طوابير البنزين تعود إلى سوريا.. ومحطات مغلقة رغم الشحنات

طوابير البنزين تعود إلى سوريا.. ومحطات مغلقة رغم الشحنات -- Aug 13 , 2026 7

عاد مشهد طوابير السيارات أمام محطات الوقود إلى عدد من المحافظات السورية، بعد أيام قليلة من إعلان الجهات المعنية انتهاء الاختناقات السابقة. فما إن تنحسر الأزمة ويعود تدفق البنزين إلى المحطات، حتى تبدأ رحلة جديدة للمواطن بحثاً عن محطة قادرة على تعبئة خزان سيارته، وسط تفاوت في توفر المادة بين منطقة وأخرى.

وخلال الأيام الأخيرة، شهدت عدة محافظات سورية ازدحاماً أمام محطات الوقود، بالتزامن مع عطل فني طرأ على خط نقل البنزين بين بانياس وحمص، أدى إلى توقف الضخ مؤقتاً وتأخر وصول الكميات المخصصة للتوزيع.

وقالت الشركة السورية للبترول إن العطل أدى إلى توقف الضخ عبر الخط، لكنها فعّلت خطة تزويد بديلة بواسطة الصهاريج مباشرة من بانياس، بالتوازي مع عمل الفرق الفنية التي تمكنت من إصلاح المضخة وإعادة تشغيلها واستئناف الضخ عبر الخط.

إلا أن عودة الضخ لم تنهِ الازدحام بصورة فورية، إذ بقيت محطات في عدد من المناطق تعاني نقصاً في المادة، بينما تفاوتت حدة الأزمة بين محافظة وأخرى.

ساعتان وأكثر في طابور البنزين

بالنسبة للمواطن، لم تعد المشكلة تقتصر على ارتفاع الأسعار أو كلفة التنقل، بل بات الحصول على البنزين نفسه يحتاج إلى وقت طويل.

ويقول عماد عبد الكريم، أحد سكان دمشق، لـِ "المدن"، إن الانتظار أمام محطات الوقود قد يستغرق ساعتين وأكثر، في حال كانت المحطة مفتوحة وتتوفر فيها المادة، بينما يضطر السائق في أحيان أخرى إلى مغادرة المحطة بعد الانتظار بسبب نفاد البنزين.

ويضيف أن بعض المحطات أصبحت تغلق أبوابها أمام السيارات في منتصف الأسبوع أو نهايته تقريباً، بحجة عدم توفر المادة، ما يدفع المواطنين إلى التنقل بين أكثر من محطة بحثاً عن البنزين.

بدوره، يؤكد عصام النشاوتي، وهو مواطن من دمشق، أن الطوابير أصبحت مشهداً يتكرر بصورة شبه دورية، إذ تختفي لفترة قصيرة بعد وصول الإمدادات، ثم تعود من جديد مع أي تأخير في التوريد، مشيراً إلى أن المواطن لا يعرف مسبقاً أي محطة ستتوفر فيها المادة وأيها ستغلق أبوابها.

عطل خط النقل ليس عطلاً في المصفاة

وفي محاولة لتوضيح طبيعة العطل الأخير، نفى مدير عام مصفاة بانياس، المهندس أحمد عبد الرحمن السوسي، لـِ "المدن"، أن يكون تعطل خط نقل المحروقات بين بانياس ودمشق مرتبطاً بوجود عطل في المصفاة أو عدم توفر المادة.

وأوضح أن الخط المعني يتبع للشركة السورية لتخزين وتوزيع المواد البترولية "سادكوب"، وليس لمصفاة بانياس أو معاملها، مشيراً إلى أن مسؤولية تشغيل ومتابعة الخط تقع على الجهات المعنية بالمحروقات.

وأكد أن الكوادر المختصة تعمل حالياً على تجهيز المصفاة للمرحلة المقبلة، وأن العمل يجري وفق الإجراءات الفنية والنظام المعتمد، كما أشار إلى وصول ناقلات جديدة في إطار التحضيرات المرتبطة بعمل المصفاة وتوفير احتياجاتها.

