تراجع التحويلات.. زلزال يهزّ الاقتصاد -- Aug 12 , 2026 84
تُشكّل تحويلات المغتربين أحد أبرز مصادر التدفقات المالية إلى الاقتصاد اللبناني، في ظل استمرار محدودية قدرة القطاعات الإنتاجية المحلية على توليد العملات الأجنبية. ومع تقديرات تتراوح بين 6.4 و6.9 مليارات دولار سنويًا عبر القنوات الرسمية، فضلا عن الأموال التي تدخل نقدًا عبر المسافرين، تكتسب هذه التدفقات وزنًا استثنائيًا في الاقتصاد، إذ تلامس وفق تقديرات اقتصادية نحو 30 إلى 35 % من الناتج المحلي الإجمالي. ولا يقتصر أثرها على تأمين السيولة بالدولار، بل يمتد إلى تمويل استهلاك الأسر ودعم النشاط الاقتصادي وتوفير جزء أساسي من احتياجاتها المعيشية.
الاعتماد المرتفع على تحويلات المغتربين يضع الاقتصاد اللبناني أمام حساسية متزايدة تجاه أي تغيّر في مصادر التحويلات أو اتجاهاتها. ومع استحواذ دول مجلس التعاون الخليجي على نحو 48 % من إجمالي التحويلات، وأميركا الشمالية على 16 % وأوروبا على 14 %، تصبح التطورات الاقتصادية والإقليمية في هذه الأسواق عاملا مؤثرًا في استدامة تدفق الدولارات إلى لبنان. وفي اقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على التدفقات الخارجية لتعويض ضعف الإنتاج المحلي والاختلالات المالية، فإن أي تراجع في التحويلات لا يُعد مجرد انخفاض في الأموال الوافدة، بل قد يتحول إلى ضغط على الاستهلاك والسيولة بالدولار وميزان المدفوعات، وصولا إلى الاستقرار النقدي.
العمود الفقري
يعتبر أستاذ الاقتصاد في الجامعة اللبنانية جاسم عجاقة، أن "تحويلات المغتربين تشكّل العمود الفقري للاقتصاد اللبناني، نظرًا إلى الدور الأساسي الذي تؤديه في دعم الدورة الاقتصادية وتأمين السيولة بالدولار".
ويوضح عجاقة لـ "نداء الوطن"، أن "التحويلات عبر القنوات الرسمية تتراوح حاليًا بين 6.4 و6.9 مليارات دولار أميركي، من دون احتساب الأموال التي تنتقل نقدًا عبر المسافرين، والتي يصعب تقدير حجمها بدقة. وباحتساب إجمالي التحويلات، يقدّر عجاقة أنها باتت تراوح بين 30 و35 % من الناتج المحلي الإجمالي، ما يعكس حجم الاعتماد الكبير للاقتصاد اللبناني على تدفقات المغتربين مقارنة باقتصادات أخرى".
ويلفت إلى أن "أهمية التحويلات لا تقتصر على بعدها النقدي، بل تمتد إلى دور اجتماعي واقتصادي واسع، إذ تعتمد عليها الأسر في تمويل جانب كبير من احتياجاتها المعيشية اليومية، بدءًا من التعليم والطبابة وصولا إلى الغذاء وسائر الخدمات الأساسية. كما أن تدفق هذه الدولارات إلى لبنان يعزّز السيولة بالعملات الأجنبية ويدعم ميزان المدفوعات، بحيث تؤدي التحويلات دورًا أساسيًا في تغذية الاقتصاد بالدولارات الطازجة والمساهمة في الحد من اختلالات ميزان المدفوعات".
وفي ظل التطورات الأمنية والاقتصادية التي تشهدها المنطقة، يطرح السؤال حول مدى تأثر هذه التحويلات بهذه المتغيرات.
يوضح عجاقة أن "نحو 48 % من إجمالي التحويلات تأتي من دول مجلس التعاون الخليجي، فيما تستحوذ أميركا الشمالية على نحو 16 % وأوروبا على 14 %. وبالتالي، فإن أي تغير يطرأ على اقتصادات هذه الدول ينعكس بصورة مباشرة على أوضاع اللبنانيين العاملين فيها، وبالتالي على حجم التحويلات المتدفقة إلى لبنان".
