"صندوق النقد" و"البنك الدولي" في سوريا: عودةٌ إلى "الخديعة" نفسها؟ -- Aug 20 , 2026 16
مرّت العلاقة السورية مع المؤسّستَين الدوليتَين الشهيرتَين: «البنك الدولي» و«صندوق النقد الدولي»، خلال العقود الماضية، بمراحل متباينة، اتّسمت أحياناً بالقطيعة الكاملة كما في سنوات الحرب الممتدّة بين عامَي 2011 و2024، وأحياناً أخرى بالتعاون الفني والمالي، وصولاً إلى تطبيق دمشق الكثير من توصيات المؤسّستَين في الإصلاح الاقتصادي والمالي، وتحديداً ما بين عامَي 2005 و2010. وبعد سقوط النظام السابق، وما تبعه من انفتاح عربي وغربي واسع، عاد التعاون بمختلف أشكاله بين دمشق والمؤسّستَين المذكورتَين، وذلك بتبنّي الأولى سياسات ليبرالية قاسية على حساب الطبقات الفقيرة وذوي الدخل المحدود. ومع أن الإدارة الجديدة أعلنت صراحة أنها ليست في صدد طلب قروض لتسريع تعافي اقتصاد البلاد، إلا أن الخوف لم يعُد من الاستدانة بحدّ ذاتها، وإنما من مضمون المشاورات والنصائح التي يمكن أن تقدَّم، والتقليل من خطورة المشاكل الاجتماعية وانعكاسات سياسات «التحرير والإصلاح» على حياة الناس. وهذا ما كان حدث بالضبط قبل حصول الانفجار الاجتماعي الشهير بداية العام 2011، وتحوّله بعد أشهر قليلة إلى حرب كارثية أتت على الأخضر واليابس في البلاد.
عودة إلى ما قبل 2011
قبل عامٍ واحدٍ تماماً من اندلاع أولى التظاهرات الشعبية في منتصف آذار/ مارس 2011، كان «صندوق النقد الدولي» يشيد، في تقريره السنوي المعتاد عن سوريا، والمتعلّق بما يسمّى مشاورات المادة الرابعة، بالإصلاحات التي أجرتها الحكومة السورية آنذاك، و«إصرار السلطات على تحديث نظام الدعم لزيادة المكاسب المالية والكفاءة وتوجيه المساعدات»، واصفاً برنامج تحديث القطاع المالي بـ«الطموح». في ذلك التقرير، المليء بعبارات الثناء والإعجاب والتشجيع، لم يكتب خبراء الصندوق تحذيراً واحداً عن خطورة التأثيرات الواقعة على القطاعات الإنتاجية من جرّاء سياسة تحرير التجارة ورفع أسعار السلع والخدمات المدعومة، لا سيما تلك المتعلّقة بالكلفة الاجتماعية الباهظة. لا بل إن هؤلاء الخبراء اعتبروا أن انخفاض الاستهلاك المحلّي من البترول بعد رفع أسعاره، هو دليل على وجود هدر وتسريبات فقط، وكأن خروج مساحات واسعة من الأراضي الزراعية في المنطقة الشرقية بعد موجة الجفاف الشديدة وهجرة آلاف الأسر إلى محافظات أخرى، ليس له علاقة بتراجع استهلاك المازوت؛ والأمر نفسه ينسحب على توقّف آلاف المنشآت والورش الصناعية والحرفية عن الإنتاج، والذي أعقب إغراق الأسواق المحلّية بالمنتجات التركية المنافِسة.توقّعات خبراء الصندوق آنذاك، كانت تشير إلى وجود تحسّن في الأداء الاقتصادي خلال عام 2010؛ إذ «من المتوقّع أن يسهم التعافي المستمر في أسواق شركاء سوريا التجاريين في زيادة تدريجية في الصادرات والتحويلات المالية والاستثمار الأجنبي المباشر، كما أنه من المرجّح أن يستمرّ القطاع الزراعي في التعافي من الجفاف الشديد الذي شهده العامان الماضيان، ويُتوقَّع أن يبلغ النمو 5%، كما يُتوقَّع أن ينخفض العجز المالي الإجمالي بنحو نقطة مئوية واحدة». وحتى عند العودة إلى تقرير العام السابق، أي 2009، سنجد تقييماً مشابهاً، حيث تتكرّر كثيراً عبارات الترحيب والإشادة بما أنجزته السلطات في العام 2008 من «إصلاحات اقتصادية». فمثلاً، كان هناك ثناء من جانب الخبراء على «التقدّم المحرَز في التحوّل إلى اقتصاد السوق»، مع الإشارة إلى «أن الجزء المتبقّي من برنامج الإصلاح الهيكلي كبير». ولذلك، حثّ الخبراء الحكومة على «مواصلة تحرير التجارة الخارجية. وفي مجال خفض الدعم على الوقود، اعتبر الخبراء أن ذلك أسهم في تحسين آفاق المالية العامة للبلاد». كما حثّ التقرير «الحكومة على الحفاظ على هذا التقدّم بهدف إلغاء الدعم تماماً بحلول العام 2010، مع برنامج تعويضي موجَّه إلى المستحِقّين لتخفيف أثر إلغاء الدعم على الفقراء».
