ترتفع إلى نحو 148 مليار دولار في 2026، وقد تصل في سيناريو الخسائر القصوى (Peak-Loss Scenario)، إلى 320 مليار دولار، على أن تبلغ 186 مليار دولار بحلول 2030.
ويشير التقرير سويسرا ري إلى أن وتيرة نمو الخسائر المؤمن عليها الناجمة عن حرائق الغابات في أميركا الشمالية والعواصف الرعدية الشديدة في أوروبا تتجاوز بكثير ما يمكن تفسيره بزيادة الأصول المعرضة للخطر وحدها، ما يعكس تأثيراً متزايداً لحدة الظواهر المناخية وتفاقم المخاطر المرتبطة بها.
أوروبا: فرنسا في مقدمة الخاسرين اقتصاديًا
بحسب تقرير "Too hot to grow" الصادر عن Allianz Trade في مايو 2026، قد تتكبد فرنسا خسائر اقتصادية تراكمية تصل إلى 240 مليار دولار بين 2026 و2030 نتيجة موجات الحر المتطرفة، تليها إيطاليا بـ147 مليار دولار، ثم ألمانيا بـ131 مليار دولار وإسبانيا بـ120 مليار دولار.
كما حذّر التقرير من أن الاقتصادات الأكثر تعرضاً قد تخسر ما بين 5 بالمئة و7 بالمئة من ناتجها المحلي التراكمي خلال الفترة نفسها، في وقت لا تتجاوز فيه نسبة انتشار أجهزة التكييف في أوروبا 19 بالمئة مقارنة بنحو 90 بالمئة في الولايات المتحدة.
أرقام عالمية عن الإنتاجية وساعات العمل
وبحسب تقديرات منظمة العمل الدولية، فإن الإجهاد الحراري قد يؤدي إلى فقدان 2.2 بالمئة من إجمالي ساعات العمل عالمياً بحلول عام 2030، بما يعادل نحو 80 مليون وظيفة بدوام كامل وخسائر اقتصادية تصل إلى 2.4 تريليون دولار سنوياً.
كما تشير المنظمة إلى أن أكثر من 2.4 مليار عامل حول العالم يتعرضون سنوياً لدرجات حرارة مفرطة في أماكن العمل، ما يزيد من المخاطر الصحية ويؤثر سلباً على الإنتاجية.
الولايات المتحدة: كلفة قاربت نسبة 1 بالمئة من الناتج المحلي
في الولايات المتحدة، تشير بيانات جمعها موقع The World Data استنادًا إلى "أجندة السياسات الحرارية" الصادرة عن اتحاد العلماء الأمريكيين (Federation of American Scientists) في أكتوبر 2025، إلى أن الكلفة الاقتصادية للحرارة الشديدة في البلاد بلغت 162 مليار دولار في عام 2024 وحده، أي ما يعادل قرابة 1 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي الأميركي، وهو رقم يضع أضرار الحرارة في مصاف الخسائر الناجمة عن موسم إعصاري كبير.
وتشمل هذه الكلفة، بحسب المصدر، خسائر إنتاجية العمال في الهواء الطلق، وتكاليف الرعاية الصحية الطارئة، وأضرار المحاصيل الزراعية، وضغط الطلب على الكهرباء، وأضرار البنية التحتية والنقل الناجمة عن تمدد الطرق وتشوّه السكك الحديدية جراء الحرارة.
وفي تقرير نشرته شبكة ABC News مطلع يوليو 2026، أوضح أستاذ الجغرافيا في جامعة دارتموث جاستن مانكين أن التبعات الاقتصادية لموجات الحر "تبدو سلبية في كل مكان تقريبًا".
ونقلت ABC News عن بيركاي أكيابي، أستاذ إدارة الأعمال في جامعة فلوريدا، أن: ارتفاع درجات الحرارة ليلاً يُلحق ضرراً خاصاً بالمحاصيل الزراعية لأنه يحرمها من فترة التعافي أو الراحة المرتبطة بالبرودة الليلية، ما ينعكس سلباً على الإنتاج الزراعي وقد يسهم في ارتفاع الأسعار.
ضغط غير مسبوق على شبكات الكهرباء
أظهرت بيانات PJM Interconnection، أكبر مشغل لشبكات الكهرباء في الولايات المتحدة، توقع وصول الطلب إلى 166.3 غيغاواط خلال موجة الحر المرتبطة بعطلة الرابع من يوليو 2026، متجاوزاً الرقم القياسي التاريخي البالغ نحو 165.5 – 165.6 غيغاواط والمسجل في عام 2006، بحسب وكالة رويترز.
وأشارت رويترز، إلى أن هذا المستوى من الطلب دفع وزارة الطاقة الأمريكية لإصدار أوامر طوارئ بموجب المادة 202(c) من قانون الطاقة الفيدرالي، للسماح بتشغيل محطات الطاقة فوق الحدود البيئية المعتادة لضمان استقرار الشبكة.
يذكر أن تصاعد الطلب على الكهرباء يتقاطع مع توسع مراكز البيانات الخاصة بالذكاء الاصطناعي، خصوصًا في ولاية فرجينيا التي تضم أكبر تجمع لمراكز البيانات في العالم، حيث رصد باحثون ما يوصف بـ"جزيرة الحرارة الرقمية"، إذ ترتفع حرارة سطح الأرض المحيطة بهذه المراكز بمعدل درجتين مئويتين، وقد تصل الزيادة في بعض المواقع إلى 9 درجات مئوية.
الخلاصة: فاتورة اقتصادية تتجاوز حدود الطقس
تُظهر البيانات أن موجات الحر وحرائق الغابات لم تعد مجرد ظواهر مناخية موسمية، بل باتت عاملا اقتصاديا مؤثرا في النمو والإنتاجية وأسواق الطاقة والتأمين وسلاسل الإمداد.
وبينما تتصاعد الخسائر المؤمَّن عليها وتزداد الضغوط على شبكات الكهرباء والقطاع الزراعي وسوق العمل، تتجه الحكومات والشركات إلى إعادة تقييم المخاطر المناخية باعتبارها تكلفة اقتصادية مباشرة وليست مجرد تحدٍ بيئي. وتشير الاتجاهات الحالية إلى أن كلفة التكيّف مع المناخ المتطرف قد تصبح أحد المحددات الرئيسية للسياسات الاقتصادية والاستثمارية خلال السنوات المقبلة.
سكاي نيوز