24 ألف ليتر لا تكفي محطة مزدحمة

في المقابل، يقدم أصحاب محطات الوقود تفسيراً آخر للاختناقات المتكررة، يتعلق بآلية التوريد والكميات ومواعيد وصول الشاحنات، إضافة إلى تغير الأسعار.

وقال خالد برهوم، مدير إحدى محطات الوقود في دمشق، لـِ "المدن"، إن تأخر وصول شاحنات البنزين خلال الأيام الماضية كان أحد الأسباب المباشرة للأزمة، موضحاً أن الكميات التي تصل إلى المحطات انخفضت أيضاً، وهذا ما يجعل أي تأخير في التوريد ينعكس سريعاً على توفر المادة للمواطنين.

وأشار إلى أن الطلبية الواحدة التي تحصل عليها المحطة تبلغ نحو 24 ألف ليتر من البنزين، وهي كمية قد تنفد في محطة مزدحمة بدمشق خلال أقل من ساعة إلى عدة ساعات، بحسب حجم الإقبال عليها.

وبذلك، فإن تأخر وصول الشحنة التالية لا يعني مجرد انخفاض المخزون، بل قد يؤدي سريعاً إلى إغلاق المحطة أمام السيارات وعودة الطوابير.

وأوضح برهوم أن سعة خزان البنزين الواحد في بعض فئات محطات الوقود تتراوح بين 25 ألفاً و50 ألف ليتر، بينما تتراوح سعة خزان المازوت بين 35 ألفاً و75 ألف ليتر، مع إمكانية تعدد الخزانات للمادة الواحدة ضمن المحطة، على ألا تزيد سعتها الإجمالية عن 400 ألف ليتر ولا تقل عن 250 ألف ليتر.

وأكد أن المشكلة لا تتعلق بسعة التخزين وحدها، وإنما بانتظام التوريد، إذ إن وصول طلبية واحدة بحجم 24 ألف ليتر لا يضمن استمرار توفر المادة لعدة أيام، خصوصاً في المحطات التي تشهد إقبالاً كبيراً.

شراء بالدولار وبيع بالليرة

إلى جانب مشكلة التوريد، يواجه أصحاب المحطات، بحسب أصحابها، مشكلة أخرى تتمثل في تغير أسعار المحروقات بصورة متكررة.

وقال أحمد طيبة، صاحب محطة وقود، لـِ "المدن"، إن أصحاب المحطات يضطرون إلى شراء المادة بالدولار وبيعها بالليرة السورية، وهذا ما تسبب، وفق قوله، بخسائر كبيرة نتيجة تغير الأسعار وسعر الصرف.

ويضيف أن هذه الظروف دفعت عدداً من أصحاب المحطات إلى عدم تقديم طلبات للحصول على المادة بصورة يومية، والاكتفاء بطلبها عدة أيام في الأسبوع، لتجنب الخسائر المرتبطة بتغير الأسعار والكميات ومواعيد وصول الشاحنات.

ويؤكد أن إغلاق بعض المحطات أبوابها أمام السيارات في منتصف الأسبوع أو نهايته لا يعني بالضرورة توقف الإمدادات بشكل كامل، وإنما يرتبط في بعض الحالات بنفاد الكمية المتاحة قبل وصول الطلبية التالية.

ملايين الليترات تصل إلى بانياس..

وتأتي الاختناقات الأخيرة رغم استمرار وصول شحنات المشتقات النفطية إلى سوريا، فقد استقبل مصب بانياس النفطي منذ بداية العام 108 نواقل محملة بنحو 3.23 ملايين طن من المشتقات النفطية، بينها ناقلة عملاقة وصلت أخيراً محملة بنحو 37 ألفاً و646 طناً مترياً من البنزين.

كما وصلت ثلاث ناقلات محملة بالبنزين والمازوت والغاز، بإجمالي يتجاوز 79 ألف طن متري، فيما جرى تفريغ نحو 73 ألف متر مكعب من المشتقات النفطية خلال اليومين الماضيين، مع وجود ناقلتين إضافيتين بانتظار التفريغ، وفق بيانات الشركة السورية للبترول.


وأوضحت الشركة أن فرق الربط عملت على ربط الناقلات وتفريغ الشحنات في خزانات بانياس، بعد استكمال الإجراءات الفنية المعتمدة.