كما يشير إلى "عامل آخر يتمثل في ارتفاع كلفة التحويلات، الأمر الذي يؤدي إلى تراجع القيمة الفعلية للأموال التي تصل إلى لبنان". كذلك، يلفت إلى "تحول اجتماعي طويل الأمد يرتبط بتعاقب الأجيال في الاغتراب، إذ إن سفر الأبناء ثم نشوء أجيال جديدة خارج لبنان يؤدي تدريجيًا إلى تراجع الروابط الاجتماعية والعاطفية مع البلد الأم. ومن شأن هذا المسار، على المدى المتوسط والبعيد، أن ينعكس على حجم التدفقات المالية، مع احتمال تراجع التحويلات نتيجة ضعف الارتباط العاطفي بلبنان".
تداعيات متشابكة
أما في حال استمرار هذا الواقع، فيحذّر عجاقة من تداعيات اقتصادية ونقدية واجتماعية متشابكة.
ويشير إلى أن "تراجع التحويلات سينعكس تلقائيًا على الاستهلاك الخاص، باعتبار أن هذه الأموال تشكّل مصدرًا أساسيًا لتمويل استهلاك الأسر، فيما يمثل الاستهلاك أحد المحركات الرئيسية للنمو الاقتصادي في لبنان. وبالتالي، فإن انخفاض التحويلات سيقود إلى تراجع الاستهلاك، بما يشكّل ضربة اجتماعية كبيرة لعدد واسع من العائلات، بالتزامن مع تعميق حالة الركود الاقتصادي، وهو ما يصفه عجاقة بأنه من أكبر المخاطر التي يمكن أن تواجه الاقتصاد".
وفي موازاة ذلك، يتوقع عجاقة أن "يؤدي تراجع التحويلات إلى انكماش السيولة بالدولار، باعتبار أن انخفاض التدفقات يعني دخول كمية أقل من العملات الأجنبية إلى الاقتصاد، ما يضغط على ميزان المدفوعات ويقلّص السيولة الدولارية المتاحة. وينعكس ذلك بدوره على المستوى المعيشي للمواطنين، مع ما قد يترتب عليه من تداعيات اجتماعية إضافية".
ولا يستبعد عجاقة أن "يمتد الضغط إلى استقرار سعر الصرف واحتياطات مصرف لبنان"، موضحًا أن "دولرة الاقتصاد اللبناني تقوم على توازن هش، في ظل كتلة نقدية بالدولار تتغذى بدرجة أساسية من أموال المغتربين. وبالتالي، فإن تراجع هذا المصدر سيعني تلقائياً انخفاض كمية الدولارات المتوافرة في السوق، ما قد يضع مصرف لبنان أمام الحاجة إلى ضخ دولارات إضافية، أو يترك سعر الصرف عرضة لضغوط جديدة".
تقييم عام
في تقييمه العام، يخلص عجاقة إلى أن "النموذج الاقتصادي اللبناني القائم حاليًا يعتمد بدرجة كبيرة على تحويلات المغتربين، التي تمثّل نحو 35 % من الناتج المحلي الإجمالي، ما يجعلها عنصرًا أساسيًا في استمرارية الاقتصاد". لكنه يشدد في المقابل على أن "هذا الدور لا يمكن أن يتحول إلى بديل عن اقتصاد قوي ومنتج"، معتبرًا أن "التحويلات تؤدي عمليًا وظيفة "مسكّن" لا يمكنه أن يحل مكان "اقتصاد منتج، وقطاع مصرفي قوي، واستثمارات وفرص عمل". فهذه العوامل مجتمعة، بحسب عجاقة، هي التي تخلق "الثروة وتؤسس لنمو اقتصادي مستدام"
تبقى تحويلات المغتربين ركيزة أساسية للاقتصاد اللبناني ومصدرًا حيويًا للعملات الأجنبية، إلا أن استمرار الاعتماد عليها بهذا الحجم يكشف في الوقت نفسه هشاشة النموذج الاقتصادي القائم. فهذه التدفقات، على أهميتها في دعم الاستهلاك وتوفير السيولة بالدولار، لا تستطيع أن تحل مكان الإنتاج والاستثمار ولا أن تؤسس وحدها لنمو مستدام. وبالتالي، فإن الحفاظ على أموال الاغتراب يبقى ضرورة للاقتصاد، لكن التحدي الحقيقي يكمن في بناء اقتصاد منتج قادر على توليد الدخل والعملة الأجنبية وخلق فرص العمل، بما يخفف تدريجيًا من ارتهانه لتدفقات خارجية لا يملك التحكم بمسارها.
رماح هاشم- نداء الوطن