طبعاً، في العام التالي لم يجرِ الصندوق أيّ مراجعة موضوعية، كما لم يقُم بأيّ محاولة لتتبّع ذلك الأثر، في وقت كان فيه الخبراء المحلّيون والصناعيون والاقتصاديون يرفعون الصوت بالتحذير من مغبّة الاستمرار في سياسة التحرير المتسارع للاقتصاد، لا سيما أن تقييم منتصف الخطّة الخمسية العاشرة، والذي رفض نائب رئيس مجلس الوزراء للشؤون الاقتصادية في حينها، عبد الله الدردري، اعتماده، شكّل فضيحة حكومية لجهة إقراره بعدم التكافؤ بين عمليات لبرلة الاقتصاد المتسارعة، وبين إجراءات الحماية الاجتماعية الضعيفة والمحدودة. ولم تكن حال «البنك الدولي» في التعامل مع التطورات الاقتصادية السورية، مخالفةً لحال «الصندوق» أيضاً، سواء في الإشادة بالإصلاحات، أو في غضّ النظر عن الكلفة الاجتماعية لتلك الإصلاحات، والتي كانت مؤشّراتها ومعطياتها واضحة.
تجربة المجرَّب
في العام الماضي، عاد «صندوق النقد الدولي» و«البنك الدولي» إلى العمل مجدّداً في سوريا، في وقت أعلنت فيه السلطات الجديدة، على لسان أكثر من مسؤول فيها، عن توجّهها إلى تطبيق آليات اقتصاد السوق، بادئةً أولى خطواتها على هذا الطريق بتحريرها الكامل لأسعار المشتقات النفطية لتصبح بالسعر العالمي، وخفض الدعم بشكل كبير عن الكهرباء والخبز، فضلاً عن رفع معظم القيود عن المستوردات والتفكير في خصخصة القطاع العام. وعلى الأثر، عاد «صندوق النقد» ليبيع الوهم المحبَّذ لدى الحكومات؛ إذ خلص تقييمُ بعثته التي زارت دمشق في شباط/ فبراير الماضي، إلى أن «الاقتصاد السوري واصل إظهار بوادر تعافٍ، مع تسارع وتيرة النشاط الاقتصادي نتيجة لتحسّن شعور المستهلكين والمستثمرين، ورفع العقوبات الدولية المفروضة على سوريا، وإعادة اندماجها تدريجياً في الاقتصاد الإقليمي والعالمي. ويبشّر التقدّم المحرَز نحو المصالحة الوطنية، واستمرار عودة اللاجئين، وزيادة إمدادات الكهرباء وهطول الأمطار، والعديد من المشاريع الاستثمارية الجديدة الكبيرة، بآفاق نموّ واعدة لعام 2026 وما بَعده». لكن عملياً، ما حدث على أرض الواقع كان خلاف ذلك؛ فالمشاريع الاستثمارية الكبيرة تَبيّن أن معظمها مجرّد نوايا لا أكثر، ورفع العقوبات لا يزال إلى الآن نظرياً، فيما المستهلكون لم يشعروا سوى بزيادة معدّلات التضخم والغلاء.
وفي تقييمه المشار إليه أيضاً، ذكر الصندوق أن «البيانات الأوّلية تشير إلى أن موازنة الحكومة المركزية اختُتمت عام 2025 بفائض طفيف، حيث تَركّز الإنفاق على تلبية الاحتياجات الأساسية، وتحسين مستويات معيشة المواطنين، ورفع مستوى الأجور». وإذا كان رفع مستوى الأجور قد تَحقق فعلاً، وهي خطوة تُحسب للحكومة الانتقالية، إلا أن الصندوق غضّ الطرف عن تسريح ما يزيد على 800 ألف عامل، عسكري ومدني، وتبعات ذلك على المستوى المعيشي لآلاف الأسر، وعلى مستقبل الاستقرار الاجتماعي. وإلى أبعد من ذلك ذهبت بعثة الصندوق في تخيّلاتها، طالبةً من الحكومة «مواصلة الجهود لتعزيز شبكة الأمان الاجتماعي لدعم الشرائح الأكثر هشاشة في المجتمع»، فيما لا تبدو هذه الشبكة موجودة أصلاً حتى يصار إلى تعزيزها.