كما تعمل الشركة على تجهيز مضخات احتياطية بديلة لضمان استمرارية الضخ وسرعة التعامل مع أي أعطال طارئة مماثلة مستقبلاً، إلى جانب العمل على زيادة السعات التخزينية وإنشاء خزانات إضافية.

وأعلنت وزارة الطاقة في 11 تموز إرسال 407 طلبيات بنزين إلى محطات الوقود في المحافظات، بإجمالي نحو 9.768 ملايين ليتر.

وتقدر حاجة سوريا اليومية من البنزين بين 3.8 و4.5 ملايين ليتر، فيما تبلغ حاجة دمشق وريفها نحو 1.6 مليون ليتر يومياً.

وكانت "سادكوب" قد عزت الاختناقات السابقة إلى مجموعة من العوامل، بينها اضطرابات الملاحة والنقل البحري، وارتفاع تكاليف الاستيراد، والتحديات التشغيلية خلال إعادة تأهيل البنية التحتية، إضافة إلى زيادة الطلب في بعض المناطق.

الاعتماد على الاستيراد

وتعتمد سوريا، إلى جانب إنتاجها المحلي، على الاستيراد لتأمين جزء من احتياجاتها النفطية. واستوردت البلاد نحو 16.8 مليون برميل من النفط الروسي خلال عام 2025، قبل أن يرتفع متوسط الواردات إلى نحو 60 ألف برميل يومياً خلال الأشهر الأولى من 2026 بحسب الهيئة العامة للمنافذ والجمارك.

كما وضعت الشركة خطة مسبقة للاستيراد بهدف سد حاجة السوق خلال الفترة التي ستتوقف فيها مصفاة بانياس لأعمال العمرة والصيانة.


لكن استمرار وصول الناقلات لا يعني بالضرورة وصول المادة بالسرعة نفسها إلى محطات الوقود، إذ تكشف الأزمة الأخيرة عن فجوة بين الإمدادات الواصلة إلى البلاد وبين انتظام عمليات النقل والتخزين والتوزيع.

إنتاج محلي محدود

وتزيد محدودية الإنتاج المحلي من حساسية منظومة المحروقات أمام أي خلل في الاستيراد أو النقل، إذ لا يزال نحو 40% فقط من الآبار النفطية والغازية في سوريا قيد الخدمة والإنتاج.

ولا تعني جميع الآبار المحفورة أنها مخصصة لإنتاج النفط، إذ توجد آبار تستخدم لحقن المياه أو الرفع الغازي، وأخرى تحفر لأغراض جيولوجية أو لاستكشاف طبيعة الطبقات الأرضية.

وتحتاج سوريا، بحسب مدير مصفاة بانياس، خلال المرحلة المقبلة إلى الاستفادة من الخبرات العربية، ولا سيما الخليجية، لتطوير قطاع التكرير ورفع كفاءة المصافي وإعادة بناء البنية التحتية النفطية.

وفي الوقت الذي تعمل فيه الجهات المعنية على زيادة التخزين وتأمين مضخات احتياطية، يبقى المواطن أمام مشكلة أكثر إلحاحاً: الوصول إلى محطة مفتوحة، والعثور على البنزين فيها، ثم الانتظار لساعتين أو أكثر للحصول على كمية قد لا تكون متاحة في المحطة التالية.

وبين وصول الناقلات إلى بانياس وتعطل خط نقل لساعات، وتأخر الشاحنات أو انخفاض الكميات المخصّصة للمحطات، تبدو أزمة البنزين في سوريا أبعد من عطل فني منفرد، فهي تكشف هشاشة منظومة التزويد أمام أي خلل في إحدى حلقاتها، من الاستيراد والتخزين والنقل وصولاً إلى محطة الوقود والمستهلك.

نور ملحم - المدن

أقرأ أيضاَ

أسهم "لينوفو" تقفز 22% وسط التفاؤل بالذكاء الاصطناعي وصعود الإيرادات

أقرأ أيضاَ

أرباح "موانئ دبي العالمية" تهبط 39% وسط اضطرابات حرب إيران