أيضاً، وقبل أيام قليلة، زارت بعثة جديدة من «النقد الدولي» سوريا، وأصدرت بياناً أعلنت فيه أن «الاقتصاد السوري يشهد تعافياً متزايداً، مع توقّعات نموّ اقتصادي تتجاوز نسبته 10% في عام 2026، وسيستمرّ النمو القوي في عام 2027، مدعوماً بتحسّن الزراعة وإنتاج النفط والغاز وتوفير الكهرباء والتجارة والخدمات، فضلاً عن عودة اللاجئين وتزايد أعداد الزوار والإنفاق الحكومي. ومع ذلك، لا يزال الفقر منتشراً على نطاق واسع، بالإضافة إلى اختلاف وتيرة النمو بين المناطق». وهنا، يمكن التوقّف عند نقطتَين: تجاهل الصندوق حقيقة أن الدول التي تشهد تحولاً سياسياً بعد سنوات من الحروب والنزاعات غالباً ما تسجّل معدلات نمو مرتفعة لا تكون وليدة تعافٍ اقتصادي حقيقي؛ وسوريا ليست استثناءً من ذلك. والنقطة الثانية، الإشارة إلى الفقر باعتباره إرثاً من زمن الحرب، وبالتالي تبرئة السياسات الليبرالية الجديدة المطبَّقة من أيّ مسؤولية.
أمّا «البنك الدولي»، الذي كان انخراطه سريعاً عبر انتقاله من مرحلة التقييم والتعاون الفني إلى تقديمه منحاً مالية، فقد أشار في تقريره الصادر في حزيران/ يونيو من العام الماضي، إلى أن «السلطات ملتزمة بإنعاش النمو الاقتصادي وتحسين مستويات المعيشة عبر سياسات اقتصادية سليمة. وتبذل السلطات الجديدة جهوداً كبيرة لتوحيد السياسات الاقتصادية الكلية والمالية والنقدية في البلاد، مع التركيز على حوكمة جيدة للمال العام وإدارة مالية ونقدية رشيدة. كما تعمل الإدارة الجديدة بجدّ لجذب استثمارات دولية متزايدة وتعهّدات بالمساعدات، يُتوقّع أن تُسهم في إعادة بناء الاقتصاد». لكن، ماذا كانت نتائج تلك الالتزامات والخطوات بعد عام كامل؟ وهل هذا فعلاً ما قامت بتنفيذه السلطات أو كان الأمر مجرّد إعلان نوايا؟
رغم حال الغموض وعدم الشفافية التي تنتجها الحكومة الانتقالية في سياساتها ومشاريعها، ومن بينها أوجه الإنفاق التفصيلية لموازنتَي عامَي 2025 و2026، فإن البيانات المتوفرة تشير إلى أن سعر صرف الليرة في السوق الموازية انخفض من نحو 10150 ليرة للدولار الواحد في حزيران/ يونيو 2025، إلى نحو 13300 ليرة للدولار الواحد في الشهر نفسه من العام الحالي، فيما تُظهر بيانات بحثية مستقلّة ارتفاع الرقم القياسي لأسعار المستهلك من نحو 745 في نيسان من العام الماضي إلى نحو 950 في نيسان من السنة الجارية. وفي ضوء ذلك، يُفهم تزايد الاحتقان الشعبي، وخروج تظاهرات في مناطق عدّة احتجاجاً على تدهور الأوضاع المعيشية في البلاد.
واحد من اثنين
إزاء ذلك، يمكن الحديث عن احتمالَين: إمّا أن تقييمات «صندوق النقد» و«البنك الدولي» للأوضاع الاقتصادية قبل عام 2011 كانت مضلِّلة، بدليل الانفجار الاجتماعي الذي شهدته البلاد، والذي تحوّل لاحقاً إلى حرب أضاعت كلّ المنجزات التنموية التي تمّ تحقيقها في العقود الأربعة الأخيرة. وإذا ما صحّ هذا الاحتمال، فهو يحتّم على السلطات الجديدة في دمشق الحذر من الانسياق كثيراً خلف عبارات الإشادة والترحيب التي تطلقها تلك المؤسّسات حيال السياسات والإجراءات المطبَّقة، وإلا سوف يحدث ما لا تحمد عقباه مجدّداً. وأمّا الاحتمال الثاني، فهو أن التقييمات المشار إليها كانت صحيحة وموضوعية؛ وبالتالي، فإن الحديث عن وجود جذور اقتصادية واجتماعية للأزمة التي عصفت بالبلاد لاحقاً لم يكن صحيحاً، وهو ما يدعم رواية النظام السابق عن وجود تدخل إقليمي ودولي في نشوء الأزمة وتفاقمها.
على أيّ حال، يبقى السؤال الذي لا يجد إجابة شافية في التصريحات الصادرة عن المؤسّستَين الدوليتَين: لماذا تزداد انتقادات السوريين للأوضاع الاقتصادية والمعيشية إذا كانت هناك بوادر للتعافي، وتحسّن في المستوى المعيشي، ومعدلات نمو مرتفعة، وفق ما تتحدّث عنه تقاريرهما؟
سلام محمد - الاخبار